الجزيرة.نت - 8/8/2026 10:29:36 PM - GMT (+3 )
يروي وليد جنبلاط تفاصيل آخر لقاء جمعه ببشار الأسد عام 2011، وما قال إنه سمع منه عن الطفل حمزة الخطيب، محذرا في الوقت نفسه من “جبل باشان” و”الدولة الدرزية” التي يعدها فكرة تخدم إسرائيل ولتفتيت سوريا.
في آخر لقاء جمعه ببشار الأسد عام 2011، يقول وليد جنبلاط إنه سأل الرئيس السوري آنذاك عن الطفل حمزة الخطيب، قبل أن يتحول الحديث إلى عاطف نجيب واحتجاجات درعا. يستعيد جنبلاط تلك الواقعة بوصفها محطة فاصلة أنهت مسار مصالحة قصيرا مع دمشق.
وقال رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني السابق وليد جنبلاط إن آخر لقاء جمعه بالرئيس السوري السابق بشار الأسد -في يونيو/حزيران 2011- كان نقطة تحوّل في علاقته بدمشق، بعدما سأله عن الشهيد الطفل حمزة الخطيب الذي أصبح أحد أبرز رموز القمع في بدايات الثورة السورية.
وفي حديثه ضمن برنامج "شاهد على العصر" على الجزيرة الذي يقدمه أحمد منصور، روى جنبلاط أنه طرح على الأسد سؤالا عن حمزة الخطيب، الطفل الذي أثارت صور جثمانه وآثار التعذيب عليها غضبا واسعا بعد اعتقاله في سياق احتجاجات درعا عام 2011.
ما عذبناه.. قتلناه
وينسب جنبلاط إلى الأسد ردا قال فيه إنهم لم يعذبوا حمزة الخطيب بل قتلوه، وإنهم اتصلوا بأهله وأبلغوهم بذلك، قبل أن يعلّق جنبلاط مستنكرا "طب ما إنت قتلته. بتكاد إنك تفقد عقلك".
ويقدّم جنبلاط هذه الرواية بوصفها جزءا من اللقاء الأخير بينهما، في مرحلة كانت فيها الاحتجاجات قد بدأت تتسع في جنوب سوريا، وسط اتهامات واسعة لأجهزة النظام باستخدام العنف والاعتقال لقمع المتظاهرين.
لم يكن اسم حمزة الخطيب -في رواية جنبلاط- تفصيلا عابرا في لقاء سياسي، بل كان مدخلا إلى نقاش أوسع عن طريقة تعامل السلطة مع احتجاجات درعا التي انطلقت شرارتها من اعتقال أطفال كتبوا شعارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم.
وأصبح الخطيب -الذي ينحدر من قرية الجيزة في ريف درعا– رمزا مبكرا للاحتجاجات بعد أن تسلمت عائلته جثمانه في مايو/أيار 2011. وأثارت صور الجثمان وما تردد عن تعرضه للتعذيب موجة غضب داخل سوريا وخارجها، في وقت كانت فيه السلطة تنفي مسؤوليتها عن الانتهاكات المنسوبة إلى أجهزتها.
وبحسب جنبلاط، انتقل الحديث في ذلك اللقاء إلى عاطف نجيب -رئيس فرع الأمن السياسي في درعا آنذاك، وابن خالة بشار الأسد- الذي ارتبط اسمه في روايات متظاهرين وناشطين ببدايات الأزمة بعد اعتقال الأطفال.
كان لقاء عام 2011 مختلفا تماما عن أجواء سادت قبل ذلك بعام، فقد زار جنبلاط دمشق في 2010، في إطار مصالحة سياسية بعد أعوام من التوتر بينه وبين النظام السوري، على خلفية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري وما تبعه من انقسام حاد في لبنان.
ويروي جنبلاط أن الأسد استقبله آنذاك بعبارة "مننسى الماضي"، في إشارة إلى فتح صفحة جديدة بين الطرفين.
لكن تلك الصفحة لم تستمر طويلا، فمع انطلاق الاحتجاجات السورية ثم اتساع القمع في درعا ومدن أخرى، يقول جنبلاط إن نظرته إلى الأسد تبدلت، وإن لقاء يونيو/حزيران 2011 كان الأخير بينهما.
ولا يقدّم جنبلاط الواقعة بوصفها خلافا شخصيا بين سياسيين فحسب، بل لحظة كشف -على حد تعبيره- لطبيعة النهج الذي اختارته السلطة في مواجهة مطالب الشارع السوري.
لا يقف حديث جنبلاط عند ذاكرة درعا وما رافق بدايات الثورة السورية من قمع، بل يمتد إلى ما يراه خطرا جديدا يتهدد الجنوب السوري، عبر محاولات فصل السويداء وجبل العرب عن امتدادهما السوري والعربي.
وفي حديثه، انتقد جنبلاط استخدام تسمية "جبل باشان" بدلا من "جبل العرب"، متسائلا عن العودة إلى تسمية تاريخية سابقة لوجود الدروز والعرب والمسلمين في المنطقة.
ورأى أن المسألة لا تتعلق باسم جغرافي فحسب، بل بما قد ينطوي عليه من محاولة لإعادة تعريف هوية الجبل وعلاقته بمحيطه.
جنبلاط: فكرة إقامة دولة درزية هي فكرة إسرائيلية
وربط جنبلاط ذلك بالحديث عن إنشاء "دولة درزية" في الجنوب السوري، محذرا من التعامل مع هذا الطرح بوصفه وسيلة لحماية الدروز، وقال إن عزل الطائفة في كيان صغير لا يوفر لها الأمان، بل يحولها إلى جماعة محاصرة داخل مشروع طائفي هش ومنفصل عن محيطها.
وبحسب جنبلاط، فإن إسرائيل هي المستفيد من مثل هذه التصورات، إذ رأى أن تفكيك سوريا إلى كيانات طائفية ومناطق نفوذ يُضعف الدولة السورية، ويمنح إسرائيل مجالا أوسع للتأثير في محيطها.
وفي هذا السياق، تناول جنبلاط مواقف الشيخ حكمت الهجري أحد زعماء الدروز في سوريا، منتقدا ما عدَّه انفتاحا على خطاب يعيد تقديم الجبل بوصفه مساحة منفصلة عن محيطه.
ويشدد جنبلاط -في خلاصته- على أن الدروز لا يحتاجون إلى "دولة درزية"، بل إلى دولة سورية جامعة تضمن حقوق مواطنيها، وتحول دون تحويل التنوع الطائفي إلى حدود سياسية. فالمشكلة -في نظره- ليست في خصوصية السويداء أو في حماية أهلها، بل في توظيف هذه الخصوصية داخل مشروعات التقسيم.
ذاكرة حمزة وتحذير الحاضربين روايته عن حمزة الخطيب في درعا عام 2011، وتحذيره من "الدولة الدرزية" في الجنوب، يرسم جنبلاط رابطا بين مرحلتين؛ إحداهما بدأت بقمع الاحتجاجات وقطع الصلة بين السلطة والمجتمع، والأخرى تنطوي على خطر تحويل نتائج الصراع إلى خرائط طائفية جديدة.
وهكذا، لا تبدو قصة حمزة الخطيب في حديث جنبلاط مجرد ذكرى من لحظة مبكرة في الثورة السورية، بل هي جزء من سياق أوسع ينتهي بتحذير من أن يؤدي استمرار الانقسام والضعف إلى تفتيت الدول وعزل مكوناتها بعضها عن بعض.
إقرأ المزيد


