تونس غاضبة والرئيس يغلق باب السياسة
الجزيرة.نت -

شهدت شوارع العاصمة التونسية، ومدن عديدة، احتجاجات وتظاهرات شعبية واسعة، ضد الأوضاع المعيشية المتردية، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، واستمرار منظومة الحكم الحالية، دون أي تغيير في الوضع التونسي منذ "انقلاب" الرئيس قيس سعيد على مسار الانتقال الديمقراطي في يوليو/تموز 2021، بدعم من أجهزة الدولة ومؤسساتها الصلبة.

ندد المحتجون الذين خرجوا في العاصمة التونسية (شارع الحبيب بورقيبة، وحي التضامن.)، وفي محافظات نابل وقبلي ومدنين وقابس وصفاقس والمنستير، وغيرها، بأزمة انقطاع الكهرباء في كامل البلاد لعدة أيام، وفقدان الماء في عدد من المحافظات، وفي الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة، كما طالب المتظاهرون بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، واحترام الحقوق والحريات العامة وحرية التنظيم، واستعادة قيم الجمهورية، التي نال من هيبتها الانقلاب، وحولها إلى حدث عابر، بل مأساوي وكارثي، وفق ما قال المحامي، سمير ديلو، رئيس هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين.

المظاهرة.. الحدث

وكانت مظاهرة العاصمة التونسية، الأوسع والأكثر ثقلا سياسيا وزخما شعبيا، وحضورا إعلاميا لافتا، مع خروج نحو 3 آلاف شخص لأول مرة منذ 25 يوليو/تموز 2021، من أطياف سياسية مختلفة ومتناقضة، رافعين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام". و"لا ضو. لا ماء، الحبس والغلاء".

كانت ساحة الثورة التونسية، وسط شارع الحبيب بورقيبة، على مقربة من وزارة الداخلية، تعج بالمحتجين، وبعائلات المعتقلين السياسيين، والمعارضين للرئيس سعيد، وعدد من الإعلاميين والمحامين ونشطاء المجتمع المدني، الذين صدرت بشأنهم أحكام مشددة، بلغ بعضها نحو 90 عاما، كما هو الحال بالنسبة للأستاذ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، ورئيس البرلمان الشرعي.

كانت هذه الاحتجاجات، تعبيرا من التونسيين عن نفاد صبرهم من منظومة الحكم الحالية، الجاثمة على صدورهم، منذ أكثر من خمس سنوات، بلا أي منجز سياسي أو اقتصادي أو تنموي أو ثقافي أو دبلوماسي، في حصيلة صفرية، يصفها المفكر التونسي، زهير إسماعيل بـ"نمط الدولة الفاشلة". وتساءلت بشأنها مواقع ألمانية وفرنسية وأمريكية وإيطالية، عن مدى شرعية استمرارها، في ظل الفشل المعوم على كامل القطاعات والمجالات.

إعلان

لم ينس المحتجون، وهم يهتفون أمام الكاميرات الأجنبية، التي حضرت لتسجيل حجم المعارضة للرئيس سعيد، لحظة إعلانه "الانقلاب" في 25 يوليو/تموز 2021، واضعا بواسطتها، بوصلة لحكم، كان الكثير منهم، توقع حصيلته السلبية بشكل مبكر.

كان خطاب قيس سعيد أمام مجلس الأمن القومي، تعبيرا جديدا عن "مشروع" من خارج الصندوق، أي من خارج أي هاجس حزبي أو سياسي، فكان حديثه أمام القوى الصلبة، تجسيدا لإرادة إعادة الهيمنة على السلطة، بتحالف موضوعي مع "الدولة العميقة"، التي وضعته هي الأخرى بين خيارين: إما الإقدام على خطوة الانقلاب لإنهاء مرحلة وتدشين وضع جديد، أو التنحي عن الحكم بصورة مبكرة.

جرى التنكيل بالمبلغين عن الفساد، رغم أن القانون التونسي يوفر الحماية لهم، لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه المبلغون، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تهم كيدية، أو قرارات خارج القانون، تحيلهم على الطرد النهائي من عملهم، ما جعل الإبلاغ عن الفساد، يتعطل، والفاسدين يتحركون في جميع الاتجاهات

فساد الشعبوية.. أو خراب البصرة

بدأ الرجل بإيقاف عمل "الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد"، وأغلق مقراتها في مختلف المحافظات. كانت الهيئة تمثل العمود الفقري في محاربة الفساد، عبر قوانين وآليات مضبوطة، وقد أحالت المئات من ملفات الفساد على القضاء، في إطار مهامها. لكن سعيد، أغلقها.

كما شكك في نزاهة "لجنة التحاليل المالية"، التابعة للبنك المركزي التونسي، والتي تنظر في سير الأموال القادمة من مصارف ومؤسسات مالية أجنبية، وتلك التي تعبر المؤسسات المالية التونسية، باتجاه الخارج.

رفضت اللجنة، المعروفة بصرامتها، وحرفية عملها، الانصياع لأوامر من أعلى هرم السلطة، وأصرت على عدم التعاطي مع ملفات (سواء سياسية أو لرجال أعمال نافذين)، إلا بموجب القانون، واللوائح المنظمة لأعمال اللجنة، فكان أن استبدل الرئيس تركيبتها على الفور، فمن لا يذعن لإرادته، مآله التغييب القسري في الفقه الرئاسوي الجديد.

وجرى التنكيل بالمبلغين عن الفساد، رغم أن القانون التونسي يوفر الحماية لهم، لكن الرياح جرت بما لا يشتهيه المبلغون، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة تهم كيدية، أو قرارات خارج القانون، تحيلهم على الطرد النهائي من عملهم، ما جعل الإبلاغ عن الفساد، يتعطل، والفاسدين يتحركون في جميع الاتجاهات.

كانت مظاهرة العاصمة التونسية، الأوسع والأكثر ثقلا سياسيا وزخما شعبيا، وحضورا إعلاميا لافتا، مع خروج نحو 3 آلاف شخص لأول مرة منذ 25 يوليو/تموز 2021، من أطياف سياسية مختلفة ومتناقضة، رافعين شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"

التنمية والبطالة: أمل سعيد.. والنكد المجتمعي

وعندما أخفق الرئيس سعيد في إنقاذ الاقتصاد، أيقظ الرجل مشاريع قديمة، نخرها السوس، على غرار "الشركات الأهلية"، التي أعرض عنها العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، نظرا لفشلها، وقصورها عن إيجاد مخارج حقيقية للبطالة وخلق الثروة.

فقد أطلق قيس سعيد مشروع "الشركات الأهلية"، لتغيير هيئة وبيئة فرص العمل في أوساط الشباب ولدى أصحاب الشهادات العليا، وخلق مؤسسات من خارج السياقات التقليدية، ومن دون اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وشروطه التي اعتبرها مجحفة، وماسة بالسيادة، وأنفق عليها مبلغا إجماليا يقدر بنحو 20 مليون دولار، بين سنوات 2023 و2025، لكنها عجزت عن تغيير معادلة التشغيل، ولم تحسن أرقام البطالة المتفاقمة في البلاد.

إعلان

لذلك، ظلت البطالة تراوح مكانها بنحو 15.2 % مع نهاية العام 2025، وفقا لبيانات المعهد الوطني للإحصاء (مؤسسة رسمية).

لكنّ الخبراء الاقتصاديين، يؤكدون أن هذه النسبة، ناتجة بالأساس عن استقطاب عديد البلدان الأوروبية، أعدادا كبيرة من الكفاءات التونسية، في القطاعات الطبية وشبه الطبية، والهندسة، والمعلوماتية، والإلكترونيك وميكانيكا السيارات، وغيرها، فضلا عن المهاجرين غير النظاميين، الذين تمكنوا من الاستقرار في بلدان أوروبية، رغم الحصار البحري المضروب عليهم من قبل السلطات التونسية، في إطار الاتفاقية مع إيطاليا، وبالتالي لا تعكس هذه النسبة، حقيقة أرقام البطالة المتفشية في البلاد.

ويتحدث الباحثون في سوسيولوجيا العمل في تونس، عن أن البطالة تضرب المجتمع في عمقه، وبين مختلف مستويات الأعمار والأجيال، بشكل غير مسبوق، إلى الحد الذي جعل حركات الاحتجاج، تركز في الآونة الأخيرة، على قضية التشغيل، والشباب المعطل، وأصحاب الشهادات العليا بلا وظائف.

على الصعيد التنموي، أثارت نسبة النمو المسجلة بنحو 3.2% خلال الربع الثاني من العام الجاري، مقارنة بالربع المقابل من السنة الماضية، استغرابا لدى خبراء اعتبر بعضهم أن هذا الانتعاش لا يعكس بالضرورة تحسنا هيكليا في الاقتصاد.

