المحاماة ترضخ والصحافة تقاوم.. من يصمد أمام ضغوط ترمب؟
الجزيرة.نت -

تشهد العلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وعدد من المؤسسات الأمريكية البارزة تحولات لافتة، مع اتساع نطاق المواجهات القانونية ليشمل كبرى مكاتب المحاماة والمؤسسات الإعلامية، في وقت تتباين فيه استجابة هذه المؤسسات للضغوط التي تمارسها الإدارة.

وتستعرض تقارير وتحقيقات أمريكية هذا التباين من زوايا متعددة، فترصد كيف دفعت الضغوط كبرى مكاتب المحاماة إلى إبرام تسويات مع البيت الأبيض، في حين اختارت مؤسسات إعلامية مواجهة الدعاوى القضائية والدفاع عن استقلالها أمام المحاكم.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وتسلط هذه التقارير الضوء على العوامل التي دفعت بعض شركات المحاماة إلى التراجع، والانعكاسات التي خلّفتها تلك التسويات على استقلال المهنة، إلى جانب ملامح التحول في موقف عدد من المؤسسات الإعلامية التي باتت تميل إلى المواجهة القضائية بدلا من إنهاء النزاعات عبر التسويات.

نيويورك تايمز: ترمب وقّع العام الماضي أمرا تنفيذيا بعنوان معالجة المخاطر الناجمة عن شركة بول وايس للمحاماة (الأوروبية)
المحاماة ترضخ

ويرصد تحقيق أجرته صحيفة نيويورك تايمز التحول الذي شهدته شركة "بول وايس"، التي كانت توصف لعقود بأنها إحدى أبرز شركات المحاماة المدافعة عن الحقوق المدنية، والتي قادت خلال الولاية الأولى لترمب المواجهة القانونية مع إدارته في ملفات عدة، قبل أن ينتهي بها الأمر إلى إبرام تسوية مع البيت الأبيض دون خوض معركة قضائية.

ويشير التحقيق إلى أن الشركة واجهت ضغوطا متزايدة بعد توقيع ترمب في 14 مارس/آذار 2025 أمرا تنفيذيا بعنوان "معالجة المخاطر الناجمة عن بول وايس"، تضمن إجراءات هددت بحرمان الشركات التي يمثلها المكتب من العقود الفدرالية، في وقت أبلغ فيه بعض العملاء مسؤولي الشركة بأنهم قد يضطرون إلى إنهاء علاقتهم بالشركة في حالة استمرار الأمر التنفيذي.

وترى الصحيفة أن هذا الرضوخ كان نتيجة تحولات داخلية استمرت سنوات، بدأت مع توسع الشركة في أعمال الشركات والاستحواذات سعيا إلى زيادة الأرباح على حساب قضايا العدالة الاجتماعية التي شكّلت هوية المكتب، لتتحول المواجهة مع إدارة ترمب إلى "أزمة وجودية" للشركة.

إعلان

ويضيف التقرير أن التحول تسارع بعد أن عيّن براد كارب -رئيس مجلس إدارة الشركة آنذاك- المحامي سكوت بارشاي عام 2016 لقيادة التوسع في النشاط التجاري، إذ أسهم الأخير في زيادة أرباح الشركة لكنه قاد أيضا جهودا لتقليص قضايا العدالة الاجتماعية، معتبرا أنها قد تبعد العملاء وتضر بالأعمال.

ووفقا لنيويورك تايمز، حظي التوجه نحو تسوية النزاع بشأن الأمر التنفيذي بتأييد واسع داخل القيادة العليا لشركة "بول وايس". فعندما عرض كارب إطار الاتفاق على الشركاء في 20 مارس/آذار 2025، لم يُبدِ أي منهم اعتراضا، معلنا أن الشركة ستقدم 40 مليون دولار من الخدمات القانونية المجانية لقضايا تحظى بدعم كل من إدارة ترمب والشركة.

"بول وايس" أزالت من الموقع الإلكتروني جميع الإشارات إلى الدعاوى التي كانت قد رفعتها على خلفية اقتحام مبنى الكابيتول في 2021 (غيتي)
تداعيات القرار

وترى الصحيفة أن اتفاق "بول وايس" مع إدارة ترمب أثار تساؤلات بشأن استقلال الشركة، التي سعت عقب ذلك إلى تجنب أي مواجهة جديدة مع الإدارة، إذ أزالت من الموقع الإلكتروني لمركز "مكافحة الكراهية" جميع الإشارات إلى الدعاوى التي كانت قد رفعتها ضد جماعتي "براود بويز" و"أوث كيبرز" على خلفية دورهما في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021.

