الجزيرة.نت - 8/4/2026 1:54:02 PM - GMT (+3 )
منذ تعيين يسرائيل كاتس وزيرا للدفاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لم تعرف العلاقة بين المستوى السياسي والقيادة العسكرية استقرارا طويلا.
فقد تحولت ملفات التعيينات والتحقيق في إخفاق السابع من أكتوبر/تشرين الأول وصلاحيات رئيس الأركان وإدارة الضفة الغربية إلى ساحات صدام متكررة، انتهت بإعلان كاتس على الهواء استبدال قائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بلوط، قبل أن يرد رئيس الأركان إيال زامير بأنه لن يسمح بإزاحته.
وقد أعلن بنيامين نتنياهو تعيين كاتس خلفا ليوآف غالانت في الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وصادق الكنيست على التعيين بعد 3 أيام، وجاء الوزير الجديد في ظل حرب مفتوحة ومؤسسة عسكرية مثقلة بإخفاق في السابع من أكتوبر/تشرين الأول، واتخذ منذ الأسابيع الأولى موقعا صداميا مع رئيس الأركان آنذاك هرتسي هاليفي، مقدما نفسه بوصفه الجهة التي ستفرض المحاسبة وتمنع القادة المرتبطين بالإخفاق من إعادة إنتاج أنفسهم داخل هيئة الأركان.
تجميد التعييناتوظهرت الأزمة الأولى بعد أسابيع من تولي كاتس منصبه، ففي تقرير نشرته يديعوت أحرونوت يوم 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كشف الصحفي يوآف زيتون، المتخصص في تغطية الجيش، عن أن الوزير جمّد ترقيتي ضابطين خَدَما في قيادة المنطقة الجنوبية، من دون إبلاغ رئيس الأركان في حينه هرتسي هاليفي أو الضابطين مسبقا، إذ علم الجميع بالقرار عبر وسائل الإعلام.
ثم وسّع كاتس التجميد في 19 ديسمبر/كانون الأول، معلنا أنه لن يصادق على تعيين جنرالات جدد قبل استكمال تحقيقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وقدمت الخطوة باعتبارها محاسبة، غير أنها ولّدت مفارقة سياسية، فالحكومة التي رفضت تشكيل لجنة تحقيق رسمية شاملة استخدمت تحقيقات الجيش الداخلية لتعطيل إعادة بناء قيادته.
إعلان
وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 2025، حذر زيتون من تأثير متسلسل طال نحو 70 تعيينا، و200 وظيفة مرتبطة بها مباشرة، ونحو 700 ضابط برتبة رائد بصورة غير مباشرة، ونقل عن ضباط أن استمرار الغموض سيدفع قادة ميدانيين إلى ترك الخدمة الدائمة، بما يهدد "شريان القيادة القتالية" في جيش يعاني أصلا استنزافا بشريا طويلا.
ضغط التحقيقاتربط كاتس الموافقة على تعيين جنرالات جدد بإنجاز تحقيقات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وحدد نهاية يناير/كانون الثاني 2025 موعدا لتسليمها، وبدا المطلب مهنيا في ظاهره، لكنه أثار أزمة ثقة، لأن الحكومة نفسها رفضت تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، بينما طُلب من الجيش حسم المسؤوليات داخليا قبل استكمال دورته القيادية بحسب القناة الـ12.
وأسهم هذا الضغط في تضييق مساحة هاليفي، الذي أعلن استقالته في يناير/كانون الثاني 2025. وبحسب يديعوت أحرونوت، لا يمكن رد الاستقالة إلى كاتس وحده، فقد تحمل هاليفي مسؤولية فشل الجيش، لكن المواجهة العلنية والتجميد المتكرر جعلا نهاية ولايته تبدو نتيجة دفع سياسي منظم، لا انتقالا مؤسسيا هادئا.
وفي 12 أغسطس/آب 2025، وثق نير دفوري، مراسل الجيش والأمن في القناة الـ12، مواجهة ليليا بعدما عقد زامير جلسة تعيينات رفض كاتس نتائجها، وردّ بأن الاجتماع جرى خلافا لتوجيهاته، وأنه لن يناقش الأسماء أو يصادق عليها، وجاء رد الجيش حادا: "رئيس الأركان هو صاحب القرار في التعيينات وفق أوامر الجيش، ثم ترفع الأسماء إلى وزير الدفاع الذي يستطيع التصديق عليها أو رفضها".
ويضع قانون أساس الجيش المؤسسة العسكرية تحت سلطة الحكومة، ويجعل رئيس الأركان خاضعا لوزير الدفاع، لكنه يبقي رئيس الأركان أعلى سلطة قيادية في الجيش. لذلك دار الخلاف حول الفرق بين الرقابة المدنية المشروعة وبين تحول الوزير إلى طرف مباشر في لجان اختيار الضباط. وبعد أسبوعين، اتفق الطرفان على إجراء يتضمن التشاور المسبق، بيد أن التسوية لم تنه الصراع.
