أريانا غراندي وبريتني سبيرز وجاستن بيبر في مواجهة وحش الشهرة
الجزيرة.نت -

يعيد إعلان المغنية الأمريكية أريانا غراندي اعتزامها الابتعاد عن الظهور العام بعد انتهاء جولتها العالمية فتح ملف الثمن النفسي للشهرة، في وقت لم تعد فيه النجومية تعني النجاح والثراء والنفوذ فقط، بل أصبحت بالنسبة إلى كثير من الفنانين عبئا يفرض عليهم ثمنا يتجاوز ضغوط العمل والمنافسة الفنية، خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.

وبينما استطاع بعضهم التكيف مع واقع مراقبة التفاصيل الشخصية والخاصة ونشرها، وجد آخرون أنفسهم مضطرين إلى الابتعاد مؤقتا عن الأضواء، أو إعادة رسم حدود علاقتهم بالجمهور، حفاظا على صحتهم النفسية.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of list

وتكشف تجارب أريانا غراندي، وبريتني سبيرز، وجاستن بيبر، وسيلينا غوميز، وأماندا باينز، كيف اختلفت أشكال المواجهة، لكن بقي السؤال واحدا، هو ما الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تتحول الشهرة إلى حياة تخضع للمراقبة المستمرة؟

أريانا غراندي.. نصف اعتزال

لم تقل أريانا غراندي إنها ستعتزل الفن، ولم تتحدث عن نهاية مسيرتها الغنائية، بل اختارت عبارة أكثر دقة، وهي "الابتعاد عن الظهور العام". لم يكن القرار انسحابا من النجاح، بل محاولة لاستعادة المساحة الفاصلة بين الفنان والإنسان.

بدأت القصة مع إعلان انسحابها من بطولة المسرحية الغنائية "الأحد في المنتزه مع جورج" (Sunday in the Park with George) في لندن، بالتزامن مع تأكيد فريقها أنها ستتراجع عن الظهور الإعلامي بعد انتهاء جولتها العالمية "إيتيرنال صنشاين تور" (Eternal Sunshine Tour) في 1 سبتمبر/أيلول.

وسرعان ما امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتفسيرات تربط القرار بالانتقادات التي تعرضت لها خلال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد إصدار ألبومها الجديد، وما صاحبه من نقاش واسع حول مظهرها وصحتها.

لكن غراندي اختارت أن ترد بنفسها أمام جمهورها في شيكاغو. وقالت "لم يكن اندفاعيا أو رد فعل"، بل هو قرار اتخذته "بهدوء منذ فترة طويلة"، مؤكدة أنه جاء "من التفكير العميق والشعور بالقوة"، وليس نتيجة الشائعات أو الضغوط.

إعلان

وأضافت أنها تعرف أن كثيرا من معجبيها يخشون أن تكون "السلبية قد أفسدت هذه التجربة"، لكنها شددت على أن العكس هو الصحيح، قائلة إن الإنسان يستطيع في الوقت نفسه أن يحتاج إلى استراحة، وأن يضع حدودا لحياته الخاصة، وأن يعيش أيضا "أعظم تجربة مهنية وإبداعية" في حياته.

ولم تكن هذه أول مرة تتحدث فيها غراندي عن هذا النوع من الضغوط، ففي عام 2023 دعت الجمهور إلى التوقف عن التعليق على أجساد الآخرين، مؤكدة أن الناس يجب أن يكونوا "أكثر لطفا وأقل ارتياحا لإطلاق الأحكام على أجساد البشر"، بينما حولت هذه الفكرة لاحقا إلى رسالة فنية في أغنيتها "يس، آند؟" (Yes, And?)، التي طالبت فيها بترك حياة الآخرين لهم.

بريتني سبيرز.. الحياة على الهواء مباشرة

إذا كانت أريانا غراندي تمثل اليوم نموذج الفنان الذي يحاول وضع حدود للشهرة، فإن قصة بريتني سبيرز تكشف ما قد يحدث عندما تتلاشى تلك الحدود، ومنذ نجاحها الصاروخي في أواخر التسعينيات، تحولت من مراهقة موهوبة إلى واحدة من أشهر النساء في العالم، لكن الشهرة سلبتها تدريجيا أبسط تفاصيل الحياة الطبيعية.

وتروي في مذكراتها، التي استعرضتها صحيفة "ذا غارديان" (The Guardian)، أن الغناء كان مهربها من طفولة مضطربة، قبل أن تجد نفسها في السادسة عشرة تحت مراقبة عالمية لا تتوقف، حيث أصبحت حياتها وصورتها العامة صناعة تدر ملايين الدولارات.

