طلبت "أفكارا غير تقليدية".. هل بلغت واشنطن سقف قوتها العسكرية ضد إيران؟
الجزيرة.نت -

دخلت المواجهة الأمريكية مع إيران مرحلة مراجعة للخيارات، بعدما وجّه ضابط في فرع الاستخبارات بالقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) رسالة إلكترونية إلى مجموعة واسعة من المحللين العسكريين، طالبا أفكارا "جديدة وإبداعية وغير تقليدية" للضغط على طهران ومعاقبتها.

وتتجاوز دلالة الرسالة طريقة إرسالها لتطرح سؤالا أوسع: هل لا تزال واشنطن تبحث عن وسيلة أكثر فاعلية لإجبار إيران على تغيير حساباتها، أم أنها اقتربت من حدود القوة التي يمكن استخدامها دون الانتقال إلى حرب أشمل؟

فالمأزق لا يتعلق بقدرة الجيش الأمريكي على توجيه مزيد من الضربات، بل بقدرته على تحويل تفوقه العسكري إلى نتيجة سياسية لم تحققها العمليات حتى الآن.

ماذا يعني طلب الأفكار غير التقليدية؟

لا تكمن غرابة الطلب في أن مؤسسة عسكرية تبحث عن أفكار جديدة، فذلك جزء من عمل غرف التخطيط، بل في الطريقة والسياق.

فبحسب مصادر عسكرية تحدثت لـ"سي إن إن"، فإن تعميم طلب كهذا عبر البريد الإلكتروني ليس إجراء مألوفا، خصوصا في حرب مفتوحة مع إيران. وقال أحد المصادر إن "سنتكوم تنظر في كل شيء" وتحتاج إلى إعادة تقييم الإستراتيجية.

ولا تأتي أهمية الرسالة من صيغتها فقط، بل من توقيتها. فقد جاءت بعدما نقلت "سي إن إن" عن وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة استخبارات الدفاع تقديرهما أن نمط القصف الأمريكي الجاري من غير المرجَّح أن يغير موقف إيران التفاوضي. أي أن الضربات قد تضعف قدرات عسكرية، لكنها لن تدفع بالضرورة طهران إلى الاتفاق الذي تريده واشنطن.

ومن هنا لخص رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين المأزق بقوله: "للقوة الجوية حدود".

ولم تنفِ القيادة المركزية ما كشفته الشبكة، وقال المتحدث باسمها الكابتن تيموثي هوكينز إن "للقيادة المركزية الأمريكية تاريخا طويلا في التفكير والعمل بطرق مبتكرة".

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (يمين) ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين (أسوشيتد برس)
هل نضبت الأهداف أم الأفكار؟

ويبدو أن رسالة طلب الأفكار لم تأت من فراغ، فقبل إرسالها بأيام أبلغ قائد "سنتكوم" الأدميرال براد كوبر البنتاغون والبيت الأبيض بأن حملة القصف حول مضيق هرمز بلغت "حد فاعليتها"، وأن معظم أهداف المنطقة استُنفدت، وفق مصدرين تحدثا لموقع "أكسيوس".

إعلان

ورأى كوبر أن مواصلة القصف بالنمط نفسه لن تضيف أثرا جديدا، وأن الانتقال إلى "عمليات قتالية كبرى" هو الخيار التالي لإنجاز الـ20% المتبقية من أهداف العملية.

وتزامن ذلك مع تحذيرات من تراجع مخزونات الصواريخ الاعتراضية، قبل أن يعلّق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الضربات في 24 يوليو/تموز الماضي.

وهكذا، لا تكمن المشكلة في غياب أهداف أخرى، بل في أن الوصول إليها يتطلب تصعيداً أكبر.

ولا تزال أمام واشنطن خيارات أشد، بينها ضرب منشآت عميقة مثل "جبل الفأس" قرب نطنز. لكن مصادر قالت لـ"سي إن إن" إن القنابل وحدها قد لا تكفي لتدميره، وإن الأمر قد يتطلب قوات برية، وهو خيار لم يُبد ترمب استعداداً له.

ومع ارتفاع كلفة التصعيد، عادت الدبلوماسية إلى الواجهة. فقد ألغى ترمب هجوماً قال إنه كان سيكون "الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية"، بعد اتصالات من السعودية والإمارات وقطر، ثم أعلن أن المحادثات مع إيران بدأت.

دخان يتصاعد عقب انفجارات في موقع غير معلوم قالت القيادة المركزية الأميركية إنها ناجمة عن ضربات على إيران (رويترز)
ما الأفكار الممكنة؟

لا تكشف المصادر قائمة محددة، لكن مسار الحرب يوحي بأن واشنطن تبحث عن مزج الضغط العسكري والاقتصادي والدبلوماسي.

وفرضت وزارة الخزانة عقوبات على شركات وناقلات مرتبطة بمحاولة إيران تحقيق عائد من المرور في هرمز. كما قال مصدر لـ"سي إن إن" إن ترمب يدرس ضربات أشبه بعرض "ألعاب نارية" على المواقع ذاتها أو أخرى مشابهة لها، أملا في تحقيق نصر رمزي يتيح له الخروج من الحرب دون تحقيق هدفه الأصلي.

