الجزيرة.نت - 8/9/2026 3:01:55 AM - GMT (+3 )
Published On 9/8/2026
|آخر تحديث: 02:44 (توقيت مكة)
كشف استطلاع أجرته مجلة لكسبرس الفرنسية عن تصدر جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "إم آي 6" قائمة أفضل أجهزة التجسس في أوروبا، في نتيجة تعكس صورة الجهاز لدى عدد من العاملين السابقين والحاليين في عالم الاستخبارات، أكثر مما تعكس مجرد الانطباع الشعبي الذي صنعته أفلام ومسلسلات جيمس بوند.
وقد حصل الجهاز على 251 نقطة، متقدما بفارق واضح على جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسي "دي جي إس إي" الذي حل ثانيا برصيد 169 نقطة، بينما جاءت بقية الأجهزة الأوروبية خلفهما.
وشارك في الاستطلاع نحو 60 من عناصر الاستخبارات الحاليين والسابقين من مختلف أنحاء أوروبا، إلى جانب ممثلين عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد"، وطُلب من المشاركين اختيار أفضل 5 وكالات استخبارات أجنبية لديهم، مع الحفاظ على سرية هوياتهم.
وبحسب نائبة رئيس تحرير لكسبرس المتخصصة في شؤون الدفاع والاستخبارات ألكسندرا سافيانا، فإن المفاجأة لم تكن في فوز "إم آي 6" بقدر ما كانت في حجم الفارق بينه وبين منافسيه، معتبرة أن النتيجة تعكس آراء أشخاص يعملون داخل "منظومة استخباراتية مترابطة وسرية"، بينهم عدد من رؤساء الأجهزة الحاليين والسابقين.
ووفقا لصحيفة غارديان البريطانية -التي سلطت الضوء على استطلاع المجلة الفرنسية- فإن النتيجة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة "لإم آي 6" لأن السمعة تشكل عنصرا أساسيا في العمل الاستخباراتي، ولأن الجهاز لا يسعى فقط إلى جمع المعلومات، وإنما يهتم أيضا بالصورة التي يكوّنها الحلفاء والخصوم عنه، لتأثير ذلك في استعداد مصادر المعلومات للتعاون معه، وفي ثقة الأجهزة الصديقة بقدراته.
ولذلك يُنظر داخل الجهاز إلى النتيجة بشيء من الرضا الهادئ، حتى وإن لم تصدر عنه ردة فعل رسمية أو علنية.
إعلان
وتُبين لكسبرس أن أحد أهم أسباب تفوق "إم آي 6" هو خبرته الطويلة في الاستخبارات البشرية، أي تجنيد المصادر البشرية وإدارتها والحفاظ على العلاقات معها لفترات طويلة.
ويبرز هذا الجانب في وقت أصبحت فيه أجهزة الاستخبارات تعتمد بصورة متزايدة على التكنولوجيا، واعتراض الاتصالات، والأقمار الصناعية، والوسائل الإلكترونية لجمع المعلومات.
وبحسب أحد عناصر الاستخبارات الخارجية الفرنسية السابقين، يتميز البريطانيون بقدرتهم على "اللعب على المدى الطويل"، والاستثمار في مصادر يمكن أن تستمر العلاقة معها لعشر سنوات أو أكثر، وهو ما يشبه في بعض جوانبه النهج الروسي في العمل الاستخباراتي.
لكنّ التقرير لا يقدم صورة مثالية عن "إم آي 6″، بل يذكّر بسلسلة من النجاحات والإخفاقات التي صنعت سمعته، ومن أبرز نجاحاته خلال الحرب الباردة قضية أوليغ غوردييفسكي، العميل السوفياتي الذي عمل سرا لصالح البريطانيين داخل جهاز "كيه جي بي".
وقد وفر غوردييفسكي معلومات مهمة ساعدت بريطانيا على فهم طريقة تفكير القيادة السوفياتية، وأسهم في تعزيز قناعة رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر بأهمية ميخائيل غورباتشوف كشخصية يمكن التعامل معها، قبل أن يتم تهريبه إلى الغرب عام 1985 بعد انكشاف أمره.
وفي المقابل، شهد تاريخ الجهاز إخفاقات خطيرة، كان أبرزها ما ارتبط بحرب العراق عام 2003، حين اتُّهم الجهاز بتقديم معلومات استخباراتية ساعدت في دعم المبررات السياسية للحرب، رغم أن بعض المصادر التي استند إليها ثبت لاحقا أنها غير موثوقة.
ومن أشهر الادعاءات التي ارتبطت بتلك المرحلة أن العراق يستطيع تنفيذ هجوم على أهداف بريطانية خلال 45 دقيقة، إضافة إلى معلومات حول أسلحة كيميائية تبين لاحقا أنها مضللة، وأصبحت قضية العراق واحدة من أبرز نقاط الضعف في سمعة الجهاز ومصداقيته.
وترى لكسبرس أن "إم آي 6" نجح خلال السنوات الأخيرة في استعادة جزء مهم من المصداقية التي تضررت بسبب تجربة العراق، مثل موقفه قبيل بدء الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، عندما شارك بالتنسيق مع "سي آي إيه"، في التحذير من أن موسكو تستعد لغزو واسع.
وفي الوقت الذي كانت فيه أجهزة استخبارات أوروبية، ولا سيما الفرنسية والألمانية، أكثر تشككا في احتمال وقوع الحرب، أثبت التقييم البريطاني والأمريكي صحة معلوماتهما، وأصبحت تلك الواقعة مثالا مهما على قدرة "إم آي 6" على قراءة نيات القيادة الروسية والاستعداد للمخاطر قبل وقوعها.
ولا يمكن فصل قوة الجهاز البريطاني عن علاقته الوثيقة بالولايات المتحدة، ولا سيما مع وكالة "سي آي إيه"، ضمن منظومة "فايف آيز" التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا في إطار واسع لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
ويُنظر إلى هذه الشراكة باعتبارها واحدة من أهم مصادر القوة التي تتمتع بها بريطانيا في مجال الاستخبارات، كما أنها تمثل نموذجا تتمنى دول أوروبية أخرى الاقتراب منه، وتشير ألكسندرا سافيانا إلى أن دولا عديدة ترغب في أن تصبح بمثابة "العين السادسة" في هذه المنظومة.
إعلان
ومع ذلك، يبقى العامل الثقافي حاضرا بقوة في صورة "إم آي 6″، إذ ساعد جيمس بوند رغم كونه شخصية خيالية، في تكوين صورة عالمية عن الجاسوس البريطاني باعتباره شخصا يتمتع بالثقة والجرأة والقدرة على التحرك في بيئات دولية معقدة.
وخلص التقرير إلى أن سر جاذبية "إم آي 6" لدى نظرائه لا يكمن في أسطورة جيمس بوند وحدها، بل في مزيج من الخبرة التاريخية، والقدرة على بناء مصادر بشرية على المدى الطويل، والعلاقات الوثيقة مع الحلفاء، والقدرة على العمل في بيئة دولية معقدة.
إقرأ المزيد