بريتني سبيرز عام 2016 حين دفعها الاكتئاب للتخلص من شعر رأسها (غيتي)

ولم يقتصر الاهتمام على أعمالها الفنية، بل امتد إلى جسدها، إذ انشغلت المقابلات الصحفية بشكلها ووزنها وحياتها الخاصة أكثر من موسيقاها. وتقول إنها شعرت بأن جسدها أصبح "ملكا عاما" يحق للجميع التعليق عليه وإصدار الأحكام بشأنه.

وتفاقمت الضغوط بعد انفصالها عن جاستن تيمبرليك وزواجها وإنجاب طفليها، إذ تعرضت لملاحقة إعلامية مستمرة، بينما كانت تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، في وقت تصدرت فيه صورها الصفحات الأولى مصحوبة بتعليقات ساخرة على مظهرها.

وفي عام 2007 بلغت الأزمة ذروتها، قبل أن تُفرض عليها وصاية قانونية استمرت 13 عاما، خضعت خلالها قراراتها الشخصية والطبية والمالية لإشراف مباشر. وتكتب أن تلك السنوات حرمتها من أبسط حقوقها: "انتُزع مني كل ما يجعل الحياة طبيعية. لم تكن لدي حرية، ولم يكن لدي أيضا شعور بالأمان." ورغم استمرارها في الغناء، تقول إنها كانت تؤدي دورا مفروضا عليها، وتشعر وكأنها "روبوت" يعيش وفق قرارات الآخرين.

جاستن بيبر.. طفل يكبر أمام الكاميرا

عندما حقق جاستن بيبر شهرته العالمية، لم يكن قد تجاوز الـ13 من عمره. وخلال سنوات قليلة، تحول من مراهق ينشر مقاطع غنائية على "يوتيوب" إلى أحد أكثر الفنانين شهرة وربحا في العالم، لكن النجومية المبكرة، التي بدت للكثيرين حلما مثاليا، تركت أثرا عميقا في حياته الشخصية، وهو ما لم يبدأ الحديث عنه إلا بعد سنوات.

في مقابلة مطولة مع مجلة "فوغ" (Vogue) عام 2019، اعترف بيبر بأن النجاح جاء قبل أن تتاح له فرصة بناء شخصيته بعيدا عن صورته كنجم عالمي. وقال إنه أمضى سنوات طويلة يؤدي الدور الذي ينتظره الجميع منه، حتى فقد القدرة على معرفة من يكون خارج تلك الصورة، مضيفا: "كنت ناجحا منذ الـ13، لذلك لم تتح لي فرصة حقيقية لأعرف من أكون بعيدا عما أفعله".

إعلان

وكانت نقطة التحول عام 2017، عندما قرر إلغاء آخر 14 حفلا من جولته العالمية (Purpose World Tour)، بعد أكثر من 150 حفلا في 40 دولة. وبرر القرار آنذاك بالإرهاق، لكنه كشف لاحقا أن الحقيقة كانت أعمق من مجرد التعب الجسدي، قائلا إنه دخل في حالة من الاكتئاب والشعور بالوحدة، وإنه احتاج إلى التوقف قبل أن يفقد السيطرة على حياته بالكامل.

جاستن بيبر (رويترز)

ولم يخفِ بيبر أن تلك السنوات شهدت سلسلة من القرارات والسلوكيات التي ندم عليها لاحقا، معترفا بأنه لجأ إلى تعاطي المهدئات وبعض المخدرات هربا من الضغوط المتراكمة. وفي الفيلم الوثائقي "جاستن بيبر: سيزونز" (Justin Bieber: Seasons)، كشف أن حالته وصلت إلى درجة كان فيها أفراد فريقه الأمني يدخلون غرفته ليلا للتأكد من أنه ما يزال يتنفس، في واحدة من أكثر الشهادات صراحة عن الوجه المظلم للنجومية المبكرة.

ولم يكن ابتعاده المؤقت عن الموسيقى رفضا للفن، بل محاولة لإعادة بناء حياته. فقد خصص تلك الفترة للعلاج، وإعادة ترتيب أولوياته، والاهتمام بصحته النفسية، قبل أن يعود تدريجيا إلى الأستوديو والحفلات، وهو أكثر انفتاحا في الحديث عن الاكتئاب، والإدمان، والإرهاق النفسي.

