الجزيرة.نت - 8/3/2026 11:34:05 PM - GMT (+3 )
عرفنا خيمة محمد الشنباري، 40 عاما، من تجمع الأطفال أمامها، عشرات الوجوه بأعمار وأطوال مختلفة يلهون قرب المدخل، ويلتفون حول أبيهم كلما احتاج أحدهم شيئا.
كلما بدأ محمد الشنباري تعداد أسماء أطفاله العشرين، يتوقف لحظة بين اسمين، ويستعين بالصلاة على النبي ليستجمع تركيزه، ثم ينطق بالاسم والعمر الصحيحين.
محاسن، 18 عاما، هي الكبرى، وسيلا ذات العام والنصف هي الصغرى، وبينهما وفلة، وسلسبيل، وإيمان، ورحمة، وانتصار، ورؤيا، ولمى، ووردة، ونورهان، وليان، وآلاء، ودعاء، وآية، وفاطمة، وكريم، وعبد الله وتوأمه سارة، ونور.
يعيش محمد مع زوجتيه وأطفاله؛ أنجبت ياسمين، زوجته الأولى 13 ابنة، وأنجبت سماح -زوجته الثانية، 7 أطفال. ويعيش الجميع داخل خيمتين في مخيم الرحمة المقام داخل الجامعة الإسلامية بمدينة غزة.
23 شخصا يتقاسمون مساحة يقول الأب إنها تناسب أسرتين صغيرتين، بينما تحتل الفرش والملابس وأوعية المياه وأدوات الطبخ كل زاوية فيها.
يحاول محمد المساواة بين أبنائه في كل ما يصل إلى يديه، يبدأ بالحاجة الأكثر إلحاحا: حذاء لطفل، ودواء لآخر، وقطعة ملابس لثالث، ويشتري ما يستطيع على مراحل تمتد أسابيع وأشهرا، ويحصل طفل على حاجته، ثم ينتظر الآخرون حتى يتوفر مبلغ جديد.
يجلس الأطفال في حلقات أمام الخيمتين، وينشغل بعضهم باللعب، ويتحرك آخرون بين مهام جلب المياه ورعاية الأشقاء وانتظار الطعام.
قرب المدخل، تستقر صفيحة حديدية أنهكها الصدأ، تحيط بها حجارة مكسرة، اتخذتها الأسرة موقدا لإعداد العدس في الأيام التي تغيب فيها وجبة التكية، وإلى جانبها يبقى قدر أسود، اكتسب لونه من نار الحطب، جاهزا للحظة وصول سيارة الطعام.
إعلان
حين يسمع الأطفال صفارة التكية، تلتقط ليان، 11 عاما، القدر وتتجه مسرعة نحو مكان التوزيع، وتحمل الإناء بحركة رسختها أيام المخيم، وتعرف الطريق والموعد والمكان الذي تقف فيه قبل اشتداد الازدحام.
تقول وهي تتابع طريقها: "بنصحى وبنقعد نستنى الساعة تصير 12 الظهر حتى نأكل ونشبع".
تنحدر الأسرة من بيت حانون، شمالي قطاع غزة. عاش محمد وزوجتاه وأطفاله في بيت واسع، وفر لهم مساحة للنوم والحركة، وجعل تربية عائلة بهذا الحجم أكثر احتمالا.
يستعيد محمد منزله من خلال المقارنة بالمكان الحالي: "في بيت حانون امتلك كل غرض موضعا، ووجد الأطفال مساحة تحتمل حركتهم وضجيجهم".
يمسح حبات العرق عن وجهه ثم ينظر إلى المساحة المحيطة به ويضيف: "داخل الخيمتين، يحتاج النوم إلى توزيع دقيق، ويزاحم وعاء الماء فراش طفل، وتزاحم الملابس أدوات الطبخ".
قبل الحرب، عمل محمد في البناء، وعاد إلى أطفاله بدخل محدود وفر لهم الطعام والملابس وفق استطاعته، ويقول مستعيدا تلك المرحلة: "عشنا بستر ربنا، والدخل كان قليلا، ولكنْ شعرت بقيمة وجودي وأنا أعود بالطعام وألبي احتياجات أولادي، أما اليوم فأقف أمام طلباتهم وأحتاج وقتا طويلا حتى أوفر أبسط الأشياء".
بعد بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2023، دمر جيش الاحتلال مدينة بيت حانون بالكامل، مما أدى إلى فقدان محمد منزله، ودخلت الأسرة رحلة نزوح طويلة تنقلت خلالها 5 مرات داخل مدينة غزة قبل انتقالها إلى جنوب القطاع. ويصف محمد رحلة الجنوب بأنها المرحلة الأشد قسوة في حياته.
