الجزيرة.نت - 8/2/2026 10:42:47 PM - GMT (+3 )
يستعرض الرئيس السوري أحمد الشرع في الجزء الثاني من “المقابلة” نشأته وتحولاته الفكرية وتجربته في العراق، وصولا إلى مواجهة داعش ورؤيته للانتقال من الفصائلية إلى الدولة والمؤسسات.
استعاد الرئيس السوري أحمد الشرع في الجزء الثاني من لقائه مع برنامج "المقابلة" محطات مفصلية من سيرته الشخصية والفكرية، رابطا بين نشأته في دمشق وتجربته في العراق ومسار الثورة السورية، ومعتبرا أن تراكم تلك التجارب قاده إلى مراجعات انتهت ببناء مشروع يقوم على الدولة والمؤسسات، لا على الفصائل أو الأيديولوجيات المغلقة.
وجاءت الحلقة الثانية بعدما حظي الجزء الأول بتفاعل واسع لما تضمنه من مواقف لافتة بشأن السياسة الخارجية والعلاقات الإقليمية. أما هذه المرة، فقد اختار الشرع العودة إلى البدايات، متتبعا مسار تشكل أفكاره منذ الطفولة، وصولا إلى التحولات التي قال إنها أعادت تعريف مفهوم "الواجب" لديه.
واستهل الشرع حديثه من حي المزة في دمشق، حيث أمضى سنوات طفولته، قائلا إن الانتماء يتشكل في المكان الذي ينشأ فيه الإنسان ويستقر، وإن تفاصيل الحي بقيت راسخة في ذاكرته، حتى إنه قصد منزله القديم في الليلة الأولى بعد دخوله العاصمة إثر سقوط النظام.
وأوضح أن أسرته عاشت في بيئة تهتم بالعلم والثقافة، فوالده درس الاقتصاد والعلوم السياسية، ووالدته عملت معلمة للجغرافيا وكانت تكتب الشعر، في حين شجعت الأسرة أبناءها على التحصيل العلمي، وهو ما انعكس -بحسب قوله- على تكوينه المبكر.
وأشار إلى أن جذور العائلة تعود إلى الجولان المحتل، وأن والده اضطر إلى النزوح بعد احتلاله عام 1967، معتبرا أن الهجرة من أقسى ما يواجه الإنسان، لأنها تقطع امتداد الأسرة التاريخي وتجبرها على إعادة بناء حياتها من الصفر، وهو مشهد قال إنه رآه يتكرر لاحقا مع السوريين خلال سنوات الحرب.
وأضاف أن قضية الجولان لم تكن مجرد ذكرى عائلية، بل حضرت يوميا في أحاديث والده عن الأرض والعودة، إلى جانب الحضور الدائم للقضية الفلسطينية في وجدان الأسرة، وهو ما ولّد لديه منذ سن مبكرة ارتباطا وثيقا بقضايا المنطقة وشعورا مبكرا بالمسؤولية تجاهها.
أسئلة التحولوأرجع الشرع بداية اهتمامه بالشأن العام إلى تساؤلات رافقته مع نهاية المرحلة الثانوية، تزامنت مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية وما شهدته المنطقة من حروب وأزمات، الأمر الذي دفعه -بحسب قوله- إلى البحث عن معنى الواجب ودور الفرد تجاه مجتمعه.
وأوضح أن البيئة القومية العربية التي نشأ فيها تركت أثرا في وعيه السياسي والأخلاقي، لكنها -بحسب تعبيره- لم تقدم إجابات عن الأسئلة التي شغلته، كما أن التجارب القومية والإسلامية القائمة حينئذ لم تحقق النتائج التي كانت تطمح إليها شعوب المنطقة.
وأضاف أنه بدأ رحلة مختلفة لفهم الدين، انطلقت من قراءة القرآن وتدبر معانيه بعيدا عن الانغلاق الحزبي، معتبرا أن الإسلام يحمل مبادئ تدعو إلى رفع الظلم وخدمة الناس، لكن تحويل اجتهادات بشرية إلى أفكار مقدسة قاد كثيرا من الحركات إلى الإخفاق.
وأكد الشرع أنه لم يلتزم لاحقا بالقوالب الفكرية التي تبنتها بعض الحركات الإسلامية، بل سعى مع الفريق الذي عمل معه إلى مراجعة الإرث التنظيمي والسياسي، وبناء رؤية مستقلة تراعي تغير الوقائع وتسارع الأحداث، بدلا من إعادة إنتاج أفكار كُتبت قبل عقود.
مراجعات مبكرةورأى أن التمسك الجامد بتجارب الماضي يحول دون الوصول إلى نتائج مختلفة، مشيرا إلى أن كثيرين تعاملوا مع اجتهادات بشرية كما لو كانت ثوابت دينية، وهو ما اعتبره أحد أسباب تعثر عدد من التجارب الإسلامية، مؤكدا أن التطوير والمراجعة ضرورة لأي مشروع يسعى إلى النجاح.
