الجزيرة.نت - 8/3/2026 10:10:57 PM - GMT (+3 )
ساو باولو- أعلن الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ترشحه لولاية جديدة خلال المؤتمر العام لحزب العمال، الذي استضافه مركز المعارض "إكسبو سنتر نورتي" شمالي مدينة ساو باولو الأحد 2 أغسطس/آب 2026، وسط حضور حاشد ضم الآلاف من أنصار الحزب وقياداته وكوادره، لتكون هذه المرة السابعة التي يخوض فيها سباق الانتخابات الرئاسية، والرابعة التي يسعى عبرها للوصول إلى سدة الحكم.
وركز لولا دا سيلفا في خطابه على قضية السيادة الوطنية، مؤكداً أن البرازيل لن تسمح لأي طرف خارجي بالسيطرة على مقدراتها، وقال: "لن يمس أي صيني أو أمريكي أو فرنسي ثروات البرازيل دون احترام كامل لسيادتها". كما تعهد بدعم الصناعات الدفاعية الوطنية وتكثيف الاستثمار في القطاعات الإستراتيجية، باعتبار ذلك جزءا لا يتجزأ من حماية استقلال البلاد وصون قرارها السياسي.
لا تختلف الأجواء الانتخابية المحمومة في البرازيل اليوم عن مشهد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2022، حين حسم لولا دا سيلفا الفوز بنسبة 50.9% مقابل 49.1% للرئيس اليميني السابق جايير بولسونارو. ورغم تعدد الأسماء والمنافسين، تظل المواجهة الكبرى محصورة بين أبرز مرشحي اليسار، الرئيس لولا دا سيلفا، وخصمه فلافيو بولسونارو (نجل الرئيس السابق)، الذي يحظى بدعم اليمين اللاتيني ودول حليفة.
وفي حديثها للجزيرة نت، أوضحت الأكاديمية والعضو المؤسس في حزب العمال، مارسيا كامارغوس، أن الرئيس لولا يمثل السد المنيع والأخير أمام تمدد اليمين المتطرف في القارة، بالنظر إلى حجم البرازيل وثقلها الاقتصادي والسياسي المؤثر في المنطقة.
وتستدرك كامارغوس أن حزب العمال أخفق في إعداد قيادات بديلة تتمتع بالكاريزما والحضور الجماهيري الذي يضاهي لولا، نظراً لاعتماده على أسلوب مرحلي للتعامل مع الأزمات دون الاستثمار في إإستراتيجية تنظيمية طويلة الأجل، مع التركيز المكثف على رمزية شخص واحد.
إعلان
وتضيف كامارغوس أن لولا لم يستثمر ثقله في تعبئة الجماهير وتفعيل الشارع، مما قد يؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف البنية التنظيمية لحزب العمال، وهو ما يفسح المجال واسعا أمام صعود قوى اليمين، ليس في الداخل البرازيلي فحسب، بل في النطاق الإقليمي بأكمله.
عوامل صعود اليمينأمام مد الموجة المحافظة والانتصارات المتتالية التي حققها اليمين في معظم دول القارة، والتي كان آخرها فوز اليميني دي لا سبرييلا في كولومبيا، تقف البرازيل عند مفترق طرق معقد:
- داخلياً من خلال التهديد بفوز اليمين وتعمق الانقسام المجتمعي.
- وخارجياً عبر خطر العزلة السياسية عن محيط إقليمي تحكمه القوى اليمينية.
وترى كامارغوس أن اليمين المتطرف يشهد اتساعاً مقلقاً، يعود في جزء منه إلى التمدد النشط للكنائس الإنجيلية التي حلّت محل المجتمعات الكنسية الشعبية التي أسسها "لاهوت التحرير" (الحركة المسيحية السياسية التي نشأت لمواجهة الاستبداد العسكري والفقر في القرن العشرين).
وتضيف أن تحالفات النفوذ والأجندات المحافظة نجحت في إيصال أعضاء رجعيين ومعادين للمرأة إلى البرلمان. كما تشير إلى أن اليمين القومي والدولي يمول قادة اليمين اللاتيني للحفاظ على مصالحه، مما يتيح للخطاب المحافظ المناهض للمرأة والسود والفئات المهمشة أن يجد بيئة خصبة للازدهار.
من جانبه، قال الأمين العام لحزب العمال الاشتراكي الموحد، زي ماريا، للجزيرة نت، إن اليمين يمر بفترة صعوبات جراء هزائمه الأخيرة (فشل محاولة الانقلاب في عام 2023، واعتقال بولسونارو، وقضايا الفساد)، مستدركاً بأن خطأ كبيراً يكمن في الاستهانة به، نظراً لقاعدته الجماهيرية الواسعة التي تقتات على إحباط الشارع من حكومات لولا.