وبعد تولي زامير، أفرج الجيش في مارس/آذار 2025 عن 43 تعيينا -بحسب يديعوت أحرونوت- بعد نحو 3 أشهر من الجمود، غير أن هذا الانفراج لم يؤسس قاعدة مستقرة، إذ عاد كاتس إلى تعطيل أسماء بعينها وربط ترقيات جديدة بتحقيقات إضافية، وبذلك أصبح كل اجتماع تعيينات قابلا للتحول إلى اختبار قوة بين مكتب الوزير ومكتب رئيس الأركان، بدلا من كونه مسارا دوريا لبناء القيادة.
حرب المناصبثم اتسعت المواجهة لاحقا إلى أكثر المواقع حساسية، ففي تقرير نشرته "يديعوت أحرونوت" يوم 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، كشف يوسي يهوشوع، المحلل العسكري للموقع، أن كاتس رفض مرشح زامير لمنصب الملحق العسكري في واشنطن، العميد تال بوليتيس، وأصر على سكرتيره العسكري غاي ماركيسانو، المقبول أيضا لدى نتنياهو.
وأدى الخلاف إلى تعطيل انتقال الملحق هادي سيلبرمان إلى رئاسة شعبة التخطيط، وتأخير اعتماد قائدي سلاحي الجو والبحرية، وحذر مسؤولون عسكريون من "جمود قيادي" يضر بالروح المعنوية ويؤخر قرارات بناء القوة، ولم يوافق كاتس على تعيين عومر تيشلر قائدا لسلاح الجو وإيال هارئيل قائدا للبحرية إلا في 24 ديسمبر/كانون الأول، بعد إخضاعهما لفحص إضافي من مراقب وزارة الدفاع.
إعلان
وفي 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقل هارئيل وزميله يانيف كوبوفيتش في هآرتس عن زامير أن تجميد التعيينات يضر بقدرة الجيش وجاهزيته، واعترض رئيس الأركان على مراجعة تقرير لجنة سامي ترجمان التي كلفت في التحقيق في فشل السابع من أكتوبر/تشرين الأول خلال 30 يوما، بعدما أعده 12 جنرالا على مدى 7 أشهر واستمع إلى مئات الشهادات، معتبرا تحويل التحقيق العسكري إلى أداة سياسية مساسا باستقلال القيادة المهنية.
ثم بلغ الصدام ذروته في الثاني من أغسطس/آب 2026، عندما أعلن كاتس خلال برنامج "الوطنيون" في القناة الـ14 أن اللواء دادو بار خليفة سيحل محل آفي بلوط في قيادة المنطقة الوسطى، ولم يكن الإعلان منسقا مع زامير، الذي أعلن ثقته الكاملة ببلوط ورفض تغيير قادة المناصب الحساسة قبل عام 2027.
ويربط هارئيل -في هآرتس- الخطوة بضغوط اليمين الاستيطاني والانتخابات التمهيدية في الليكود، فكاتس كان قد ألغى الاعتقال الإداري بحق اليهود المشتبه في ضلوعهم في أعمال إرهابية ضد الفلسطينيين، ثم دخل في مواجهة مع بلوط بسبب القيود المفروضة على ناشطين متطرفين. وبذلك تحولت إدارة الضفة من ملف أمني إلى اختبار ولاء سياسي.
وزادت الأزمة حدة بعدما كشف مراسل القناة الـ13 للشؤون العسكرية أور هيلر أن زامير أبلغ بلوط: "أنت تحظى بدعمي الكامل، ولن تذهب إلى أي مكان"، مؤكدا بقاءه حتى عام 2027. ونقلت القناة عن ضابط رفيع قوله: "لا يُعزل جنرال على شاشة التلفزيون وسط تصفيق الجمهور، فهذه ليست حلبة ملاكمة"، قبل أن يتراجع كاتس ويقول إن بلوط لم يُقَل.
حكم الجمهوروجاء استطلاع القناة الـ12، الذي نشره المحلل السياسي عميت سيغال ومراسلة الكنيست دفنا ليئيل في الثالث من أغسطس/آب 2026، ليكشف حجم الضرر، فقد منح 57% من الإسرائيليين كاتس تقييما سيئا، مقابل 34% فقط قيّموه إيجابيا، ورأى 52% أن دوافعه سياسية، مقابل 28% اعتبروها مهنية، بينما قال 47% إن إقالة بلوط غير مناسبة، ولم يؤيدها سوى 17%.
ولا تقتصر حصيلة كاتس على خلاف شخصي مع رئيسي أركان، فقد أنتجت سياساته تعيينات مؤجلة، وضباطا يعرفون مصيرهم من الإعلام، وتحقيقات موازية، وصراعا على حق اختيار قادة الجيش، وكلما اقتربت الانتخابات، ازدادت الشبهة بأن القرارات الأمنية تُصاغ وفق حسابات الليكود وضغوط المستوطنين.
وبهذا المعنى، لم يعد السؤال من يربح المواجهة بين كاتس وزامير؟ بل إذا ما كان الجيش يستطيع الحفاظ على تسلسل قيادة مهني حين يتحول الوزير من رقيب مدني إلى لاعب مباشر في التعيينات والإقالات، فالرقابة السياسية ضرورة، لكن إدارتها عبر التهديد والبيانات التلفزيونية تجعلها مصدرا جديدا لاضطراب المؤسسة التي يفترض أن تعيد بناء نفسها بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
إقرأ المزيد


