الجزيرة.نت - 8/5/2026 2:40:14 PM - GMT (+3 )
عندما ظهرت شخصية سبايدرمان لأول مرة في عالم مارفل الممتد، كانت ذات مساحة محدودة في فيلم محتشد بالنجوم، غير أنها، على مر السنوات، وبعدما حصلت الشخصية على أفلامها المنفصلة، أصبحت أحد أهم رهانات الأستوديو على المستوى الجماهيري، وهو ما يفسر الترقب الذي أحاط بالفيلم الرابع لتوم هولاند في الشخصية، "سبايدرمان: يوم جديد" (Spider-Man: Brand New Day).
الفيلم من إخراج ديستن دانيال كريتون، وشارك في بطولته توم هولاند، وزندايا، وجاكوب باتالون، وجون برنثال، ومارك روفالو، ويمثل بداية مرحلة جديدة للشخصية بعد انتهاء ثلاثية حققت نجاحا جماهيريا استثنائيا.
سبايدرمان بعد أن فقد كل شيءلا يبدأ فيلم "سبايدرمان: يوم جديد" من حيث انتهت المعركة الأخيرة أو نهاية فيلم "سبايدرمان: لا عودة إلى الديار" (Spider-Man: No Way Home)، وإنما يستخدم هذه الخاتمة كنقطة الصفر الجديدة في حياة بيتر باركر (توم هولاند)، فالعالم كله نسي هويته، وأصدقاؤه المقربون لم يعودوا يعرفونه، ولم يعد يملك أيا من الروابط التي كانت تمنحه شعورا بالانتماء أو تذكره بأنه إنسان قبل أن يكون بطلا خارقا.
لا يُضيع الفيلم وقتا طويلا في استعادة ما حدث سابقا، ويتعامل مع هذه الخسائر كواقع بيتر الجديد، فهو يعيش وحيدا في شقة متواضعة، ويواصل دراسته وعمله دون أن يجد شخصا واحدا يستطيع مشاركته ما يمر به أو حتى يناديه باسمه الحقيقي، وعندما يلتقي إم جي (زندايا) أو نيد (جاكوب باتالون)، لا يتحول الفيلم إلى ميلودراما رخيصة، وفي الوقت نفسه يتضح حجم إحساس البطل بالوحدة التامة.
تجعل هذه العزلة الشخصية مختلفة عما شاهدناه في أفلامه السابقة، ففي ثلاثية توم هولاند كان دائما هناك من يقدم له المساندة، سواء كانوا أصدقاءه أو عمته ماي أو مرشدين مثل توني ستارك ودكتور سترينج. أما هنا، وللمرة الأولى، يصبح سبايدرمان مسؤولا عن نفسه بالكامل، فلا أحد يعرف حقيقته، ولا أحد يستطيع التدخل لإنقاذه أو حتى مواساته بعد انتهاء المعركة. حتى ظهور شخصيات مثل فرانك كاسل/بانيشر (جون برنثال) أو بروس بانر (مارك روفالو) لا يعوض هذا الفراغ، لأنهما يتعاملان مع سبايدرمان البطل الخارق، وليس بيتر باركر الإنسان الذي فقد كل من عرفوه.
إعلان
يذهب الفيلم خطوة أبعد من مجرد تصوير الوحدة، فهو يربطها مباشرة بطبيعة قوى سبايدرمان نفسها، فمع تصاعد الضغوط النفسية التي يعيشها بيتر، تبدأ قدراته العنكبوتية في إظهار تغيرات غير مألوفة، وتصبح أقوى وأكثر اندفاعا، وفي الوقت نفسه أقل استقرارا وأكثر صعوبة في السيطرة عليها.
هذه التحولات ليست مجرد تطور بيولوجي، فالفيلم يربطها بوضوح بالحالة النفسية التي يعيشها البطل، فجسده يستجيب للقلق والغضب والذنب والوحدة المتراكمة داخله، وهنا يبتعد العمل عن الفكرة التقليدية التي تجعل القوة الخارقة وسيلة لحل الأزمات، ويطرح تصورا معاكسا، عندما تتحول هذه القوة إلى عبء يفقد صاحبها اتزانه الداخلي.