وفي سياق حديثه عن تلك المرحلة، استعاد الشرع ذكرياته مع مسجد الحي الذي بدأ التردد إليه مطلع الألفية، قائلا إن الطريق إليه كان يتحول يوميا إلى مساحة للتفكير في ما يجب عليه فعله تجاه سوريا والمنطقة، وهي الأسئلة التي قال إنها رسمت لاحقا مسار حياته وقراراته الكبرى.
دروس العراقواستعرض الشرع ظروف قراره التوجه إلى العراق مطلع عام 2003، موضحا أنه غادر سوريا قبل الغزو الأمريكي منفردا ومن دون تنسيق مع أي جهة، مدفوعا بقناعة بأن أداء "الواجب" يتطلب خوض تجربة ميدانية كاملة.
وأضاف أنه دخل العراق بجواز سفر نظامي، ولم تكن أسرته تعلم بقراره، إذ ترك لها رسالة قبل مغادرته، مشيرا إلى أن الواقع الذي وجده هناك كان أكثر تعقيدا مما توقع، مع تداخل الاحتلال والصراعات الداخلية والقبلية، الأمر الذي وسّع نظرته إلى طبيعة الأزمات في المنطقة.
وأوضح أن فترة السجن -التي امتدت نحو 5 سنوات- شكلت محطة حاسمة في مراجعاته الفكرية، إذ انصرف إلى القراءة والكتابة ودراسة التاريخ وتفسير القرآن والفلسفة، مؤكدا أنه استثمر تلك الفترة لإعادة تقييم كثير من الأفكار التي كانت سائدة داخل الأوساط الجهادية.
وفي معرض حديثه عن مراجعاته الفكرية، قال الشرع إن أداء بعض الجماعات المسلحة وسلوكها مع المدنيين أسهما في تنفير الناس منها، رغم رفعها شعارات الدفاع عنهم.
وكشف أنه استخدم داخل العراق هوية عراقية مستعارة باسم "أمجد مظفر حسين"، وهو الاسم نفسه الذي كان والده يستعيره خلال وجوده في بغداد، وبقي معروفا به طوال فترة اعتقاله، لافتا إلى أن تلك السنوات شهدت أيضا كتابة عشرات الأوراق والمراجعات التي أرست ملامح رؤيته اللاحقة.
وأكد الشرع أن أهم درس خرج به من التجربة العراقية تمثل في ضرورة عدم استنساخها داخل سوريا، مشيرا إلى أنه حمل معه منذ ذلك الوقت قناعة راسخة بأن لكل بلد خصوصيته، وأن إنقاذ سوريا يقتضي تجنب المستنقع العراقي، وبناء مشروع مختلف يقوم على الواقعية، لا على تكرار أخطاء الماضي.
نهج الدولةوانتقل الشرع إلى الحديث عن عودته إلى سوريا عام 2011، موضحا أنه دخل البلاد بعد 5 أشهر من اندلاع الثورة، ومكث في بدايتها متخفيا، قبل أن يبدأ الإعداد للعمل من الداخل، ثم الانتقال إلى المناطق الشرقية لتأمين متطلبات المرحلة الجديدة.
ورأى الشرع أن مسار الثورة السورية لم يكن خطا واحدا، بل ضم تيارات وأفكارا متعددة اجتمعت على هدف إسقاط النظام، قبل أن يفرض تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مسارا مختلفا قاد إلى صدام مباشر.
وأضاف أن قتال التنظيم كلّف المجموعة التي كان يقودها خسارة نحو 70% من قوتها، مؤكدا أن السلاح حين يُوجَّه إلى الداخل تكون كلفته أكبر بكثير، لكنه شدد على أن تلك المرحلة كانت ضرورية للحفاظ على مسار الثورة ومنع انحرافها عن أهدافها.
ورأى أن تجربة إدلب مثلت أول فرصة لتطبيق ما كان يؤمن به عمليا، إذ تحولت -بحسب وصفه- إلى نموذج مصغر لإدارة الدولة، عبر إنشاء مؤسسات مدنية وجامعات ومشروعات اقتصادية، وتوفير الأمن وفرص العمل، رغم أن أكثر من نصف سكان المحافظة كانوا من النازحين.
وأكد الشرع أن تلك التجربة حملت رسائل واضحة إلى الخارج بأن المشروع الذي يقوده لا يقوم على إدارة الحرب فحسب، بل على بناء مؤسسات قادرة على إدارة المجتمع، موضحا أن هدفه منذ ذلك الوقت كان الانتقال من منطق الفصائل إلى منطق الدولة.
واختتم الرئيس السوري حديثه بالتأكيد أن المرحلة الحالية تقوم على بناء دولة تحكمها المؤسسات والقانون، مع دمج الخبرات من مختلف المكونات السورية، وفتح الأبواب أمام الجميع للمشاركة في إعادة الإعمار، باعتبار أن بناء الدولة مسؤولية يشترك فيها جميع السوريين.
وفي هذا السياق، شدد على أن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، مؤكدا أن سوريا تحتاج إلى إصلاحات جريئة تتجاوز الحلول التقليدية، وصولا إلى نموذج وطني يستند إلى المواطنة وسيادة القانون.
إقرأ المزيد