إذ لا تكفي هذه الأرقام لتأكيد عودة الاقتصاد إلى مسار التعافي. فرغم انتعاش قطاعات مثل الفوسفات والزراعة والبناء والسياحة، يرى بعض المحللين، أن ما تحقق هو "نمو وهمي" لم ينعكس على القدرة الشرائية، أو خلق فرص عمل لأصحاب الشهادات، وارتبط بعوامل ظرفية فقط، يضاف إلى ذلك، أن الاستهلاك الخاص لم يتحسن؛ نتيجة غلاء الأسعار، والارتفاع الكبير في ريع البنوك وخدماتها (القروض بالأساس)، خصوصا بعد إلغاء التعامل بالصكوك بدون أرصدة مالية في تونس.

ومع نسبة التضخم التي تراوحت خلال السنوت الست الماضية بين 7.9 و5.6%، وتدهور رواتب التونسيين، وتراجع مستوى عيش العائلات التي تصنف "تحت خط الفقر"، وارتفاع مبالغ فواتير الماء والكهرباء والغاز، بشكل لافت، تكون عملية النمو المجمدة، أو المؤجلة، قد زادت الوضع الاقتصادي والاجتماعي، صعوبة وتعقيدا.

وهكذا، التف حبل الفساد، وضيق الأفق الاقتصادي، وشعبوية الخيارات المحدودة والهامشية، على رقبة الهواجس التنموية، فازداد الفقراء بؤسا.

وبات المرء يرى في قلب الأحياء المترفة (فضلا عن الأحياء الشعبية)، بؤساء يجمعون فتات القمامة والقوارير البلاستيكية، في مشهد يعكس بونا شاسعا، بين الخطاب السياسي الذي يتحدث عن "التحرير الوطني"، فيما أرجل الشباب والكهول (نساء ورجالا)، غارقة في وحل الفقر والخصاصة والحرمان.

ولم يكن أحد من هؤلاء، يدري أنه بعد 70 عاما على استقلال البلاد، وفي غمرة الاحتفالات اليتيمة بعيد الجمهورية 25 يوليو/ تموز 2026، سيكون قوتهم اليومي، مستخرجا من أكياس القمامة، تحت أعين رجال الدولة وأعوانها وموظفيها، في مشهد سريالي حزين وكئيب، يؤكد فشل النموذج التنموي التونسي، وعجز القيادة الراهنة، على بناء تنمية تستجيب لتطلعات التونسيين.

تبدو البلاد اليوم أمام خطر التفريط في أصولها الإستراتيجية، من خلال الاتجاه إلى "تحويل الديون"، مقابل خصخصة مؤسسات عمومية حساسة أو قطاعات سيادية (الطاقة)، دون تفاوض متكافئ مع الدول الدائنة

التداين.. الحل الوهمي لنظام سعيد

وبدلا من البحث عن مخرج لمأزق "التنمية المعطلة"، دخل الرئيس التونسي في صراعات دونكشوتية مع المانحين الدوليين، خاصة صندوق النقد الدولي، تحت عنوان استرجاع هيبة الدولة وسيادة قرارها، لاعبا على وتر الحساسية التونسية إزاء الأجنبي.

وفي الحقيقة، كانت تلك مجرد مواقف كلامية مؤقتة، فبمجرد أن تم تشكيل البرلمان الجديد سنة 2023، اتخذ الرئيس التونسي من التداين، سياسة قائمة منذ انفراده بالحكم، وبات برلمانه، شبه متخصص في التصديق على القروض الأجنبية، من دول ومؤسسات إقليمية ومانحين دوليين، بما جعل نسبة الدين العام في تونس، ترتفع خلال عام 2026، إلى حوالي 83% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق توقعات الحكومة لنهاية العام الجاري، مقارنة بنحو 80.46% في سنة 2025.

إعلان

وهنا، يرفع بعض الخبراء "شارة الخطر"، معبرين عن عدم اطمئنانهم لهذه النسب؛ لأن الدولة أثناء احتساب الديون الخارجية، أبعدت المؤسسات العمومية من حسابات الخسارة، وهي المؤسسات المثقلة بالديون الخارجية منذ عقود (على غرار شركات الكهرباء والماء والفوسفات)، ما جعل عديد المحللين، حتى القريبين من السلطة، يشعرون بالحرج، إزاء سياسات التداين، التي عطلت نسبة النمو، وساهمت في الركود الاقتصادي، وجعلت الدولة تراهن على موارد ضعيفة (الضرائب بالأساس)، فيما آلة الإنتاج معطلة، وعملية خلق الثروة، مجمدة.