لكن إيران ليست هدفا ثابتا. فكل طرف يخوض حربا مختلفة: واشنطن تضرب أهدافا أعمق وأثمن داخل إيران أملا في تغيير حسابات طهران، بينما توسع إيران رقعة الضرر بدل أن تزيد قوته، فتنقله إلى الملاحة والطاقة ودول المنطقة.

وقال الباحث مايكل نايتس لرويترز إن "ميزتهم الكبرى ليست قدرتهم على إيذاء أمريكا أو إسرائيل، بل قدرتهم على إيذاء دول المنطقة والاقتصاد العالمي".

ماذا يجري داخل البنتاغون؟

لا يمكن فصل مراجعة الخيارات ضد إيران عن التحولات داخل وزارة الحرب (البنتاغون)، التي دخلت الحرب بعد سلسلة إقالات وتعيينات شملت قيادات عسكرية واستخباراتية عليا.

ففي فبراير/شباط 2025، أقال ترمب رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي كيو براون، ورشح الجنرال المتقاعد دان كين لخلافته، كما أُقيلت رئيسة البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي، ثم الأدميرال شوشانا تشاتفيلد التي شغلت موقعا رفيعا في حلف شمال الأطلسي.

وفي أغسطس/آب 2025، أقال وزير الحرب بيت هيغسيث مدير وكالة استخبارات الدفاع الفريق جيفري كروز، بعد تقييم أولي خالف به رواية ترمب بشأن "محو" القدرات النووية الإيرانية. وعلّق السيناتور مارك وارنر قائلا إن الخطوة تعكس "التعامل مع الاستخبارات كاختبار ولاء لا كضمانة لبلادنا".

واستمرت التغييرات خلال الحرب، إذ أُمر رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج -في أبريل/نيسان 2026- بالتقاعد فورا مع جنرالين آخرين، وفق "سي إن إن". كما خفّض البنتاغون قوته المدنية بأكثر من 78 ألف موظف خلال 2025، بحسب مكتب المحاسبة الحكومي.

إعلان

ولا تثبت هذه الوقائع نقصا شاملا في الكفاءات، لكنها تكشف مؤسسة تخوض حربا معقدة وسط إعادة تشكيل قيادية وتوتر بين التقييم الاستخباري والرواية السياسية.

رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال راندي جورج (يسارا) ووزير الحرب بيت هيغسيث (الفرنسية)
هل بلغت واشنطن سقف قوتها العسكرية؟

لم تبلغ واشنطن حدود قدرتها العسكرية الخام، فهي لا تزال تملك خيارات لتوسيع القصف أو إدخال قوات برية.

لكن قدرتها على إدامة المواجهة بالمستوى نفسه مع حماية قواتها وحلفائها، تواجه قيودا متزايدة كلما طال أمد الحرب واتسع نطاقها، وهي قيود سياسية ومادية معا، فأي تصعيد جدي يفتح باب الحرب الشاملة التي يتجنبها ترمب، بينما تستنزف الحرب الترسانة الأمريكية أسرع مما تستطيع المصانع تعويضه.

ويظهر أحد هذه القيود في تراجع مخزونات صواريخ الدفاع الجوي، فقد قدر مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية -في تقرير نشر في 27 يوليو/تموز- أن مخزون صواريخ "باتريوت" الاعتراضية هبط من 2330 صاروخا قبل الحرب إلى ما بين 759 و827، بينما انخفض مخزون صواريخ "ثاد" من 452 إلى ما بين 234 و278.

وقال معد التقرير العقيد المتقاعد مارك كانسيان إن ذلك قد يدفع القوات الأمريكية إلى إطلاق صاروخين اعتراضيين بدلا من ثلاثة "وهذا يقلل فرص الاعتراض، لكنه يوفر صاروخا".

وفي المقابل، قال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن "الجيش الأمريكي هو الأقوى في العالم، ولديه كل ما يحتاجه للتنفيذ في الزمان والمكان اللذين يختارهما الرئيس".

في المحصلة، لا تكشف رسالة "سنتكوم" نفاد قدرات القوة الأمريكية، بل حدود جدواها، فما دون الحرب الشاملة جُرّب بدرجات مختلفة، وما فوقها يفتح بابا لا يريد ترمب دخوله.

وبين قصف لا يغير حسابات طهران وتصعيد قد يحوّل المواجهة إلى حرب مفتوحة، تبحث واشنطن عن فكرة ثالثة: ضغط يكفي لفرض تسوية، ولا يتسبب في إشعال المنطقة.

وهكذا، لم تصل واشنطن إلى أقصى ما تستطيع تدميره، لكنها ربما وصلت إلى أقصى ما تستطيع استخدامه من قوة، دون أن تصبح الحرب نفسها هي النتيجة.



إقرأ المزيد