الجزيرة.نت - 8/9/2026 5:21:56 AM - GMT (+3 )
Published On 9/8/2026
يرى كاتب في مجلة فورين بوليسي الأمريكية أن إسرائيل تتجه إلى انتخابات قد تكون من أكثر الاستحقاقات حساسية في تاريخها، لا بسبب الحرب والصراع مع الفلسطينيين فقط، وإنما بسبب سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها، فهل ستظل "ليبرالية" كما تصورها مؤسسوها عام 1948، أم ستواصل الانزلاق نحو نظام "أكثر محافظة".
ويقول ديفيد روزنبرغ -في تحليله بالمجلة- إن هذا السؤال سيكون في صميم الانتخابات البرلمانية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
ويرى الكاتب أن عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى السلطة عام 2022 شكلت نقطة تحول واضحة في هذا المسار، بعدما شكل حكومة ائتلافية مع أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب اليهودية الأرثوذكسية المتشددة.
ومنذ ذلك الحين، تحركت الحكومة على جبهتين رئيسيتين: الأولى إعادة تشكيل ميزان القوى بين القضاء والسياسيين من خلال تقليص صلاحيات المحكمة العليا وزيادة نفوذ الحكومة والكنيست في تعيين القضاة ومراقبة المؤسسات القانونية؛ والثانية توسيع حضور الدين اليهودي في المجال العام ومنح المستوطنين في الضفة الغربية مزيدًا من الدعم السياسي والمالي والقانوني.
وكان مشروع التعديلات القضائية أحد أبرز ملفات حكومة نتنياهو، لكنه واجه احتجاجات شعبية واسعة وأحكامًا قضائية حالت دون تطبيقه بصورة كاملة، ثم جاءت حرب غزة بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتضع المشروع في الخلفية، حسب المجلة.
ومع ذلك، لم تتخلَّ الحكومة عن خطة تغيير النظام القضائي، بل واصلت تمرير أجزاء منها، بالتزامن مع تعزيز الامتيازات الممنوحة للمجتمع الحريدي، ولا سيما في قضية الإعفاء من الخدمة العسكرية، التي أصبحت واحدة من أكثر الملفات إثارة للانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
إعلان
في الوقت نفسه، شهدت الضفة الغربية تصاعدًا في عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين، وسط اتهامات للحكومة بالتساهل مع هذه الاعتداءات أو توفير الغطاء السياسي لها.
كما يتهم الكاتب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بمحاولة تحويل الشرطة إلى أداة سياسية لقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة، في حين يسعى وزير الدفاع يسرائيل كاتس إلى تعزيز نفوذ الحكومة على المؤسسة العسكرية.
ويشبه الكاتب أسلوب نتنياهو السياسي في هذا الجانب، بأسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خصوصا في محاولة إضعاف المؤسسات التي يمكن أن تشكل قيودًا على السلطة، والتعامل مع الخصوم السياسيين باعتبارهم خصومًا غير شرعيين.
معارضة ضعيفةويشير روزنبرغ إلى أن نتنياهو لم يتمكن فقط من الضغط على المعارضة، بل أيضًا من تهميش خصومه داخل حزب الليكود نفسه، إضافة إلى ممارسة ضغوط على مؤسسات الدولة، من القضاء إلى الجيش.
وفي مقابل ذلك، تبدو المعارضة الإسرائيلية ضعيفة ومجزأة، رغم أنها تضم أحزابًا من اليسار والوسط واليمين، إلى جانب أحزاب تمثل المواطنين العرب.
ويأخذ الكاتب على المعارضة عدم تقديم بديل سياسي متماسك خلال السنوات الماضية، وعدم قدرتها على تعطيل أجندة حكومة نتنياهو داخل الكنيست، إلا أنها رغم انقساماتها، تتفق على قضايا أساسية مثل استقلال القضاء، ورفض تسييس الجيش والشرطة، ومعارضة عنف المستوطنين ورفض الامتيازات الخاصة الممنوحة للحريديم.