ويضيف التحقيق أنه بعد إبرام الاتفاق، سعت إحدى الشريكات البارزات إلى رفع دعوى تتعلق بحقوق الإجهاض في خطوة "لإظهار استمرار استقلال الشركة عن الإدارة"، غير أن كارب وبارشاي رفضا المضي في القضية.

ورغم تأكيد لورا فان دري -المتحدثة باسم الشركة- أن أي حديث عن المساس باستقلال "بول وايس" "غير صحيح تماما"، فإن الشركة لم تقدم للصحيفة أمثلة على أعمال قانونية عارضت من خلالها إدارة ترمب، كما رفضت إتاحة كارب أو بارشاي لإجراء مقابلات مع نيويورك تايمز.

وقوبل الاتفاق -كما يوضح التقرير- بانتقادات واسعة داخل الأوساط القانونية، إذ وقع أكثر من 100 من المحامين السابقين بالشركة رسالة مفتوحة وصفوا فيها القرار بأنه "استسلام جبان"، معتبرين أنه يمثل "تهديدا" لاستقلال مهنة المحاماة.

ويختتم التحقيق بأن الشركة واصلت تحقيق الأرباح، قبل أن يضطر كارب إلى التنحي عن رئاسة مجلس الإدارة عقب نشر وزارة العدل وثائق مرتبطة بتحقيقاتها في قضية جيفري إبستين، والتي تضمنت رسالة إلكترونية له تعود إلى عام 2019، ليخلفه بارشاي في خطوة اعتبرها التقرير خاتمة للتحول الذي شهدته "بول وايس".

هيل: نيويورك تايمز من بين المؤسسات الإعلامية التي رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعاوى قضائية ضدها (غيتي)
الصحافة تقاوم

على النقيض من مسار كبرى مكاتب المحاماة، تشير صحيفة "هيل" الأمريكية إلى أن عددا من كبرى المؤسسات الإعلامية، التي استهدفتها دعاوى قضائية رفعها ترمب وكبار مسؤولي إدارته، بات يختار التصدي لها أمام المحاكم، فيما وصفه بأنه مرحلة جديدة من التوتر بين الرئيس ووسائل الإعلام التي يعتبرها هو وحلفاؤه "معادية" له.

ويوضح التقرير أن هذا التوجه يتناقض مع سلسلة من التسويات والتنازلات البارزة التي قدمتها كبرى المؤسسات الإعلامية خلال العام الأول من الولاية الثانية للرئيس ترمب.

إعلان

وتلفت "هيل" إلى أن ترمب رفع خلال العام الماضي دعاوى قضائية بصفته الشخصية ضد وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز وبي بي سي، كما هدد عدد من كبار مسؤولي إدارته أو أقاموا دعاوى ضد مؤسسات إعلامية أخرى.

لكن هذه المؤسسات تصدت -كما يوضح التقرير- بقوة لما وصفته بأنه دعاوى قضائية تفتقر إلى الأساس القانوني وتهدف إلى "التضييق على الصحافة المستقلة وترهيب الصحفيين".

بدورها، تقول ليزا زيكرمان، نائبة رئيس البرامج القانونية في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، إن ما يحدث قد لا يمثل تحولا في موقف المؤسسات الإعلامية بقدر ما يعكس إلزامها المدعين بإثبات "سوء النية الفعلي"، وهو معيار يوفر حماية قانونية قوية، مؤكدة أن تصدي هذه المؤسسات للدعاوى أمر مهم.

في المقابل، ينقل الموقع عن ترمب قوله إن الإدارة "لا تستهدف الصحفيين، بل مسربي المعلومات"، مضيفا أن الوصول إلى هؤلاء يتم من خلال الصحفيين أنفسهم.

ويختتم التقرير بالإشارة إلى وجود اختلاف في طريقة تعامل المؤسسات الإعلامية مع دعاوى ترمب، إذ يرى أستاذ الصحافة بجامعة ميريلاند مارك فيلدستين أن شبكات التلفزيون كانت دائما أكثر حذرا لأنها تخضع للترخيص من الحكومة الفدرالية، بينما تميل الصحف والمجلات والمنصات الرقمية إلى المواجهة، لأن هشاشة أوضاعها الاقتصادية تجعلها أقل قدرة على تحمُّل تسويات بملايين الدولارات.



إقرأ المزيد