الجزيرة.نت - 8/1/2026 7:27:19 PM - GMT (+3 )
حذرت رابطة منتجي الأرشيف السينمائي (Archival Producers Alliance) من أن الاندماج المقترح بين "باراماونت سكايدانس" و"وارنر برذرز ديسكفري" قد لا يغيّر فقط خريطة صناعة الترفيه العالمية، بل يهدد أيضا حرية الوصول إلى بعض أكبر الأرشيفات الإخبارية في العالم، وهي المواد التي يعتمد عليها صناع الأفلام الوثائقية والبرامج التاريخية والصحفيون الاستقصائيون في توثيق الأحداث وإعادة سردها.
وفقا لوكالة "رويترز"، وجهت الرابطة، التي تضم أكثر من 650 باحثا ومتخصصا في ترخيص المواد الأرشيفية في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، خطابا إلى وزيرة الثقافة البريطانية ليزا ناندي، طالبتها فيه بالتدخل رسميا وإخضاع الصفقة لتحقيق موسع، مع فرض التزامات قانونية تضمن استمرار إتاحة الأرشيفات التاريخية لجميع المنتجين بشروط عادلة وغير تمييزية.
وتضيف هذه الخطوة بعدا جديدا إلى الاعتراضات التي رافقت الصفقة منذ الإعلان عنها، إذ انتقلت المخاوف من تأثيرها المحتمل في المنافسة وأسواق البث إلى قضية أقل ظهورا لكنها تمس جوهر صناعة الأفلام الوثائقية، وهي ملكية الأرشيفات الإخبارية التي توثق الحروب والثورات والانتخابات والكوارث والأحداث المفصلية في التاريخ الحديث.
وترى الرابطة أن جمع هذه المواد تحت إدارة شركة واحدة يمنح المالك الجديد نفوذا غير مسبوق في التحكم في الوصول إلى ذاكرة بصرية يعتمد عليها آلاف المنتجين والباحثين حول العالم، خصوصا إذا أصبحت قرارات الترخيص مرتبطة باعتبارات تجارية أو تحريرية أو سياسية.
وتستند المخاوف إلى أن الاندماج سيضع للمرة الأولى أرشيفي شبكتي "سي إن إن" (CNN) و"سي بي إس نيوز" (CBS News) تحت ملكية واحدة. ويضم أرشيف "سي إن إن"، المملوك حاليا لـ"وارنر برذرز ديسكفري"، أكثر من أربعة ملايين مادة إخبارية توثق نحو 45 عاما من الأحداث الدولية، بدءا من الحروب والنزاعات، مرورا بالانتخابات والأزمات الاقتصادية، وصولا إلى الكوارث الطبيعية والتحولات السياسية الكبرى.
أما أرشيف "سي بي إس نيوز"، التابع لـ"باراماونت"، فيمتد لأكثر من 85 عاما، ويضم تسجيلات تاريخية ومشاهد لم تُبثّ سابقا، إضافة إلى واحدة من أقدم المكتبات التلفزيونية في الولايات المتحدة. وترى الرابطة أن الجمع بين هذين الأرشيفين داخل كيان واحد سيخلق مركزا احتكاريا يتحكم في جزء كبير من المواد الإخبارية المتاحة تجاريا. وفي رسالتها إلى الحكومة البريطانية، حذرت الرابطة من أن صناع الوثائقيات قد يجدون أنفسهم أمام جهة واحدة تملك حق منح تراخيص استخدام المقاطع التاريخية أو رفضها.
إعلان
وأضافت أن رفض ترخيص مادة معينة بسبب مضمون الفيلم أو معالجته السياسية أو التحريرية قد يجعل من المستحيل عمليا إنجاز بعض الأعمال، لأن كثيرا من الأحداث التاريخية لا تملك توثيقا بديلا خارج تلك الأرشيفات. واستشهدت الرابطة بحالة سابقة رُفِض فيها منح ترخيص لاستخدام لقطات حربية سبق أن أتيحت في أعمال أخرى، بسبب اختلاف السياق التحريري للفيلم الجديد، معتبرة أن الصفقة قد تجعل مثل هذه الحالات أكثر شيوعا.