سيلينا غوميز.. الاستغناء هو العلاج

لم تصل سيلينا غوميز إلى لحظة الانهيار العلني التي عاشتها بريتني سبيرز، ولم تمر بسنوات من السلوكيات المثيرة للجدل كما حدث مع جاستن بيبر، لكنها اختارت مواجهة الضغوط بطريقة مختلفة؛ إذ قررت أن تتحدث عنها بصراحة، وأن تجعل من تجربتها الشخصية جزءا من النقاش العام حول الصحة النفسية وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

بدأت تلك المواجهة عام 2016 عندما أعلنت إلغاء ما تبقى من جولتها الغنائية العالمية، موضحة أنها تعاني من القلق والاكتئاب ونوبات الهلع المرتبطة بإصابتها بمرض الذئبة. وفي ذلك الوقت، فضلت الابتعاد عن الأضواء والتفرغ للعلاج، في خطوة اعتُبرت آنذاك غير مألوفة لفنانة كانت في ذروة نجاحها التجاري.

سيلينا غوميز (رويترز)

لكن غوميز سرعان ما أدركت أن مصدر الضغط لم يعد يقتصر على الصحف أو عدسات المصورين، بل أصبح ملايين الهواتف المحمولة. ففي مؤتمر صحفي خلال مهرجان كان السينمائي عام 2019، وصفت وسائل التواصل الاجتماعي بأنها كانت "سيئة للغاية بالنسبة إلى جيلي"، محذرة من أنها خلقت بيئة يتعرض فيها الشباب، وخاصة الفتيات، لضغوط وتنمر مستمرين، يصعب قياس آثارهما النفسية.

ورغم أنها كانت آنذاك واحدة من أكثر الشخصيات متابعة على "إنستغرام"، أكدت غوميز أنها أصبحت تتعامل مع تلك المنصات بحذر شديد، وقالت إنها لم تعد تنشر صورا أو رسائل لمجرد الظهور، بل تحاول أن يكون لكل ما تشاركه معنى، داعية الشباب إلى وضع حدود زمنية لاستخدام وسائل التواصل، لأن البقاء داخل هذا العالم بلا توقف قد يتحول إلى مصدر دائم للقلق والمقارنة والإحباط.

لم تكتفِ غوميز بالحديث عن تجربتها، بل جعلت الدفاع عن الصحة النفسية جزءا من نشاطها العام، سواء من خلال أعمالها الفنية أو المبادرات التي دعمتها، لتصبح واحدة من أكثر الفنانات تأثيرا في كسر الوصمة المرتبطة بطلب العلاج النفسي.

نجمة سابقة تختار حياتها

ربما لم تحقق أماندا باينز الشهرة العالمية التي بلغتها بريتني سبيرز أو جاستن بيبر، لكن قصتها أصبحت واحدة من أبرز الأمثلة في هوليود على الثمن الذي قد يدفعه الأطفال الذين يكبرون أمام الكاميرات. بدأت باينز مشوارها الفني وهي طفلة على قناة نيكلوديون، قبل أن تتحول إلى واحدة من أبرز نجمات الكوميديا في جيلها من خلال أعمال مثل "ذا أماندا شو" (The Amanda Show) و"شيز ذا مان" (She’s the Man) و"إيزي إيه" (Easy A).

أماندا باينز (غيتي)

وبدا مستقبلها واعدا، قبل أن تنقلب حياتها خلال سنوات قليلة إلى سلسلة من الأزمات الشخصية التي طغت على مسيرتها الفنية، ثم واجهت بين عامي 2012 و2013 مشكلات قانونية وسلوكية، شملت اتهامات بالقيادة تحت تأثير المخدرات، وحوادث مرورية، وحيازة الماريغوانا، قبل أن تُنقل إلى مستشفى للأمراض النفسية بعد إشعالها حريقا صغيرا.

إعلان

وفرضت محكمة في كاليفورنيا عام 2013 وصاية قانونية على شؤونها الشخصية والطبية نحو 9 سنوات، قبل أن تنهيها المحكمة في مارس/آذار 2022 بعد تأكيد طبيبها النفسي قدرتها على إدارة حياتها باستقلالية، وموافقة والدتها على إنهاء الوصاية.

وخلال تلك الفترة، ابتعدت باينز عن التمثيل، واعترفت في مقابلة مع مجلة "بيبر" (Paper) بأن الإدمان قادها إلى "عالم مظلم وحزين"، لكنها تمكنت من التعافي. وبعد انتهاء الوصاية، لم تسع إلى استعادة الأضواء، بل فضلت بناء حياة هادئة بعيدا عن الكاميرات، في خطوة بدت بالنسبة إليها أهم من أي عودة فنية.

تكشف هذه القصص أن السؤال الأهم هو لماذا أصبح الابتعاد، بالنسبة إلى كثير منهم، الوسيلة الوحيدة للحفاظ على أنفسهم. فبعد عقود كانت الشهرة فيها تُقاس بعدد المعجبين، بات بعض أشهر فناني العالم يبحثون عن حياة عادية كأشخاص عاديين.



إقرأ المزيد