الجزيرة.نت - 8/4/2026 8:52:50 PM - GMT (+3 )
حوّل الطفل بشير فقره إلى وسيلة للعطاء في السودان، ليكسر قاعدة “فاقد الشيء لا يعطيه”، وفق برنامج “ما الجدوى؟” الذي يربط بين القصة وجوع الحرب، متناولا “مطابخ المقاومة” التي صنعت الحياة وسط الموت.
بتساؤل وجودي عن العلاقة بين الجوع والعطاء، تستعرض حلقة (4 أغسطس/آب 2026) من برنامج "ما الجدوى؟" على منصة الجزيرة 360 -وهذا رابطها– قصة طفل فقير من مدرسة ابتدائية، حوّل فقره إلى وسيلة للإنسانية. الطفل الذي لم يكن يملك طعاما في فسحة المدرسة، لكنه امتلك خفة الظل، فجعل منها عملة يتاجر بها.
ويبدأ البرنامج برصد التفاوت الطبقي في فسحة مدرسة بشير، حيث ينكشف المشهد الحقيقي خلف زي موحد يخفي فوارق شاسعة، ويظهر كيف أن أبناء العمال والحرفيين يحملون رغيفا يابسا، في حين يحمل أبناء الميسورين شطائر متنوعة، في مشهد يعكس طبقية المجتمع الصغير والكبير، وتتجلى فيه الفوارق الاجتماعية بوضوح.
ولكن الطفل بشير وجد نفسه خارج "سوق تبادلات الطعام" بين التلاميذ داخل سور المدرسة لأنه لا يملك ما يقدمه، ولكنه قرر اختراع لعبته الخاصة، فصار يبيع النكات مقابل الشطائر، واضعا تسعيرة لكل نكتة، فأصبح له جمهور عريض واقتصاد مواز داخل المدرسة، وكأنه تاجر مخضرم يدير سوقا صغيرة.
وتكشف الحلقة أن بشير تحوّل إلى حلقة وصل بين عالمين لا يلتقيان، فهو يأخذ من خيرات الأغنياء ويعيد توزيعها على الفقراء، دون أن يعلن ذلك، ويصبح الطعام حين يمر عبره وكأنه يفقد صفته الفردية ويكتسب معنى جماعيا، في مشهد يعكس روح التكافل الفطرية حتى في أصغر المجتمعات، ويعيد تعريف مفهوم العطاء بعيدا عن التملك.
الدعم السريع والتجويعوفي السياق نفسه، تنتقل الحلقة من هذه القصة الفردية إلى الصورة الأكبر، حيث تستعرض معاناة الجوع في السودان جراء الحرب، وتستند إلى تقارير برنامج الأغذية العالمي التي تتحدث عن ملايين يواجهون جوعا حادا، لكنها تلفت إلى أن الجوع هناك لم يعد مجرد نقص في الطعام، بل أصبح سلاحا موجها يُستخدم لإذلال الحياة نفسها، وكأن الحرب تحارب فكرة البقاء أصلا.
وتشير الحلقة إلى كيفية تحويل قوات الدعم السريع الجوع إلى آلة لا تكتفي بالقتل، بل تمعن في خنق المدن عمدا عبر قطع الإمدادات وإفراغ الأسواق، محولة الجوع إلى أداة حرب مقصودة. ولم يكن هذا التدمير الممنهج للموارد الغذائية أثرا جانبيا للحرب، ولكنه كان خطة واضحة لتجويع السكان وإخضاعهم، في مشهد يعكس وحشية غير مسبوقة.
وفي استجابة طبيعية لهذه الظروف ظهرت "مطابخ المقاومة"، وتلفت الحلقة إلى كيفية خروج شباب من الجنسين، بعضهم بالكاد يجد ما يأكله، ليبدؤوا بجمع ما تيسر والطهي تحت تهديد مستمر، وهم يعلمون أن ما يفعلونه قد يكلفهم حياتهم.
وتسلط الحلقة الضوء على استهداف هذه المطابخ من قوات الدعم السريع، حيث تم اقتحامها وتهديد العاملين فيها وسرقة ما بها من طعام. وتستند الحلقة إلى تقارير الأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود التي وثقت استهداف المتطوعين، لا لشيء إلا لأنهم قرروا إطعام جائعين، وكأن الرحمة أصبحت جريمة في هذه الحرب، وكأن بقاء الإنسان حيا يُعد تحديا لـ"سلطة" الدعم السريع.
ولكن العاملين في مطابخ المقاومة لم يتوقفوا عن أداء مهامهم رغم التهديدات، وتوضح الحلقة أن إعداد كل وجبة كان بمنزلة معركة صغيرة ضد العدم، وكل طبق يُعد كان إعلانا بأن الحياة لم تُهزم بعد.
وتخلص الحلقة إلى ربط الطفل بشير ومطابخ المقاومة، لتكشف عن خيط واحد يجمعهما: أن الإنسان حين يُجرّد من كل شيء يصبح أمام حقيقته العارية، إما أن ينطفئ وإما أن يشتعل، وتشير إلى أن السودانيين في هذه الظروف اختاروا أن يشتعلوا حياة في وجه كل من يريد لهم الموت، وكأنهم يكتبون تعريفا جديدا للإنسانية.
Published On 4/8/2026
شارِكْ
إقرأ المزيد