الأسوأ أن يلجأ نتنياهو وحلفاؤه إلى التشكيك في نتائج الانتخابات إذا جاءت في غير صالحهم
وتبرز في هذا السياق شخصية رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت باعتباره أبرز فرصة للمعارضة لمنافسة نتنياهو، لكن صعوده لا يعني أن طريقه إلى السلطة أصبح مضمونًا، لأن جزءا من مؤيديه ينتمي إلى "اليمين المعتدل"، وقد يعودون إلى الليكود إذا نجح نتنياهو في تحسين صورة حزبه.
استبعاد الأحزاب العربيةوتواجه المعارضة مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا، تتمثل في موقف آيزنكوت من الأحزاب العربية، إذ تعهد بتشكيل حكومة تضم أحزابًا صهيونية فقط، مما يعني استبعاد الأحزاب العربية من الائتلاف، مما قد يصعب عليه الحصول على أغلبية برلمانية مستقرة وفقًا للاستطلاعات.
ويضيف الكاتب أن الناخب الإسرائيلي أصبح أكثر تمسكًا بالانتماء السياسي، وهو ما يقلل من فرص حدوث تحولات كبيرة بين المعسكرين، وفي ظل هذا الاستقطاب، يحذر الكاتب من احتمال تحول الحملة الانتخابية إلى مواجهة شديدة القسوة.
وقد حذر الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ من العنف والترهيب، كما يخشى منتقدو الحكومة من استخدام الشرطة أو جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) بصورة سياسية ضد المعارضة، والأسوأ -وفق السيناريو الذي يطرحه الكاتب- أن يلجأ نتنياهو وحلفاؤه إلى التشكيك في نتائج الانتخابات إذا جاءت في غير صالحهم، وهو ما قد يضع المؤسسات الديمقراطية أمام اختبار بالغ الخطورة.
وقد يكون من الصعب على المعارضة أن تقنع الناخبين بتغيير جذري في السياسة الأمنية، حتى إذا نجحت في انتقاد إخفاقات حكومة نتنياهو، ومع ذلك، فإن وصول حكومة يقودها آيزنكوت قد يؤدي إلى بعض التغييرات في إدارة الملفات الأمنية، وخصوصًا في غزة.
حكومة آيزنكوت مستعدة لإجراء تغييراتوبحسب التحليل، لن تكون حكومة آيزنكوت مستعدة لتنفيذ أجندة اليمين المتطرف المتعلقة بتهجير الفلسطينيين أو إعادة بناء المستوطنات داخل غزة، كما يرجح أن تخفف العمليات العسكرية وربما تسحب القوات الإسرائيلية، مع إمكانية إطلاق عملية لإعادة إعمار القطاع إذا وافقت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على ترتيبات تقترب من نزع السلاح.
إعلان
وفي لبنان، ستواجه الحكومة الجديدة معضلة أكثر تعقيدًا، لأن الانسحاب الكامل من المناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية قد يفتح المجال أمام حزب الله للضغط على شمال إسرائيل. وفي الضفة الغربية، من المتوقع أن تعمل حكومة جديدة على الحد من عنف المستوطنين وتوسع الاستيطان، لكنها لن تكون قادرة على إنهائهما بالكامل.
أما حل الدولتين، فيبقى أبعد من أي وقت مضى، إذ أدت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول -حسب الكاتب- إلى دفن فكرة قيام دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، كما أن الحكومة الإسرائيلية والولايات المتحدة في عهد ترمب لا تبدوان مستعدتين لدفع هذا الحل.
وهكذا، يرى التحليل أن الانتخابات المقبلة تتجاوز في أهميتها مسألة بقاء نتنياهو أو رحيله، فهي قد تحدد الاتجاه الذي ستسلكه إسرائيل في السنوات المقبلة، أما إذا عاد نتنياهو إلى السلطة، فقد يعتبر ذلك تفويضًا شعبيًا لمواصلة إضعاف القيود المؤسسية على الحكومة وتعزيز نفوذ اليمين المتطرف والحريديم.
إقرأ المزيد