ويُرجع زي ماريا صعود اليمين عالمياً وإقليمياً إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- تراجع النظام الرأسمالي: مما يدفع قطاعات منه إلى تبني أقصى درجات الاستغلال، مدعومة بقطاعات من البرجوازية الصغيرة المتضررة من الأزمات.
- الإحباط الاجتماعي: الناجم عن أداء الحكومات التي ترفع شعارات عمالية أو اجتماعية دون أن تحدث تغييراً ملموساً في واقع الاستغلال.
- غياب البديل الاشتراكي: المتمثل في عدم وجود قيادة سياسية ثورية قادرة على حشد استياء الطبقات العاملة وتوجيهه في مسار جذري.
يفرض النظام الانتخابي البرازيلي شروطاً مشددة لتسجيل الترشيحات، ومع وصول عدد المرشحين لانتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى اثني عشر مرشحاً يمثلون مختلف التوجهات السياسية في البرازيل، تؤكد كامارغوس أن الناخب لا يجد بدائل واقعية تعلو على هذا الاستقطاب الثنائي.
وتوضح المتحدثة نفسها أن اليمين، رغم تشتته الجزئي بسبب عدم كفاءة فلافيو بولسونارو في توحيد الصفوف، يفرز بدائل تظل حبيسة التوجه المحافظ نفسه. أما في المعسكر اليساري، فيظل لولا الخيار الوحيد المطروح لغياب أحزاب الوسط التاريخية أو اليسار التقليدي، كالحزب الاشتراكي الديمقراطي البرازيلي، بينما تبقى أحزاب اليسار الصغرى عاجزة عن تقديم بديل منافس.
ويوافق زي ماريا على هذا الطرح، موضحاً أن حزبه وبقية قوى المعارضة اليسارية تقدم طرحاً مبدئياً لكنها تفتقر إلى الفاعلية الانتخابية بسبب صغر حجمها التنظيمي، فضلاً عن غياب تكافؤ الفرص وحرمانها من المساحات الإعلامية والتلفزيونية المخصصة للترويج لبرامجها.
إعلان
ويضيف أن معظم أحزاب اليسار البرازيلي انخرطت في حكومة "الجبهة العريضة" (تحالف يساري واسع يضم أحزابا ومنظمات واتحادات نقابية) مما جعلها شريكة في السياسات القائمة بدلاً من بناء خيار يساري مستقل، ليبقى الاستقطاب هو الحاكم للمشهد.
تواصل مراكز الاستطلاع البرازيلية نشر تقاريرها المسجلة لدى المحكمة العليا للانتخابات، والتي تُجمع حتى الآن على تقدم لولا دا سيلفا بفارق ضئيل وغير مريح أمام منافسه فلافيو بولسونارو.
وفي هذا السياق، تلفت كامارغوس إلى أن أطيافاً من اليسار تدعم لولا رغم خيبة أملها من تحالفه مع النظام الرأسمالي القائم، فبالرغم من تحسن مؤشرات الفقر وتراجع التفاوت الاجتماعي، فإن حكومته لا تتبنى برنامجاً اشتراكياً يضمن إعادة توزيع الثروة بشكل راديكالي.
وتوضح أن هذا القطاع يصوت للولا من باب المفاضلة وتحجيم اليمين، بينما يركز يسار الوسط على المكتسبات الاقتصادية المسجلة. وفي المقابل، يركز اليمين خطابه على القضايا الأمنية، داعياً إلى تسليح المواطنين وزيادة الصلاحيات الشرطية لمكافحة الجريمة، دون التطرق للأسباب الجذرية للعنف وانعدام الأمان.
ويشير زي ماريا إلى أن جزءاً من الطبقات الفقيرة والعاملة ما زال يراهن على قدرة لولا على تحسين ظروف المعيشة، بينما يصوت قطاع واسع آخر له لمجرد قطع الطريق على اليمين المتطرف.
وعلى الجانب الآخر، تظل النواة الصلبة للبولسونارية الأيديولوجية محصورة بين 10% و15% من السكان، غير أن هناك كتلة انتخابية مساوية لها حجماً تصوت لبولسونارو بدافع النقمة على حزب العمال ورفضاً لوعوده النفعية، فتختار القوة الوحيدة القادرة على إسقاطه، دون أن تكون بالضرورة مقتنعة بالخطاب المحافظ للبولسونارية، بحسبه.
إقرأ المزيد