كان عليه أن يتحرك مع زوجتين و20 طفلا وأمتعة محدودة، بينهم 4 صغار تقل أعمارهم عن 5 أعوام، وفق تقديره.
كل انتقال احتاج إلى عدّ الأطفال مرارا، وإمساك أيدي الصغار، ومراقبة الطريق، وتوزيع الأمتعة بين القادرين على حملها.
تضاعفت صعوبة الرحلة بسبب الحالة الصحية للأب، فمحمد يعاني من الغضروف والسكري، ويزيد حمل طفل أو حقيبة ثقيلة من ألمه، فيما يعرضه تأخر الدواء لنوبات إغماء مفاجئة.
وسط الازدحام والقصف، تحولت مهمة إبقاء الأطفال معا إلى العبء الأكبر، ويخشى محمد لحظات الإخلاء المفاجئ، فعدد أبنائه يفوق قدرة ذراعيه، وصحته تضع حدودا قاسية أمام حمل الصغار والأغراض.
واستقرت الأسرة لاحقا في مخيم الرحمة داخل الجامعة الإسلامية، آملة أن تنتهي محطات النزوح الحالية عند خيمتين صغيرتين، مع بقاء احتمال تهديدات الجيش الإسرائيلي لغزة حاضرا في ذهن الأب كل ليلة.
مع الغروب، تبدأ ياسمين الشنباري، إحدى زوجتي محمد، ترتيب أماكن النوم، ويتشارك كل طفلين فرشة ضيقة يقل عرضها عن نصف متر، وتوزع الصغار قربها، ثم ترتب الأكبر سنا في المساحات المتبقية.
تلتصق الأجساد فوق أرض الخيمة، وتحتفظ أقمشتها بحرارة النهار حتى ساعات متأخرة، فالأغطية قليلة، ويخفف الصيف الحاجة إليها، بينما تظل الفرش أصل الأزمة، إذ إن كل مساحة محسوبة، وكل حركة قد توقظ طفلا ينام على بعد سنتيمترات.
إعلان
بعد استقرار الأطفال، تبدأ ياسمين مهمتها الليلية، وتشحن هاتفها من نقطة قريبة مقابل نصف دولار، ثم توفر طاقته حتى حلول الظلام، ويتحول كشاف الهاتف إلى وسيلة حماية، توجه ضوءه نحو أطراف الفرش والزوايا كلما سمعت حركة.
تتحدث عن حشرات وعناكب تشاهد أنواعا منها للمرة الأولى، وعن قوارض تقترب من أماكن النوم. تقضي جزءا من الليل بين غفوات متقطعة ومراقبة مستمرة، وتحرك الضوء حول رؤوس الأطفال وأطراف الفرش.
تقف إيمان، 12 عاما، عند مدخل الخيمة وتنادي شقيقاتها فور وصول صهريج المياه. تخرج الفتيات وهن يحملن قِرَبا وأوعية صغيرة، ثم يتزاحمن مع بقية الأطفال عند نقطة التعبئة، وبعد امتلائها، يعدن نحو الخيمتين بخطوات متثاقلة، يحملن فوق أكتافهن وفي أيديهن أوزانا تفوق قدرة أجسادهن الصغيرة.
يسير الأطفال حفاة فوق أرض مليئة بالحجارة وبقايا الركام، وكل كمية تصل إلى الخيمة تدخل في حساب دقيق؛ منها الشرب أولا، ثم الطبخ وغسل الأواني، ويأتي الاستحمام في نهاية الأولويات.
تؤجل ياسمين استحمام أبنائها حفاظا على مخزون الأسرة، فالعشرون طفلا يحتاجون إلى كمية كبيرة، وأي استخدام واسع يفرغ الأوعية سريعا.
تشاهد الأم أبناءها وهم يحملون المياه بأيد صغيرة، وتدرك أن جزءا من طفولتهم صار مرتبطا بالانتظار والدور والحمل.
بيع البلاطتعتمد الأسرة في غذائها على وجبة التكية، وعند حضور الشاحنة يهرع الأطفال حاملين القدر، وعند غيابها تعود ياسمين إلى موقد الصفيحة لإعداد العدس.
يلتف الأطفال حول أمهم أمام وجبة الطعام التي تطهوها على النار، مدفوعين بالجوع ورغبتهم في رؤية الطعام قبل نضجه، ولكنّ ضيق المكان وكثرة الأبناء الملتفين حولها يجعلان الطبخ مهمة محفوفة بالخطر؛ فخطوة واحدة قرب اللهب قد تنتهي بحرق في قدم أو يد.
يقول محمد وهو يضرب كفيه ببعضهما إن أبناءه اعتادوا الحصص الصغيرة، وصار الشبع يأتيهم من لقم قليلة. ثم يضيف: "أجسادهم صغيرة وتحتاج غذاء يناسب نموهم، والحصة التي تصل إلينا تنتهي بسرعة بين هذا العدد".