مراجعة حكومية تتجاوز المنافسةوتأتي هذه المطالب بينما تواصل الحكومة البريطانية مراجعة الصفقة بموجب قانون المؤسسات لعام 2002، بعد أن أعلنت وزيرة الثقافة ليزا ناندي أنها تميل إلى إصدار إشعار تدخل للمصلحة العامة (Public Interest Intervention Notice)، بسبب مخاوف تتعلق بتعددية وسائل الإعلام، في وقت بدأت فيه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) المرحلة الأولى من التحقيق، التي تنتهي في 7 أغسطس/آب، لتقرر بعدها إما الموافقة على الصفقة أو إحالتها إلى تحقيق أعمق.
ولا تقتصر المراجعة البريطانية على مسألة الأرشيفات، بل تشمل أيضا تأثير الاندماج المحتمل في التعددية الإعلامية، واستمرار الخدمات الإخبارية الدولية، وبرامج الأطفال، وخدمات البث الرقمي، والاستثمارات الإنتاجية داخل المملكة المتحدة.
ويرى منتجو الوثائقيات أن قيمة الأرشيفات الإخبارية تتجاوز كونها مواد محفوظة للبيع، إذ تمثل البنية الأساسية التي تُبنى عليها مئات الأفلام الوثائقية سنويا. فكلما زادت صعوبة الوصول إلى تلك اللقطات، ارتفعت تكاليف الإنتاج، وتقلصت قدرة المنتجين المستقلين على إنجاز أعمال تتناول التاريخ والسياسة وحقوق الإنسان، وهو ما قد ينعكس في النهاية على تنوع السرديات المتاحة للجمهور.
كما يحذرون من أن تركيز هذه الأصول في يد شركة واحدة قد يمنحها، عمليا، سلطة تقرير أي الروايات التاريخية يمكن إعادة استخدامها وأيها يظل حبيس الأرشيف، حتى لو لم يكن ذلك هدفا معلنا للصفقة.
ولم تعلق "باراماونت" على خطاب الرابطة، فيما لم يصدر عن "وارنر برذرز ديسكفري" رد رسمي بشأن هذه المخاوف حتى الآن، بينما تستمر الجهات التنظيمية في بريطانيا في مراجعة واحدة من أكبر صفقات الإعلام والترفيه في السنوات الأخيرة.
جدل مبكرشهدت الصفقة المقترحة بين "باراماونت سكايدانس" (Paramount Skydance) و"وارنر برذرز ديسكفري" (Warner Bros. Discovery) سلسلة متلاحقة من التطورات التنظيمية والقضائية منذ الإعلان عنها في فبراير/شباط 2026، لتتحول إلى واحدة من أكثر صفقات الإعلام والترفيه إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
وتبلغ قيمة الصفقة نحو 110 مليارات دولار، وتهدف إلى إنشاء كيان إعلامي يجمع تحت مظلته استوديوهات سينمائية كبرى، ومنصات بث مثل "ماكس" (Max) و"باراماونت+" (Paramount+)، وشبكات إخبارية بينها "سي إن إن" (CNN) و"سي بي إس نيوز" (CBS News)، إلى جانب مكتبات ضخمة من الأفلام والمسلسلات والحقوق الرياضية.
ورغم حصول الصفقة خلال الأشهر الماضية على موافقات تنظيمية في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدد من الأسواق الدولية، فإنها ما تزال تواجه عقبات مهمة، أبرزها المراجعة الجارية في المملكة المتحدة، حيث أعلنت وزيرة الثقافة ليزا ناندي أنها تميل إلى إصدار إشعار تدخل للمصلحة العامة بسبب مخاوف تتعلق بتعددية وسائل الإعلام، بينما تواصل هيئة المنافسة والأسواق البريطانية (CMA) تحقيقها في المرحلة الأولى، على أن تعلن قرارها بحلول 7 أغسطس/آب الجاري بشأن الموافقة على الصفقة أو إحالتها إلى تحقيق أعمق.
إعلان
وفي الولايات المتحدة، أوقفت محكمة اتحادية مؤقتا إتمام الصفقة بعد دعاوى رفعتها ولايات أمريكية ونقابة كتاب السيناريو، بحجة أنها قد تقلص المنافسة في قطاعي السينما والتلفزيون، وهو ما أضاف بعدا قضائيا إلى الضغوط التنظيمية المتزايدة.
وفي هذا السياق، جاءت تحذيرات رابطة منتجي الأرشيف السينمائي لتضيف محورا جديدا إلى الجدل، يتمثل في المخاوف من احتكار الوصول إلى الأرشيفات الإخبارية التاريخية، بعد أن انصبت الاعتراضات السابقة على قضايا المنافسة، والتعددية الإعلامية، ومستقبل خدمات الأخبار والبث الرقمي.
إقرأ المزيد