بل إن موازنة الدولة التونسية، لم تبلغ منذ استقلال البلاد في العام 1956، هذا المستوى من التداين، وكان ثمة "ضابط"، يجعل الديون مسيطرا عليها، تجنبا لأي هيمنة أجنبية، أو اختراق يمس السيادة الوطنية، لكن سعيد، اتجه إلى الخيار الأسوأ، لتغرق تونس في بركة من الديون الخارجية، بصورة غير مسبوقة، رغم حرص الدولة التونسية على تسديد الديون الخارجية، وهو سلوك معروف عنها منذ عقود طويلة.

ومع انسداد أفق التداين الخارجي، وحجم الانتقادات التي وجهها الخبراء من داخل النظام وخارجه لهذه السياسة، التي توصف بكونها "بلا أفق سياسي أو اقتصادي"، لجأ قيس سعيد إلى ما يسميه بـ"التعويل على الذات"، من خلال الاقتراض المحلي، حيث أعلنت الدولة، سعيها لجمع نحو 6.3 مليارات دولار من السوق المحلية، سيكون جزء كبير منها من البنك المركزي التونسي، والبقية من البنوك العمومية والخاصة، ما جعل اقتصاد البلاد يعاني خللا هيكليا لافتا، على اعتبار أن الاعتماد على الاقتراض الداخلي، سيزيد من هشاشة النظام المالي، ويحد من قدرة المؤسسات الاقتصادية على تمويل مشاريعها وتوفير فرص عمل لها.

وعكست موازنة العام الجاري (2026)، أرقاما مذهلة في مجال التداين، حيث يرتفع العجز إلى مستوى 3.8 مليارات دولار تقريبا، مقارنة بنحو 3.3 مليارات دولار سنة 2025.

وتبدو البلاد اليوم أمام خطر التفريط في أصولها الإستراتيجية، من خلال الاتجاه إلى "تحويل الديون"، مقابل خصخصة مؤسسات عمومية حساسة أو قطاعات سيادية (الطاقة)، دون تفاوض متكافئ مع الدول الدائنة.

وهو ما قد يحول الديون، إلى نفوذ اقتصادي دائم، بدل أن تكون أداة تنموية، ما يفقد الدولة سيطرتها على القرار الاقتصادي الوطني، ويمس السيادة الوطنية.

تونس اليوم، تغرق في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وقيمية عميقة لحكم فردي، اعتقد التونسيون أنهم أنهوه في يناير/كانون الثاني 2011، ليتحول لديهم إلى كابوس، عناوينه البارزة، كمية ضخمة من الأوهام، وحتى "النوايا السيئة"، ما خلق أزمة ثقة بين الرأي العام وقيس سعيد

مسار "الاستبداد السياسي"

وعندما تفرط دولة في مرتكزاتها الأساسية، ودعائم استقرارها، يتم النيل من سيادتها واستقلالية قرارها السيادي. والرئيس سعيد، برع على الصعيد السياسي، في التفريط في النموذج التونسي الذي قاد موجة من ثورات الربيع العربي، وباتت دول تخشى من "عدوى الثورة التونسية" عليها.

فقد اتخذ الرئيس التونسي، جملة من القرارات والخيارات، أهمها:

1- تجميد عمل البرلمان في العام 2021، ورفع الحصانة عن نوابه المنتخبين، من خلال ما عرف بـ"انقلاب يوليو 2021″.

2- إحداث تغيير جذري في النظام السياسي، باتجاه نظام رئاسوي، عبر الاستحواذ على جميع السلطات، التنفيذية والقضائية، و"إدارة" الشأن البرلماني من قصر قرطاج.

3- أقسم، بأنه سيحمي دستور 2014، الذي توافقت بشأنه كل القوى السياسية والجمعياتية والنقابية والدبلوماسية، وهو الدستور الذي صعد بواسطته إلى الحكم في 2019، لكنه استبدله بدستور جديد، كتبه بخط يده، في موقف لم يعرف له مثيل، حتى في أعتى الملكيات تاريخيا.

4- توقيف عجلة الانتقال الديمقراطي فجأة، بذرائع واهية، حيث سارعت ماكينة السلطة الجديدة، في نحت معالم مرحلة مغايرة، لكنها بدلا من مراجعة بعض الإجراءات والقوانين وبعض مضامين دستور 2014، وإدخال جرعة من الإصلاحات السياسية الضرورية، اختار نظام سعيد، الدخول في الاستبداد بشكل تدريجي، عبر موجة من الإيقافات وما استتبعها من محاكمات سياسية، شملت قيادات حزبية، ونشطاء، وشخصيات سياسية بارزة، وقضاة، وإعلاميين معارضين لسياسات سعيد، بتهم تراوحت بين "التآمر على أمن الدولة" وتكوين "وفاق إجرامي" و"الخيانة"، و"الفساد السياسي"، في محاولة لتغيير مكونات المشهد السياسي وشخوصه، واللاعبين على رقعته.

إعلان

5- ألغى سعيد المجلس الأعلى للقضاء، وجمد القضاة الشرفاء، وعمل طيلة سنوات الانقلاب بمقولة "القضاء وظيفة"، مكرسا ما يعرف بـ"قضاء التعليمات"، حيث تدار الملفات من غرف وزارة العدل، ويحكم بعض القضاة بأحكام جاهزة. ورغم أنه أعلن نيته تشكيل مجلس قضائي جديد، بشروط لا ديمقراطية، كما يقول خصومه، فإنه لم يفعل ذلك، ليظل القضاء تحت إمرة السلطة وأحكامها وحساباتها.

6- أعلن في نص دستوره المكتوب بيده، أنه سيشكل المحكمة الدستورية، لكي تلعب دورها في حال حدث شغور في الرئاسة، لكنه لم يحرك ساكنا إزاء هذه المحكمة منذ 6 سنوات، لتصبح البلاد في حالة ترقب، مع انتشار شائعات مرض رئيس الجمهورية، ودخوله المستشفى العسكري، دون صدور أي بلاغ رسمي من قصر قرطاج، أو من أي من مؤسسات الدولة المعروفة وصاحبة القرار.

7- تعميم القمع والقهر السياسي، الذي شمل رموز وزعماء المعارضة الديمقراطية، في مقدمتهم، الأستاذ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، والمحامي نجيب الشابي، رئيس "جبهة الخلاص"، اللذان بلغا من العمر عتيا (أكثر من 80 عاما)، إلى جانب القضاة ورجال الأعمال، والإعلاميين والمدونين ونشطاء المجتمع المدني، من الرجال والنساء، وتم تجميد أعمال منظمات حقوقية عريقة في تونس، على غرار رابطة حقوق الإنسان. في كلمة، تحولت البلاد إلى سجن كبير، وباتت الدولة طاردة لأبنائها، وفكرهم ومواقفهم.

8- على المستوى الدبلوماسي، تعيش البلاد عزلة إقليمية ودولية غير مسبوقة، بعد أن كانت تضطلع بالوساطة بين بعض الفرقاء في العالم العربي، وتلعب دورا مهما في تقريب الشقة بين بعض الأنظمة داخل البيت العربي (الجامعة العربية).

الخلاصة
بعد خمس سنوات على انقلاب سعيد، أثبتت جميع الوقائع، وفقا لمراقبين من الخارج قبل الداخل، أن الوعود التي رفعت باسم "التصحيح" و"الإنقاذ"، لم تجد طريقها إلى التنفيذ؛ لأن السياسات غائبة، وآليات الحكم الديمقراطي، عسيرة على الهضم من قبل الأطروحات الشعبوية، والحريات ليست مجالا للمساومة، والثورة لا تمحى بمجرد قرار سياسي، والأهم من ذلك، أن تطلعات الشعوب، لا يمكن أن تدفن، في تربة غريبة، على غرار الشعبوية الهشة والرثة، فكرا وممارسة وأفقا سياسيا.

تونس اليوم، تغرق في أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وقيمية عميقة لحكم فردي، اعتقد التونسيون أنهم أنهوه في يناير/كانون الثاني 2011، ليتحول لديهم إلى كابوس، عناوينه البارزة، كمية ضخمة من الأوهام، وحتى "النوايا السيئة"، ما خلق أزمة ثقة بين الرأي العام وقيس سعيد، وهو ما يفسر تنامي الاحتجاجات في مناطق عدة من البلاد، ومنها احتجاجات الأيام القليلة الماضية.

فهل تمهد هذه الاحتجاجات، التي كانت متابعة بشكل واضح من أجهزة بلدان صديقة وشقيقة لتونس، على غرار فرنسا وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية والجزائر، لتغيير في البلاد؟ وكيف ستكون اتجاهات هذا التغيير؟

بالتأكيد، لن يكون التغيير إلا تونسيا، ما عدا ذلك، تفاصيل ومخرجات لا دخل للأصدقاء ولا الأشقاء فيها على وجه الإطلاق. وتلك حقائق التغيير في تونس تاريخيا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد