الجزيرة.نت - 8/2/2026 7:54:03 PM - GMT (+3 )
Published On 2/8/2026
بعد نحو 169 عاما من اكتشاف الكويكب "44 نيسا" (44 Nysa) عام 1857، نجح فريق دولي من علماء الفلك في الكشف عن طبيعته الحقيقية، ليصبح أول "كويكب ثلاثي الفصوص" يُعرف في النظام الشمسي.
ولم تتوقف المفاجأة عند هذا الحد، إذ أظهرت الأرصاد أيضا أن جسما صغيرا يدور حوله، في اكتشاف يمنح العلماء فرصة نادرة لفهم كيفية تشكل الكويكبات، وربما الظروف التي ساهمت في بناء الكواكب الصخرية، ومنها الأرض.
وجاء الاكتشاف بفضل تعاون بين مرصد "لويل" في ولاية أريزونا الأمريكية، والتلسكوب الثنائي الكبير في أريزونا، والمرصد الأوروبي الجنوبي الذي استخدم التلسكوب الكبير جدا في تشيلي. وقد نُشرت النتائج على منصة "أركايف"، وأُرسلت للمراجعة العلمية في مجلة "أسترونومي آند أستروفيزيكس".
صور غير مسبوقة تكشف بنية غريبةظل الكويكب "44 نيسا" لعقود طويلة مجرد نقطة ضوء في السماء، وحتى صور تلسكوب هابل الفضائي لم تكشف سوى احتمال كونه ثنائي الفصوص، وهو شكل معروف في عدد من الكويكبات والمذنبات.
لكن استخدام أحدث تقنيات التصوير عالية التباين، إلى جانب أنظمة البصريات التكيفية التي تعوض اضطرابات الغلاف الجوي، أتاح للعلماء الحصول على صور هي الأكثر وضوحا لهذا الجسم الصخري.
وتبين أن الكويكب يبلغ عرضه نحو 75 كيلومترا، ويتكون على الأرجح من 3 فصوص متصلة، تفصل بينها منطقتان منخفضتان تشبهان العنق، وهو تركيب لم يُشاهد من قبل في أي كويكب معروف.
وقالت الباحثة الرئيسية كيت مينكر من مرصد لويل: "تكشف الصور عن جسم غير مألوف بصورة استثنائية، والتفسير الأكثر ترجيحا هو أن نيسا يتألف من 3 مكونات متصلة، أو أنه جسم واحد شديد التشوه لا يشبه أي شيء رصدناه سابقا".
وأضاف الباحث أنتوني بيرديو من المرصد الأوروبي الجنوبي أن الفريق اضطر إلى تطوير تقنيات معالجة صور خاصة لإزالة الهالة الضوئية المحيطة بالكويكب، التي كانت قد تخفي أي أجسام صغيرة تدور حوله.
قمر صغير يزيد اللغز تعقيداولم يكن الشكل الغريب هو الاكتشاف الوحيد، إذ كشفت الصور وجود قمر صغير يبلغ قطره نحو كيلومتر واحد، يدور حول الكويكب على مسافة لا تقل عن 170 كيلومترا، وقد مُنح الاسم المؤقت "إس 2026" (S/2026 (44) 1). ورُصد هذا القمر خلال حملتي رصد مستقلتين، مما مكّن العلماء من متابعة حركته المدارية.
إعلان
وقال جيانلوكا لي كاوزي من المعهد الوطني الإيطالي للفيزياء الفلكية: "استعرنا تقنية متخصصة من مجال آخر في علم الفلك، تُعرف بالتصوير عالي التباين، لاكتشاف هذا القمر الصغير الذي كان ضوء الكويكب الساطع يطغى على لمعانه".
ويرى العلماء أن متابعة مدار هذا القمر ستكون مفتاحا لتحديد الكتلة الحقيقية للكويكب وكثافته، وهو ما قد يساعد في معرفة كيفية تشكله.
كيف نشأ هذا الجسم العجيب؟لا يزال أصل الكويكب موضع نقاش، لكن الباحثين يطرحون فرضيتين رئيسيتين: الأولى، وهي الأكثر ترجيحا، أن "نيسا" عبارة عن 3 أجسام صغيرة التحمت معا بفعل الجاذبية، مكونة جسما واحدا يعرف بالكويكب ثلاثي الفصوص.
والثانية أن الكويكب تعرض في الماضي البعيد لاقتراب شديد من جسم أكبر حجما، تسبب في تشويهه بفعل قوى المد والجزر، وربما مزقه إلى أجزاء أعادت الجاذبية تجميعها في الشكل الحالي.
لكن هذه الفرضية تواجه مشكلة، إذ إن مثل هذه الاصطدامات عادة ما تُنتج عائلة كاملة من الكويكبات ذات التركيب نفسه، بينما يبدو أن "نيسا" منفرد، باستثناء قمره الصغير. ويؤكد الباحثون أن قياس مدار القمر بدقة سيتيح اختبار أي الفرضيتين أقرب إلى الواقع.
نافذة على تاريخ الأرض والنظام الشمسييحظى "44 نيسا" باهتمام خاص لأنه ينتمي إلى الكويكبات من النوع "إي" (E)، وهي أجسام تتميز بسطح شديد الانعكاس وغني بمعدن الإنستاتيت، وهو سيليكات فقيرة بالحديد.
ويعتقد علماء الكواكب أن هذه الكويكبات تشكلت بالقرب من الشمس في بدايات النظام الشمسي، ولذلك تعد من أفضل المرشحات لتمثيل المواد الأولية التي ساهمت في بناء الكواكب الداخلية، ومنها الأرض.
ومن هنا، فإن فهم بنية هذا الكويكب وأصله لا يقتصر على دراسة جسم صخري بعيد، بل قد يساعد في إعادة رسم صورة المراحل الأولى التي تشكلت خلالها الكواكب قبل نحو 4.5 مليارات سنة.
وفي تعليق طريف، قال آل كونراد من مرصد التلسكوب الثنائي الكبير إن اسم "نيسا" مستمد من المكان الأسطوري الذي نشأ فيه الإله الإغريقي "ديونيسوس"، إله المسرح والأقنعة، مضيفا: "أخيرا نكشف الوجه الحقيقي لهذا الكويكب، بعد زمن طويل من اكتشافه".
إن مثل هذه الاكتشافات تؤكد أن الكون ما زال يحتفظ بأسرار كثيرة، وأن تطور أدوات الرصد والتحليل قادر على تغيير فهمنا لأجرام اعتقدنا أننا نعرفها منذ أكثر من قرن.
وكل كشف جديد لا يثري معرفتنا بتاريخ النظام الشمسي فحسب، بل يرسخ أيضا أهمية الاستثمار في البحث العلمي والاستكشاف، لأن الإجابات الكبرى عن أصل الأرض والحياة تبدأ أحيانا من صخرة صغيرة تدور بصمت بين المريخ والمشتري.
إقرأ المزيد