ومن هذه النقطة يقدم الفيلم واحدة من أكثر أفكاره تميزا، وهي أن التعافي النفسي ليس مجرد مسألة جانبية في رحلة البطل، بل شرط أساسي لاستمرار البطولة نفسها. فبيتر يحتاج إلى السيطرة على نفسه، وعلاج ألمه، وإنقاذ ذاته قبل أن يبدأ في إنقاذ الآخرين، ويصبح انهياره النفسي أكثر خطورة على الجميع من شرير الفيلم، أو الصراع بين الخير والشر.
العودة إلى "سبايدرمان الشارع"يختار "سبايدرمان: يوم جديد" التحرك في الاتجاه المعاكس لهيمنة الأكوان المتعددة على عالم مارفل، فلا يوسع الأحداث على المستويات الكونية، ويعيد الشخصية إلى البيئة التي وُلدت فيها، شوارع نيويورك وأحياؤها، فنرى الأحداث تقع بين الأزقة ومحطات المترو والأسطح والأحياء السكنية، وسبايدرمان ليس منقذ العالم، بل بطل الحي الذي يعرف تفاصيل المدينة وتعرفه شوارعها.
ارتبطت أفلام توم هولاند السابقة بالارتباك الذي يميز مراهقا يكتشف مسؤولياته بالتدريج، لكنّ "سبايدرمان: يوم جديد" يقدم نسخة مختلفة تماما من الشخصية، فبيتر باركر تخلى عن شخصية الشاب المتحمس الذي يسعى إلى إثبات نفسه أمام معلميه والأفنجرز، وأصبح الآن شابا عانى خسائر متراكمة، ويعيش تحت ضغط دائم، وهو ما انعكس بطبيعة الحال على توم هولاند، الذي يقدم هنا أداءه الأكثر نضجا مقارنة بأعماله السابقة بشكل عام، حتى خارج مارفل.
يربط الفيلم كذلك بين مشاهد الأكشن ورحلة بيتر الداخلية، ما أعطى هذه المشاهد بعدا نفسيا مختلفا، غير أن ذلك لن يحبط محبي لقطات الحركة المارفلية، وقد صُور الكثير منها بصورة شديدة الحيوية والابتكار والاستعراض، وهو الأمر المتوقع من فيلم ينتمي إلى هذا النوع السينمائي.
قلل الفيلم كذلك من الكوميديا التي تُعد سمة أساسية في معظم أفلام الأستوديو، وأضفت على هذه الأفلام طابعا خفيفا حتى وإن ناقشت موضوعات في غاية الجدية، مثل ضعف الموارد على الأرض والانفجار السكاني في ثنائية "إيندغيم" (Endgame)، أو الحزن على موت الأحباب بعدها.
وفي الوقت ذاته، لا يزال الفيلم مرتبطا إلى حد كبير بالعالم السينمائي الأكبر لمارفل، سواء من خلال ظهور شخصيات معروفة، أو الإشارات إلى أحداث مستقبلية، ومن أبرز الشخصيات التي ظهرت في الفيلم فرانك كاسل/بانيشر (جون برنثال)، صاحب المسلسل الشهير "بانشير" (The Punisher). يبتعد فرانك عن دور ضيف الشرف المعتاد، إذ يبني الفيلم من خلال وجوده مواجهة أخلاقية بين رؤيتين متناقضتين للعدالة، فبينما يؤمن سبايدرمان بأن حماية الأبرياء لا تمنحه حق إنهاء حياة الآخرين، يرى بانيشر أن القضاء على المجرمين نهائيا هو الطريق الوحيد لوقف العنف.
وربما كان أضعف جوانب "سبايدرمان: يوم جديد" الفيلان (Villain)، أو شرير/شريرة الفيلم، فسواء قبل كشف الحقيقة أو بعدها، كان هذا الجزء من العمل متوقعا للغاية، وإن كانت شخصية جين غراي (سيدي سينك)، بطبيعتها المراوغة، قد ساعدت في حيوية الفيلم إلى حد كبير، وحتى الجانب السلبي لا يقلل من أن مستوى الفيلم بشكل عام أعلى من المتوسط مقارنة بأفلام مارفل، أو حتى بأفلام هذا النوع السينمائي.
إعلان
إقرأ المزيد


