الجزيرة.نت - 8/1/2026 7:27:24 PM - GMT (+3 )
Published On 1/8/2026
لم تعد المنافسة التقنية بين الولايات المتحدة والصين مقتصرة على أشباه الموصلات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي، بل امتدت إلى قطاع جديد قد يشكل أحد أعمدة الاقتصاد والصناعة خلال العقود المقبلة، هو الروبوتات المتقدمة.
فمع تصاعد سباق تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات رباعية الأرجل، قررت واشنطن فرض قيود جديدة على دخول بعض هذه الأجهزة المصنعة في الصين إلى السوق الأمريكية، في خطوة تعكس تنامي المخاوف من استخدام التقنيات الذكية في التجسس أو جمع البيانات أو التأثير في البنية التحتية الرقمية.
شهد قطاع الروبوتات خلال الأعوام الأخيرة تحولا كبيرا، فلم تعد الروبوتات مقتصرة على خطوط الإنتاج الصناعية، بل أصبحت قادرة على الحركة المستقلة والتفاعل مع البشر وتحليل البيئة المحيطة بفضل تطور الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار المتقدمة.
وتُعد الروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات رباعية الأرجل من أكثر المجالات التي تشهد منافسة عالمية، إذ تعمل شركات صينية -مثل يونيتري روبوتيكس وغيرها- على تطوير نماذج منخفضة التكلفة قادرة على المشي وتسلق العوائق وتنفيذ مهام متعددة في المصانع والمختبرات وحتى الاستخدامات الأمنية.
ووفقا لتقارير صادرة عن مؤسسات بحثية في قطاع الروبوتات، أصبحت الصين واحدة من أكبر الأسواق العالمية للروبوتات الصناعية، كما تعمل الحكومة الصينية ضمن خططها الصناعية على تعزيز مكانتها في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي بوصفهما تقنيات إستراتيجية للمستقبل.
لماذا حظرت واشنطن هذه الروبوتات؟تقول لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية إن القرار يأتي ضمن جهودها للحد من الأخطار المرتبطة بالأجهزة المتصلة بالإنترنت التي يمكن أن تشكل تهديدا للأمن القومي.
إعلان
وبحسب تقارير إعلامية، فإن السلطات الأمريكية ترى أن الروبوتات الحديثة ليست مجرد أجهزة ميكانيكية، بل منصات تجمع كميات كبيرة من البيانات عبر الكاميرات والميكروفونات وأجهزة تحديد المواقع وأجهزة الاستشعار المختلفة، مما يثير مخاوف من إمكان استغلالها في جمع معلومات حساسة.
وأوضحت واشنطن -في قرارات سابقة مشابهة تخص معدات الاتصالات والطائرات المسيّرة– أن الأجهزة المرتبطة بشركات صينية قد تمثل خطرا إذا كانت قادرة على إرسال البيانات أو استقبال أوامر خارجية عبر الإنترنت.
مخاوف من التجسس والسيطرة عن بُعدأحد أبرز أسباب القلق الأمريكي هو احتمال تعرض هذه الروبوتات للاختراق أو استخدامها وسيلة لجمع المعلومات داخل المنازل أو المؤسسات أو المنشآت الصناعية.
فالروبوتات الشبيهة بالبشر تعتمد على مجموعة واسعة من التقنيات، تشمل الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية والاتصال اللاسلكي والخدمات السحابية، وهذا يجعلها وفق مسؤولين أمريكيين جزءا من منظومة الأجهزة الذكية التي تحتاج إلى حماية أمنية مشابهة للهواتف والحواسيب وأنظمة إنترنت الأشياء.
وأشارت تقارير أمنية إلى وجود ثغرات سابقة في بعض الروبوتات الصينية، من بينها منتجات لشركة يونيتري سمحت باكتشاف إمكان الوصول غير المصرح به إلى بعض الأنظمة، مما عزز النقاش بشأن ضرورة وضع قيود أمنية على هذه الأجهزة.
امتداد لمعركة التكنولوجيا بين واشنطن وبكينيأتي القرار في سياق أوسع من التوتر التقني بين البلدين، فمنذ أعوام فرضت الولايات المتحدة قيودا على تصدير تقنيات متقدمة مثل رقائق الذكاء الاصطناعي ومعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الصين، بحجة منع استخدام هذه التقنيات في تطبيقات عسكرية أو تهديدات أمنية.
ويرى محللون أن الروبوتات تمثل المرحلة التالية من هذا الصراع، لأنها تجمع بين تقنيات حساسة عدة، هي الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاستشعار والاتصالات المتقدمة والقدرات الذاتية.
وقالت تقارير لوكالة رويترز إن إدارة الرئيس الأمريكي والجهات التنظيمية تنظر إلى بعض التقنيات الصينية بوصفها جزءا من تحديات أوسع تتعلق بسلاسل التوريد والأمن القومي، خصوصا مع تزايد الاعتماد العالمي على الأنظمة الذكية.
الصين في قلب سباق الروبوتات العالميفي المقابل، تسعى الصين إلى تعزيز ريادتها في مجال الروبوتات عبر دعم الشركات المحلية والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي.
وتَعُد بكين الروبوتات الشبيهة بالبشر قطاعا إستراتيجيا، إذ أعلنت وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصينية خططا لتطوير هذا المجال وتسريع الإنتاج التجاري لهذه الروبوتات، بهدف استخدامها في الصناعة والخدمات والرعاية الصحية.
ويرى خبراء أن الصين تمتلك ميزة مهمة تتمثل في قدرتها التصنيعية وسلاسل الإمداد الواسعة، مما يسمح للشركات الصينية بإنتاج روبوتات بتكاليف أقل مقارنة ببعض المنافسين الغربيين.
هل يؤثر الحظر في سوق الروبوتات؟رغم أن القرار يستهدف المنتجات الجديدة، فإنه قد يترك تأثيرا في الشركات الأمريكية والباحثين الذين يعتمدون على الروبوتات الصينية بسبب انخفاض أسعارها وتوفرها مقارنة بالبدائل الغربية.
ويحذر بعض رواد الأعمال والباحثين من أن القيود الواسعة قد تؤدي إلى إبطاء الابتكار، خصوصا أن تطوير الروبوتات يحتاج إلى تجارب واسعة وتكامل بين العتاد والبرمجيات والذكاء الاصطناعي.
إعلان
في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن تكلفة الأخطار الأمنية المحتملة أكبر من فوائد الاعتماد على أجهزة قد لا تكون خاضعة لمعايير أمنية موثوقة.
يمثل قرار واشنطن محطة جديدة في سباق السيطرة على تقنيات المستقبل، فكما أصبحت الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي عناصر أساسية في المنافسة بين القوى الكبرى، قد تصبح الروبوتات المستقلة الساحة القادمة للصراع.
ومع اقتراب دخول الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى المصانع والمنازل والخدمات، ستزداد الأسئلة بشأن الأمن والخصوصية والسيادة التقنية. وبينما تسعى الصين إلى قيادة هذا القطاع عبر التصنيع الواسع النطاق، تحاول الولايات المتحدة تقليل الأخطار وتعزيز صناعة روبوتات محلية أكثر أمانا.
وهكذا لم تعد الروبوتات مجرد أدوات للمساعدة والعمل، بل تحولت إلى ورقة إستراتيجية في حرب التكنولوجيا بين واشنطن وبكين.
إقرأ المزيد


