الجزيرة.نت - 7/30/2026 9:57:55 PM - GMT (+3 )
بينما كنت أتناول طعام الغداء في أحد المنتجعات الساحلية التونسية، متأملا زرقة مياه البحر الأبيض المتوسط الآسرة، لمحنا رجلا ذا مظهر وقور يقترب من طاولتنا. دعاه مضيفنا للانضمام إلينا، وبصفتي سفيرا أمريكيا وافدا حديثا، غمرني الامتنان لهذه الفرصة التي جمعتني بشخصية تونسية مؤثرة أخرى.
وفي غمرة حديثنا، استوقفتني ملامحه التي أوحت لي بلقاء سابق جمعنا في مكان ما، غير أن ذاكرتي لم تسعفني حينها. لاحقا، وبعد أن بحثت في أرشيف بريدي الإلكتروني، تكشفت لي الحقيقة:
لقد حضر كلانا اجتماعات في الدوحة مع قادة المعارضة السودانية قبل عشرين عاما؛ حيث كان يمثل الأمم المتحدة، بينما كنت أمثل السفارة الأمريكية.
في تلك اللحظة، أدركت بذهول أن دولة قطر -التي لا يزال البعض ينظر إليها كوافد دبلوماسي جديد على الساحة العالمية- كانت في واقع الأمر وسيطا دوليا جادا وفاعلا لأكثر من ثلاثة عقود.
ففي عام 1995، وعقب فترة وجيزة من توليه مقاليد الحكم، أطلق الأمير الوالد الراحل، الشيخ حمد، باكورة جهود الوساطة القطرية؛ إذ عرض مساعي الدوحة الحميدة على كل من اليمن وإريتريا لتسوية نزاع حول بعض جزر البحر الأحمر.
وقد أسهمت قطر آنذاك في توجيه الطرفين نحو مسار من المناقشات المثمرة، التي تُوجت بقرار من المحكمة الدائمة للتحكيم؛ وهو قرار حظي بقبول واحترام كلتا الحكومتين. وانطلاقا من خبرتي الدبلوماسية، تعد مثل هذه النهايات الناجحة شيئا نادرا، ولا سيما في النزاعات الإقليمية، مما كان يبشر بمستقبل واعد للهدف الواعد للشيخ حمد، والمتمثل في تحويل قطر إلى مركز إقليمي رائد للدبلوماسية والوساطة.
في العقد الأخير من القرن العشرين، كانت فكرة بروز قطر الصغيرة كلاعب إقليمي -ناهيك عن كونها لاعبا عالميا- تبدو فكرة بعيدة الاحتمال. فمساحتها بالكاد تتجاوز مساحة إقليم بورتوريكو الأمريكي، وكان ناتجها المحلي الإجمالي في عام 1995 يقل عن نصف ناتج تلك الجزيرة، في حين لم يتجاوز عدد سكانها عُشر سكان بورتوريكو.
ففي عام 1995، وعقب فترة وجيزة من توليه مقاليد الحكم، أطلق الأمير الوالد الراحل، الشيخ حمد، باكورة جهود الوساطة القطرية؛ إذ عرض مساعي الدوحة الحميدة على كل من اليمن وإريتريا لتسوية نزاع حول بعض جزر البحر الأحمر
ولا يزال الكثيرون ممن يعرفون المنطقة يتذكرون أفق الدوحة في ذلك الوقت، والذي لم يكن يعج بناطحات السحاب المتلألئة، بل كان يتميز بفندق "شيراتون" الذي يقف شامخا وسط طبيعة تبدو قاحلة. ومع ذلك، كانت القيادة تمتلك رؤية ثاقبة، ليس فقط لملامح ذلك الأفق العمراني، بل لمكانة الدبلوماسية القطرية في العالم بأسره.
إعلان
في نهاية المطاف، تشبه قطر سويسرا إلى حد بعيد؛ فهي دولة صغيرة جغرافيا لا تشكل أي تهديد عسكري لجيرانها، وتحيط بها دول أكبر منها بكثير.
