الجزيرة.نت - 8/1/2026 4:43:59 PM - GMT (+3 )
Published On 1/8/2026
تثير التحولات المرتبطة بمضيق هرمز جدلا يتجاوز مستقبل الملاحة في الخليج إلى قواعد الملاحة العالمية، بعدما أعادت مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران النقاش بشأن حدود إدارة المضايق الدولية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تفسير جديد إلى تغيير موازين السيطرة على أهم الممرات البحرية.
ولا يقتصر الجدل على مضيق هرمز بوصفه ممرا حيويا للطاقة، بل يمتد إلى مخاوف قانونية وإستراتيجية من أن تتحول الممرات البحرية إلى أدوات نفوذ سياسي واقتصادي، بما ينعكس على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، ويعيد رسم موازين القوة في البحار.
وتبرز هذه المخاوف في وقت يعتمد فيه العالم بصورة رئيسية على النقل البحري، الذي ينقل أكثر من 80% من السلع المتداولة عالميا، مما يجعل أي اضطراب في نقاط الاختناق البحرية ينعكس سريعا على تكاليف الشحن والتأمين وحركة الأسواق.
وفي هذا السياق، حذر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام من أن أي تسوية تمنح إيران حق فرض رسوم أو قيود دائمة على الملاحة في مضيق هرمز قد تؤسس لسابقة تشجع دولا أخرى على إخضاع الممرات الدولية لاعتبارات سياسية وأمنية.
وتشير قراءة جيوسياسية -أعدتها وحدة البيانات في الجزيرة- إلى أن مضيق هرمز يتصدر قائمة أكثر نقاط الاختناق حساسية، إذ كان يعبره قبل الحرب نحو خُمس استهلاك العالم من النفط ومشتقاته، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، مما يجعله مؤشرا رئيسيا لاستقرار أسواق الطاقة.
ولا تتوقف أهمية الممرات البحرية عند هرمز، إذ تشمل باب المندب وبحر الصين الجنوبي والمضايق الدانماركية ومضيق جبل طارق، وهي جميعا باتت تمثل ساحات تتداخل فيها اعتبارات التجارة والطاقة والأمن والمنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى.
غموض قانونيوعبر نافذة تحليلية بالجزيرة، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني إن الجدل يعود إلى الغموض الذي اكتنف البند الخامس من مذكرة التفاهم، موضحا أنه لم يمنح إيران صلاحيات جديدة صراحة، لكنه أتاح تفسيرات متباينة لإدارة حركة العبور في المضيق.
إعلان
ويضيف جوني أن إيران استندت إلى هذا الغموض لتعتبر أن مسؤوليتها عن تأمين الملاحة تمنحها أيضا حق تنظيم مسارات العبور وتحديدها، وهو تفسير أضفى بعدا إستراتيجيا جديدا على دورها في المضيق، وأثار خلافا مع القراءة الأمريكية والدولية للمذكرة.
كما يرى أن البند الذي ينص على ضمان العبور لمدة 60 يوما من دون رسوم، فتح باب التأويل بشأن المرحلة اللاحقة، إذ فُهم داخل إيران بأن مسألة فرض الرسوم ستبقى مطروحة في المفاوضات اللاحقة، وهو ما أسهم في تصاعد التوترات العسكرية مجددا.
في المقابل، تؤكد أستاذة القانون الدولي والعميدة في كلية القانون والعدالة بجامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية ناتالي كلاين أن هذا التفسير لا يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تمنع الدول المشاطئة للمضايق الدولية من تعطيل حق العبور أو تقييده.
وتوضح كلاين أن فرض رسوم على السفن العابرة يعني عمليا إمكان منع السفن الرافضة للدفع من المرور، وهو ما يمثل -برأيها- انتهاكا لمبادئ القانون البحري الدولي، مؤكدة أن مذكرة التفاهم لا يمكن تفسيرها بطريقة تتجاوز القواعد القانونية المنظمة للمضايق.
كما تلفت إلى أن إدارة مضيق هرمز لا تخضع لإيران وحدها، باعتبار أن سلطنة عمان دولة مشاطئة أيضا، الأمر الذي يجعل أي ترتيبات دائمة بحاجة إلى توافق مع الالتزامات القانونية الدولية، وليس إلى تفسير أحادي من أحد الأطراف.
سابقة عالميةويرى العميد حسن جوني أن تداعيات القضية تتجاوز أمن الخليج وسوق الطاقة، لأن تثبيت حق فرض الرسوم في هرمز قد يدفع دولا أخرى تمتلك السيطرة الجغرافية على مضايق دولية إلى المطالبة بإجراءات مماثلة، وهو ما يهدد مبدأ حرية العبور الذي يقوم عليه النظام البحري العالمي.
ويضيف أن الانتقال من مفهوم المرور العابر المنصوص عليه في قانون البحار إلى مفهوم العبور المشروط بالرسوم والضرائب سيُحدث تحولا جذريا في قواعد التجارة الدولية، بما قد ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره، ويزيد تكاليف النقل والإمداد.
وتحذر ناتالي كلاين من أن ترك المصطلحات القانونية في الاتفاقيات غامضة يفتح الباب أمام سوابق يصعب احتواؤها لاحقا، مؤكدة أن قبول فرض الرسوم في هرمز قد يشجع دولا أخرى على انتهاج المسار نفسه في ممرات إستراتيجية مثل بنما أو ملقا.
وتشدد على أن الحفاظ على استقرار الملاحة الدولية يتطلب الفصل بين التفاهمات السياسية المؤقتة والقواعد القانونية المستقرة، لأن أي استثناء قد يقوض منظومة قانون البحار التي تشكل الإطار الناظم لحركة التجارة العالمية.
وبحسب قراءات ضيفي الفقرة التحليلية، فإن أخطر ما يحيط بملف هرمز ليس تداعياته المباشرة، بل احتمال تحوله إلى سابقة تعيد تشكيل قواعد إدارة الممرات البحرية الدولية الأخرى.
إقرأ المزيد