تختصر ليان، 11 عاما، يومها في انتظار الوجبة، تستيقظ جائعة، تتابع الوقت حتى الظهر، ثم تحمل القدر وتجري، وبدا لنا أن تكرار المشهد منحها خبرة أكبر من عمرها؛ تعرف اتجاه الشاحنة، والقدر المخصص للتكية، والوقت الذي تحتاجه للوصول قبل اشتداد الازدحام.
توقف أبناء الأسرة في سن الدراسة عن التعليم، ويتعلم الصغار مواقع الصهاريج ومواعيد التكايا، ويساعد الأكبر سنا في حمل الأوعية وترتيب الخيمة ورعاية إخوتهم.
وسط ضيق الحال، فكرت ليان، 11 عاما، ورؤيا، 12 عاما، في مساعدة والدهما، وخرجتا حافيتي القدمين وبدأتا جمع قطع البلاط المتناثرة، ثم عرضتاها للبيع أمام الخيمة مقابل شيكل ونصف للقطعة.
حملتا البلاط من الأرض، ونظفتاه، ورتبتاه قرب مكان السكن، على أمل تحويل الركام إلى مبلغ يشتري حاجة عاجلة واستمر العمل حتى نفدت القطع القابلة للبيع، فتوقف المورد القصير.
يعاني محمد من الغضروف والسكري، والوقوف تحت الشمس يرهقه، وحمل الأثقال يفاقم ألمه، وتأخر الدواء يعرضه للإغماء، وتغلق هذه الظروف أمامه أبواب العمل الذي أتقنه سنوات، وتحوله من معيل يعتمد على جهده إلى أب ينتظر وجبة التكية أو مساعدة عابرة.
يحاول رغم ذلك توزيع القليل بعدالة، ويحتفظ في ذاكرته بقائمة طويلة تتمثل في طفل يحتاج حذاء، وآخر يحتاج قميصا، وثالث يحتاج دواء، وينفذ الطلبات على مراحل، ويشرح لأطفاله أن دور كل واحد سيأتي.
تمر الأسابيع ثم الأشهر، وتكبر الحاجة قبل وصول الدور. وقد يحصل طفل على حذاء بعد انتظار طويل، ثم يظهر احتياج جديد لدى أخيه.
إعلان
يستنزف هذا التتابع الأب نفسيا، إذ يراقب أبناءه ويعرف حاجاتهم بالتفصيل، فيما لا يملك سوى قدرة محدودة على تلبيتها.
أمام موقد نار مستعر وسط خيام النزوح، تجلس ياسمين بعباءتها السوداء لتقليب رغيف خبز رقيق على صفيح معدني ساخن، يلف الدخان الكثيف ملامح وجهها المتعب، بينما يقف بجوارها أطفالها حافيي الأقدام، يراقبون المشهد بعيون تنتظر لحظة نضج الرغيف لسد جوعهم.
تتحدث ياسمين عن أقدام أطفالها بحزن ظاهر، حيث يسير معظمهم حفاة في المخيم، فتنغرز الحجارة وبقايا الركام في أقدامهم، وتتكرر الجروح وتتضرر الأظافر، وتلاحق الأم العيادات الميدانية داخل المخيم بحثا عن تنظيف جرح أو ضماد أو علاج.
تقول "أطفالي يمشون حفاة، وكل يوم أرى جرحا جديدا في أقدامهم".
خطر آخر ينتظرهم قرب موقد النار، فحين تبدأ الأم بإعداد الطعام، يلتف الأطفال حول القدر، ويقترب بعضهم من اللهب بفعل الجوع والزحام. تقع الحروق في الأقدام والأيدي وأجزاء من الجسد، ثم يتأخر العلاج بسبب ضعف الإمكانات.
تضيف ياسمين: "حين أحاول إسعادهم بوجبة ساخنة، يلتفون حولي من كثرة عددهم، ويصاب بعضهم بالحروق".
في نهاية اليوم، تعود ليان بالقدر، وتتوزع الوجبة بين الأيدي الصغيرة. ينتهي الطعام سريعا، ثم تبدأ مرحلة ترتيب الفرش. طفلان فوق كل فرشة، والصغار قرب الأم، والكبار في أطراف الخيمتين.
عند صباح اليوم التالي، سيستيقظ محمد وهو يفكر في أبنائه، وستنهض ليان وإيمان لجمع البلاط المكسّر وبيعه، وسيملأ الأطفال القدر الأسود بطعام التكية بحثا عن وجبة تكفي أسرة تضم 20 طفلا. ويتكرر المشهد كل يوم وسط واقع معيشي يزداد قسوة في قطاع غزة أمام صمت دولي هائل.
إقرأ المزيد