وسرعان ما احتضنت هذه الدولة سكانا على درجة عالية من التعليم، وذلك بفضل الرؤية الثاقبة للشيخة موزا، حرم الأمير الوالد، التي نجحت في استقطاب نخبة من الجامعات الأمريكية لتأسيس فروع لها في قطر.
لقد كان مقدرا للدوحة أن تغدو شريكا لا غنى عنه لجميع الأطراف في المنطقة الأوسع، مما استدعى بناء شبكة معقدة من العلاقات الدبلوماسية، وتشييد بنية تحتية قادرة على استضافة لقاءات ومفاوضات بالغة الأهمية؛ وهما هدفان تطلّبا قدرا كبيرا من الصبر والتمويل السخي.
وسرعان ما بدأ التمويل يتدفق بفضل احتياطيات الغاز الطبيعي الهائلة، مما جعل البلاد، في غضون عقد من الزمان، أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم. بالتوازي مع ذلك، نمت العلاقات الدبلوماسية لقطر وتعمقت جذورها، لتشمل روابط مع بعض الحكومات والجماعات دون الوطنية الأكثر تعقيدا في المنطقة، كحركتي طالبان الأفغانية وحماس الفلسطينية.
وخلال العقد الأول من حكم الشيخ حمد، اتخذت قطر قرارا إستراتيجيا بالاستثمار بكثافة في إرساء علاقة أمنية متينة مع الولايات المتحدة؛ حيث رحبت باستضافة المقر المتقدم للقيادة المركزية الأمريكية، إلى جانب مركز العمليات الجوية المشتركة، وهو ما أعقبته صفقات دفاعية أمريكية كبرى لتعزيز القوات المسلحة القطرية. وفي الوقت ذاته، بدأت قطر تدخل في ملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بالوساطة والحوار وتقريب وجهات النظر.
رغم كل هذه التحديات الجسام، ظلت الحكومة القطرية متمسكة برؤية قيادتها، التي تكرس موقع قطر كوسيط لا غنى عنه. وقد طويت بعض الصفحات المؤلمة بالتنسيق مع الرئيس ترمب
وفي سعيها لتكون صديقة للجميع، وأثناء تحركاتها في الملفات الملتهبة كانت قطر كثيرا في مرمى نيران بعض أطراف النزاع التي قد تنظر إليها في بعض الأحيان على أنها تميل بشدة نحو الطرف الآخر. مثلا تعرضت قطر لهجوم من بعض الشخصيات القريبة من إسرائيل، وآخرهم تصريحات للسيناتور الأمريكي تيد كروز لقناة "سي إن بي سي" الإخبارية في شهر مايو/ أيار الماضي.
وبناء على مخاوف مماثلة مزعومة، نشبت توترات إقليمية حادة حول دور قطر في الوساطة والانخراط في بعض الملفات الشائكة، بل بلغ الأمر بإسرائيل في عام 2025 حد قصف مبنى في الدوحة؛ ظنا منها أنه يحتضن اجتماعا للقادة السياسيين لحركة حماس، متجاهلة حقيقة أن قطر كانت تضطلع، ومنذ فترة طويلة، بدور الوسيط بين إسرائيل وحماس.
ومؤخرا، اعتمدت إيران على الدبلوماسية القطرية بحثا عن مخرج من حربها الكارثية التي أطلق شرارتها الرئيس دونالد ترمب، وذلك في الوقت ذاته الذي تواصل فيه طهران قصف الأراضي القطرية وبنيتها التحتية المدنية وسفنها التجارية، مما أثر بشدة على حركة تصدير المنتجات البترولية القطرية، التي تمثل أهم مصدر دخل لها.
وفي حين كان هدف إسرائيل تصفية خصم مدرج على قائمة أعدائها من حركة حماس، تبدو إيران أكثر سعيا للتأثير على قطر، وفرض قبول سيطرتها على مضيق هرمز على كل دول الخليج، وكلها خطوات تدفع نحو تقييد دور قطر في الوساطة الدولية.
إعلان
ورغم كل هذه التحديات الجسام، ظلت الحكومة القطرية متمسكة برؤية قيادتها، التي تكرس موقع قطر كوسيط لا غنى عنه.
