السيادة أولا.. الرئيس حسن شيخ محمود يدافع عن الدولة لا الحكومة
الجزيرة.نت -

المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الصومالية.

Published On 3/8/2026

شارِكْ

في خضم الجدل الذي رافق البيان الختامي لقمة الدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال "أوصوم" (AUSSOM)، انشغل البعض بغياب عبارة "الدعوة إلى اتفاق سياسي" من مشروع البيان، بينما غاب السؤال الأهم: من يملك حق تقرير مستقبل الصومال؟

القضية ليست خلافا حول صياغة دبلوماسية أو حذف عبارة من بيان سياسي، بل تتعلق بمبدأ لا تقوم الدول بدونه: السيادة الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن موقف رئيس الجمهورية الدكتور حسن شيخ محمود لم يكن اعتراضا على الحوار أو رفضا للشراكة مع المجتمع الدولي، وإنما كان دفاعا عن الحد الفاصل بين الدعم الدولي المشروع، والتدخل في الشأن السياسي الداخلي.

لقد دفع الشعب الصومالي ثمنا باهظا لاستعادة دولته بعد عقود من الانهيار، وأعاد بناء مؤسساته وجيشه الوطني ورسخ نظامه الفدرالي. واليوم، بينما تواصل القوات المسلحة الصومالية، بدعم الأشقاء والأصدقاء، معركتها ضد الإرهاب، يصبح من الطبيعي أن تتمسك القيادة الصومالية بعدم توسيع مهام أي بعثة أمنية لتشمل قضايا سياسية ودستورية يحكمها الدستور الصومالي والإرادة الوطنية.

ويستند هذا الموقف إلى قواعد راسخة في القانون الدولي. فميثاق الأمم المتحدة يقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، كما يؤكد القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي احترام سيادة الدول الأعضاء ووحدتها الإقليمية واستقلالها السياسي. ومن ثم، فإن أي شراكة دولية لا تكتسب مشروعيتها إلا في حدود التفويض الممنوح لها وبموافقة الدولة المضيفة.

إن موقف رئيس الجمهورية الدكتور حسن شيخ محمود لم يكن اعتراضا على الحوار أو رفضا للشراكة مع المجتمع الدولي، وإنما كان دفاعا عن الحد الفاصل بين الدعم الدولي المشروع، والتدخل في الشأن السياسي الداخلي.

كما أن التفويض الممنوح لبعثة الاتحاد الأفريقي للدعم والاستقرار في الصومال، واضح ومحدد، ويتمثل في دعم الأمن والاستقرار، وتعزيز قدرات القوات الصومالية، والمساهمة في مكافحة الإرهاب؛ تمهيدا لانتقال المسؤولية الأمنية بصورة كاملة إلى المؤسسات الوطنية.

إعلان

ولم يمنح للبعثة أي تفويض لإدارة الحوار السياسي أو الإشراف على القضايا الدستورية، أو تنظيم العلاقة بين الحكومة الفدرالية والولايات الأعضاء؛ لأن هذه الملفات تدخل في صميم الاختصاص السيادي للدولة الصومالية.

ولا يعكس هذا الموقف رفضا للحوار السياسي، بل يؤكد أن الحوار ينبغي أن يكون صوماليا خالصا، تديره المؤسسات الدستورية، ويستند إلى الإرادة الوطنية، لا أن يطرح ضمن بيانات تصدر عن قمم أمنية أو اجتماعات مخصصة لمناقشة ترتيبات الدعم العسكري.

وتؤكد تجارب عديدة في أفريقيا وخارجها أن السلام المستدام لا يتحقق بتدويل الخلافات الداخلية، وإنما بتمكين المؤسسات الوطنية من إدارتها. فكلما اتسعت مساحة التدخل الخارجي في الملفات السياسية، تراجعت مسؤولية الفاعلين المحليين، وتعقدت فرص الوصول إلى حلول وطنية دائمة.

ومن الخطأ الخلط بين الإصلاح السياسي والتدخل الخارجي. فالإصلاح مسؤولية وطنية تقودها الدولة ومؤسساتها، أما رسم مساره من خارج الحدود فلا تقبله أي دولة تحرص على استقلال قرارها، مهما كانت طبيعة شراكاتها الأمنية.

ستستمر معركة القضاء على الإرهاب، كما سيستمر مشروع بناء الدولة. وبين هذين المسارين، تبقى السيادة الوطنية البوصلة التي توجه السياسة الصومالية، ورسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الصومال يرحب بكل دعم صادق، لكنه لن يقبل أن يكون مستقبله السياسي محل تفاوض خارج مؤسساته الدستورية

كما يؤكد المجتمع الدولي باستمرار أن الهدف النهائي من دعم الصومال هو تمكينه من تولي مسؤولياته الأمنية والسياسية كاملة. وإذا كان هذا هو الهدف، فإن احترام سيادة الدولة في إدارة شؤونها السياسية يمثل الخطوة الأولى نحو تحقيقه، لأن السيادة لا تتجزأ.

في قمة "أوصوم"، لم يكن الرئيس حسن شيخ محمود يدافع عن حكومة أو حزب، وإنما عن مبدأ سيبقى ثابتا مهما تعاقبت الحكومات وتغير الرؤساء، وهو أن القرار السياسي الصومالي يجب أن يصنعه الصوماليون وحدهم.

ويعتز الصومال بعلاقاته مع الاتحاد الأفريقي، ويقدر تضحيات الدول التي أسهمت في دعم الأمن والاستقرار، كما يثمن دعم شركائه الدوليين في مختلف المجالات. غير أن نجاح هذه الشراكة يظل مرهونا بالاحترام المتبادل، والالتزام بالتفويضات المتفق عليها، والإيمان بأن بناء الدولة لا يكتمل إلا عندما تصدر قراراتها من مؤسساتها الوطنية.

وستستمر معركة القضاء على الإرهاب، كما سيستمر مشروع بناء الدولة. وبين هذين المسارين، تبقى السيادة الوطنية البوصلة التي توجه السياسة الصومالية، ورسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الصومال يرحب بكل دعم صادق، لكنه لن يقبل أن يكون مستقبله السياسي محل تفاوض خارج مؤسساته الدستورية.

فهذا الوطن بناه شعبه بتضحياته، وسيحمي قراره بإرادته، وسيكتب مستقبله بنفسه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد