الجزيرة.نت - 8/1/2026 9:31:59 PM - GMT (+3 )
الخرطوم- بعد نحو 12 عاما من إصدار مذكرة توقيف بحقه، أنهت المحكمة الجنائية الدولية، يوم 23 يوليو/تموز الماضي، الإجراءات القضائية ضد مستشار رئيس "حركة العدل والمساواة" السودانية عبد الله بندة أبكر، في خطوة قد تفتح الباب أمام مراجعة قضايا أخرى مرتبطة بالسودان، حسب مراقبين.
ويحمل القرار-وفق محللين- دلالات تتجاوز قضية بندة، إذ يعكس الصعوبات التي واجهتها المحكمة في التحقيق في جرائم إقليم دارفور، خاصة مع مرور الزمن، ووفاة بعض الشهود، وتعذر الوصول إلى آخرين، واستمرار النزاع المسلح الذي أثر في جمع الأدلة وحماية الشهود.
كما يأتي بينما لا تزال المحكمة تتابع ملفات أخرى مرتبطة بدارفور، أبرزها القضايا المرفوعة ضد الرئيس السابق عمر البشير منذ عام 2009، ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، ووزير الدولة للداخلية السابق أحمد هارون.
ملفات جديدة
ولا تزال المحكمة تحقق في ملف إبادة وجرائم حرب وقعت في مدينتي الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور في يونيو/حزيران 2023 والفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، حيث قُتل فيهما عشرات الآلاف من المدنيين وتتهم الحكومة السودانية ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالوقوف وراءها.
ودخل ملف السودان إلى المحكمة الجنائية الدولية مطلع أبريل/نيسان 2005 عندما تبنى مجلس الأمن الدولي قرارا فرنسيا يقضي بإحالة مرتكبي التجاوزات بإقليم دارفور إلى المحكمة.
وبعد أكثر من 12 عاما من الإفلات من الاعتقال، قضت المحكمة في ديسمبر/كانون الأول الماضي بالسجن 20 عاما ضد محمد علي عبد الرحمن المعروف بـ"علي كوشيب" بعدما سلم نفسه لها عام 2020، ويبقى حتى الآن الشخص الوحيد الذي أدين في إحدى القضايا الرئيسية المتعلقة بجرائم دارفور.
وأصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق بندة في سبتمبر/أيلول 2014 بتهم تتعلق بجرائم حرب ارتُكبت خلال هجوم شنته جماعات مسلحة على قوات حفظ السلام الأممية الأفريقية المشتركة في إقليم دارفور، وأسفر الهجوم، الذي وقع في 29 سبتمبر/أيلول 2007، عن مقتل 12 جنديا وإصابة 8 آخرين.
إعلان
وخلصت دائرة في المحكمة إلى أن الادعاء لم يُثبت أن الأدلة المؤيدة للتهم المؤكدة تدهورت إلى حد لا يمكن معه إحالة القضية إلى المحاكمة.
ويرى الخبير القانوني نبيل أديب أن القضايا المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في القوانين الوطنية أو القانون الدولي الإنساني، يُفسر فيها الشك لصالح المتهم.
وقال للجزيرة نت إن التحقيق في القضايا الجنائية مكلف ماليا ويأخذ وقتا طويلا، ولا يتجه مدعي المحكمة إلى تقديم ملف القضية إلا في حال توافر أدلة قوية وشهود إلى المحكمة.
وعن تأثير إغلاق ملف قضية عبد الله بندة على بقية القضايا الأخرى المرتبطة بجرائم دارفور، أوضح أديب أن كل قضية تُنظر منفردة، وتُقيّم البينات والأدلة بشكل منفصل، ولكن هناك عوامل قد تؤثر في القضية خاصة مع مرور الزمن ووفاة بعض الشهود، وتعذر الوصول إلى آخرين بسبب تغيير مواقع إقامتهم، واستمرار النزاع المسلح الذي يؤثر في جمع الأدلة وحماية الشهود.
ويرى أن الجنائية الدولية ليست مسيسة، لكن بعض زعماء الدول يتهمونها بذلك أو ينسحبون منها أو يرفضون التعامل معها، لأنهم على رأس أنظمة شمولية ويخشون أن تحقق في قضايا مرتبطة بدولهم وتلاحقهم قانونيا لتوقيفهم ومحاكمتهم.
أما محمد الحسن الأمين عضو هيئة الدفاع عن عمر البشير، فقال للجزيرة نت إن قضية البشير تختلف عن ملف بندة باعتبار أن الأخير "كان ينتمي لحركة معارضة عندما اتُهم، والآن باتت الحركة جزءا من السلطة، لذا تعطيل الإجراءات في مواجهته يأتي من منظور آخر".
وأكد أن قضية البشير "سياسية لا جنائية؛ إذ إنه كان يتولى مسؤولية عامة، وقد تُرتكب أفعال من أجهزة وجهات رسمية لا يعلم عنها شيئا، وتقارير تلك الجهات لا ترفع إليه وإنما للمسؤول المباشر، وقد تخطئ تلك الأجهزة، ولكن مسؤولية أفعالها لا تقع على رأس الدولة، مما يسقط عنه القصد الجنائي".
ووفقا للمحامي، فإن المتضررين والشهود، "سواء أكانوا صادقين أو مزيفين، كانوا خلال مرحلة حرب دارفور الأولى من الحركات المسلحة المتمردة، وصاروا حاليا جزءا من الحكومة، والعكس صحيح، إذ إن المجموعات التي كانت تقاتل إلى جانب السلطة في عهد البشير أصبحت تحمل السلاح ضد الدولة حاليا، وارتكبت جرائم وانتهاكات لا يمكن مقارنتها بما يحدث في الحرب الجارية منذ عام 2023".
وأضاف أن الجنائية الدولية "ليست نزيهة وتستجيب للتدخلات السياسية، وما يصدر عنها لا يمثل القانون، وكانت تستهدف البشير عندما كان في السلطة لإخراجه منها، ولم تعد لديها الرغبة والحرص على ملاحقته بعدما غادرها".
توظيف العدالةوبعد التغيير الذي شهده السودان والإطاحة بنظام البشير في أبريل/نيسان 2019، وجدت الحكومة الانتقالية نفسها أمام التزام بشأن التجاوب مع مقتضيات القانون الدولي والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وزارت الخرطوم المدعية السابقة للمحكمة فاتو بنسودا والمدعي المعزول كريم أحمد خان.
ووقعت المحكمة الجنائية في أغسطس/آب 2021 مذكرة تعاون مع حكومة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك قبل شهرين من الإطاحة به ثم استقالته.
إعلان
وأقر اتفاق جوبا للسلام، الموقع بين حكومة حمدوك والحركات المسلحة في أكتوبر/تشرين الأول 2020، مثول المطلوبين للمحكمة الجنائية، وصار الاتفاق جزءا من الوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد.
ويعتقد خبراء قانونيون أن المثول أمام المحكمة لا يعني نقل المطلوبين إلى مقرها في لاهاي فقط، لأن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يتيح لها تشكيل محاكم مختلطة من قضاة دوليين ووطنيين في الدولة التي يوجد فيها المتهمون أو خارجها، أو التفاوض على شكل معين لمحاكمة المطلوبين بمقتضى قانونها.
وكانت الحكومة التشادية قد أخطرت الأمانة العامة للأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، بقرارها الانسحاب من نظام روما الأساسي والجنائية الدولية.
وعرضت نجامينا القرار بوصفه "نتيجة دراسة معمقة لعمل" المحكمة، وأوردت في بيانها أن 9 من أصل 13 تحقيقا فتحتها المحكمة منذ دخول نظامها حيز التنفيذ "تتعلق بدول أفريقية"، وأن 6 من المحتجزين السبعة لديها موقوفون "في قضايا أفريقية".
وخلصت إلى وجود ما عدّته "تركيزا دائما للنشاط القضائي للمحكمة على الجنوب العالمي والقارة الأفريقية على وجه الخصوص"، منددة بـ"توظيف سياسي لها" يبرر الانسحاب.
وسبقت تشاد إلى ذلك فنزويلا التي أعلنت أيضا انسحابها الجمعة الماضية، متهمة المحكمة بـ"الانحياز"، وقبلها بوركينا فاسو ومالي والنيجر التي أعلنت انسحابها المشترك في سبتمبر/أيلول 2025 متهمة المحكمة بما سمتها "عدالة انتقائية".
إقرأ المزيد