وقد طويت بعض الصفحات المؤلمة بالتنسيق مع الرئيس ترمب. ففي شهر سبتمبر/ أيلول 2025، أجبر الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء نتنياهو على تقديم اعتذار لنظيره القطري، موجها رسالة حازمة للعالم أجمع بأنه لن يسمح بتكرار مثل هذا الهجوم على الإطلاق.
وهنا يبرز التساؤل الملح: من ذا الذي سيقنع إيران بالكف عن تهديد قطر، وكيف السبيل إلى ذلك؟ وإذا ما أصرت إيران على مواصلة هجماتها، فهل ستبقى للدبلوماسية القطرية أي فرصة للنجاح؟
نمت العلاقات الدبلوماسية لقطر وتعمقت جذورها، لتشمل روابط مع بعض الحكومات والجماعات دون الوطنية الأكثر تعقيدا في المنطقة، كحركتي طالبان الأفغانية وحماس الفلسطينية
عادة ما يلجأ الباحثون، عند الإجابة عن مثل هذه التساؤلات الإستراتيجية، إلى النبش في السوابق التاريخية لاستشراف مسارات المستقبل. غير أنه، في هذه الحالة تحديدا، يصعب العثور على أمثلة يقدم فيها أحد أطراف التفاوض على مهاجمة الوسيط ذاته ولا يثير هذا الأمر استغرابي؛ فالنظام الإيراني عكف منذ عام 1979 على ابتكار نهج غير مسبوق في إدارة سياسته الخارجية، يعتمد على التصدير العنيف لـ "ثورته"، حتى إلى البقاع التي ترفض هذا التوجه.
ولعل أحد أبرز أسباب انعدام الثقة بين إيران والمجتمع الدولي يكمن في استخفافها بالتقاليد الدبلوماسية الراسخة منذ قرون، وعلى رأسها حرمة السفارات والبعثات الدبلوماسية. ففي عام 1979، اقتحم أنصار روح الله الخميني مبنى السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا زملائي الدبلوماسيين كرهائن لمدة 444 يوما.
كما انتهكت حرمة السفارتين البريطانية والسعودية في السنوات الأخيرة. وفي الأسبوع الماضي فحسب، أقدمت السلطات الإيرانية على احتجاز دبلوماسيين فرنسيين، حيث تعرض أحدهما لضرب مبرح.
يبدو أن القادة الحاليين في طهران قد تناسوا الأعراف العريقة المتعلقة بالحصانة الدبلوماسية، وربما يتعين على جمهورية إسلامية أخرى، مثل باكستان، أن تذكرهم بها. فبصفتها وسيطا مشاركا في هذا الصراع، تستطيع إسلام آباد أن تسهم في بناء نموذج شراكة أمني في المنطقة، بما يضمن استمرار جهود وساطتها دون أية عراقيل، وذلك عبر إبرام اتفاقية دفاع مشترك على غرار الاتفاقية التي تجمعها بالمملكة العربية السعودية.
وإدراكا منها بأن خطوة كهذه قد تستغرق وقتا طويلا، فربما بوسع باكستان إبرام ترتيب مؤقت يركز حصرا على حماية أجواء الوساطة في الصراع الأمريكي الإيراني، والذي بات يلقي بظلاله الآن على دول مجلس التعاون الخليجي إثر هجمات طهران المتكررة.
ومن المؤسف أن الحكومة الأمريكية، في ظل إدارة الرئيس ترمب، تفتقر إلى المقومات اللازمة لقيادة مثل هذا الجهد. في المقابل، تقف الحكومة الباكستانية، بما تمتلكه من نفوذ إقليمي، وأسس دينية مشتركة، وقوة عسكرية صريحة، في موقع يؤهلها للقيام بهذا الدور بجدارة.
إنني أخشى حقا، إذا ما سمح للهيمنة الإقليمية الإيرانية بالاستفحال، أن تتبدد رؤية قطر كوسيط لا غنى عنه، وهو سيناريو سيجلب الضرر على الجميع بلا استثناء.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


