في أربع قارات.. "مثلث قاتل" يشعل "العواصف النارية" بالغابات
الجزيرة.نت -

Published On 4/8/2026

|

آخر تحديث: 21:09 (توقيت مكة)

تشهد عدة دول حول العالم صيفا استثنائيا مع اتساع رقعة حرائق الغابات التي تضرب سوريا واليونان وإسبانيا والولايات المتحدة، مخلفة قتلى ومصابين وخسائر بيئية واقتصادية هائلة، في وقت يحذر فيه خبراء المناخ من أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتسم بتكرار الكوارث الطبيعية نتيجة تسارع التغيرات المناخية، وسط دعوات إلى تحرك دولي عاجل للحد من الانبعاثات وتعزيز سياسات التكيف مع المناخ.

وفي سوريا، أكد الدفاع المدني أن البلاد شهدت خلال يوم واحد اندلاع 160 حريقا في مناطق متفرقة، أسفرت عن وفاة أربعة أشخاص وإصابة عدد من المدنيين وعنصرين من فرق الدفاع المدني، فضلا عن أضرار واسعة في الأراضي الزراعية والمحاصيل.

وقال مراسل الجزيرة من دمشق عمرو حلبي إن الحرائق، رغم حجمها، ما تزال ضمن نطاق السيطرة، إذ تمكنت فرق الدفاع المدني من إخماد أربعة حرائق كبيرة اندلعت في حقول ومحاصيل زراعية، إضافة إلى عشرات الحرائق الصغيرة التي اندلعت في المنازل ومناطق متفرقة.

وأوضح أن الحرائق التي استدعت العام الماضي تدخلات من دول الجوار كانت تتركز في الساحل السوري والمناطق الجبلية والحرجية في إدلب، لكن الوضع هذا العام يختلف، إذ تشير المعطيات إلى أن موجات الحر الشديدة والتغيرات المناخية تقف وراء معظم الحرائق، بخلاف العام الماضي عندما تحدثت السلطات عن افتعال بعضها.

خسائر ضخمة للدفاع المدني بسبب حرائق الغابات (الاناضول)
خسائر فرق الإنقاذ

وفي اليونان، تتواصل المعركة ضد النيران شمال غرب العاصمة أثينا، حيث أعلن جهاز الإطفاء السيطرة على جزء كبير من أكثر من ستين بؤرة مشتعلة، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة وهبوب الرياح القوية أعادا إشعال العديد من المواقع التي كانت قد خمدت، ما أبقى فرق الإنقاذ في سباق متواصل مع الزمن.

وأوضح مراسل الجزيرة عامر لافي، من منطقة ميغارا الجبلية، أن وعورة التضاريس تجعل المروحيات الوسيلة الرئيسية لمكافحة الحرائق، إذ تنقل المياه باستمرار من البحر لإخماد النيران التي باتت تهدد قرى ومزارع ومنشآت صناعية وكيميائية قريبة.

إعلان

وأشار إلى أن أكثر من 500 رجل إطفاء و140 آلية وعشرات الطائرات والمروحيات والمتطوعين يشاركون في عمليات الإخماد، بينما تكبدت فرق الإنقاذ خسائر فادحة، إذ أدى اصطدام مروحيتين إلى مقتل الطيار ومساعده، بعدما سبقه مقتل ثلاثة من رجال الإطفاء خلال عمليات المكافحة.

وبحسب السلطات اليونانية، التهمت النيران حتى الآن أكثر من 130 ألف دونم من الغابات والأراضي الزراعية، وهو رقم يضاف إلى نحو 480 ألف دونم دُمّرت في ستة حرائق كبرى ضربت المنطقة نفسها منذ عام 2018.

وفيما يتعلق بأسباب الحرائق، أشارت التحقيقات الأولية إلى أن شرارات ناجمة عن معدات مرتبطة بأعمال نقل محطة الكهرباء ربما كانت السبب في اندلاع الحريق الأول، وقد أوقفت السلطات عددا من موظفي الشركة المعنية على ذمة التحقيق.

الأسوأ في تاريخ إسبانيا

أما في إسبانيا، فتصف السلطات الحرائق الحالية بأنها الأسوأ في تاريخ البلاد الحديث، بعدما أتت النيران على أكثر من 200 ألف هكتار من الغابات والأراضي الزراعية، وهي مساحة تتجاوز ثلاثة أضعاف مساحة العاصمة مدريد.

وقال مراسل الجزيرة محمد المدهون، من مقاطعة ثامورا شمال غرب البلاد، إن ما حدث نتاج "مثلث قاتل" جمع بين الحرارة الشديدة والجفاف والرياح، الأمر الذي سمح للنيران بالانتقال بسرعة من منطقة إلى أخرى، ومن سفوح الجبال إلى الأراضي الزراعية، حتى تحولت مساحات واسعة إلى أراض سوداء بعد احتراق المحاصيل بالكامل.

وأضاف أن بعض المناطق فقدت خدمات الاتصالات بسبب الحرائق، فيما عاش السكان ساعات من الرعب مع اقتراب النيران من منازلهم وظهور ظاهرة "العواصف النارية" التي زادت من سرعة انتشار الحرائق.

وأشار إلى أن النيران اقتربت كذلك من العاصمة مدريد، ما جعلها قضية سياسية واقتصادية كبرى، في ظل تقديرات تشير إلى أن كلفة عمليات الإطفاء وحدها بلغت نحو 1.7 مليار يورو (نحو 1.83 مليار دولار) خلال الصيف الحالي.

وأوضح أن تزامن الحرائق في إسبانيا مع حرائق واسعة في فرنسا واليونان أدى إلى تشتيت جهود وكالة الاستجابة الأوروبية المختصة بتوزيع فرق الإطفاء بين الدول الأعضاء، ما اضطر بعض الدول إلى طلب دعم إضافي من خارج الاتحاد الأوروبي.

آليات حديثة لاحتواء حرائق الغابات (الأناضول)
حرائق متواصلة

وفي الولايات المتحدة، تواجه ولاية واشنطن واحدة من أكثر موجات الحرائق تدميرا، إذ وصف أحد رجال الإطفاء المشهد في مدينة بيسكان بأنه "يشبه الحرب".

وقال مراسل الجزيرة نور الدين بوزيان إن المدينة، التي تبعد نحو ثلاث ساعات ونصف عن العاصمة واشنطن ويقطنها نحو 260 ألف نسمة، شهدت خلال ثلاثة أيام حرائق ضخمة أتت على ما لا يقل عن 700 منزل ومبنى.

ونقل عن أحد السكان قوله إنه عاد إلى منزله فلم يجد سوى المدخنة قائمة، معلنا أنه لن يعود للإقامة في المدينة التي عاش فيها منذ عام 1964.

وأوضح أن السلطات تعزو اتساع الحرائق إلى الرياح القوية وموجة الحر، لكنها تحقق أيضا مع شاب يبلغ من العمر 27 عاما يُشتبه في أنه تسبب في إشعال الشرارة الأولى.

ويرى خبراء المناخ أن ما يحدث في هذه الدول ليس حوادث منفصلة، بل يعكس نمطا عالميا متسارعا لآثار الاحتباس الحراري.

إعلان

وقالت الباحثة في علوم المناخ وحرائق الغابات روزا بيترويوستي إن أوروبا تشهد منذ عام 2025 احتراق مساحات واسعة، خصوصا في إسبانيا والبرتغال وفرنسا، مشيرة إلى أن الموسم الحالي ما يزال في بدايته، لكنه تجاوز بالفعل مستويات الحرارة والحرائق المسجلة خلال عامي 2022 و2025.

وأضافت أن اجتماع درجات الحرارة القياسية مع الجفاف وانخفاض الرطوبة وغياب الأمطار وهبوب الرياح القوية يخلق ظروفا مثالية لانتشار الحرائق بسرعة كبيرة.

وأوضحت أن الدول الأوروبية استثمرت في تطوير قدرات الإطفاء وتعزيز التعاون المشترك، إلا أن تسارع التغير المناخي يجعل هذه الجهود أقل قدرة على مواكبة حجم الكوارث، خاصة عندما تندلع الحرائق في عدة دول في الوقت نفسه.

وأكدت أن المطلوب لم يعد يقتصر على مكافحة الحرائق بعد اندلاعها، بل يشمل خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والتوسع في الطاقات النظيفة، وتعزيز التعاون الدولي، لأن آثار الحرائق لا تقتصر على تدمير الغابات، بل تمتد إلى تلوث الهواء، وتفاقم المشكلات الصحية، وتهجير السكان، وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات.



إقرأ المزيد