إعادة تربية الذات.. كيف تصبح الأب والأم الذين افتقدتهم لنفسك؟
الجزيرة.نت -

لا تنتهي آثار الطفولة بانتهاء سنواتها، إذ يحمل كثيرون إلى مرحلة البلوغ أنماط التفكير والمشاعر وطريقة مخاطبة الذات التي تشكلت في علاقتهم بوالديهم أو بمقدمي الرعاية. وقد تتحول هذه الأنماط، إذا كانت قائمة على النقد أو الإهمال أو القسوة، إلى عائق أمام الشعور بالسعادة أو بناء علاقات صحية. ومن هنا برز مفهوم "إعادة تربية الذات" أو "إعادة بناء الوالد الداخلي"، كمحاولة لتعويض ما افتقده الإنسان في طفولته وبناء علاقة أكثر صحة مع نفسه.

عند هذه المرحلة، يتوقف الإنسان عن التساؤل: "ماذا فعل بي الماضي؟"، ويبدأ في طرح سؤال مختلف: "ماذا أستطيع أن أفعل بنفسي الآن؟". فبدلا من البقاء أسير "جرح الأم" أو "جرح الأب"، يسعى إلى أن يكون الأب والأم لنفسه بطريقة سوية ومتوازنة، وأن يمنح ذاته، كشخص بالغ، ما افتقده في طفولته، وهي العملية التي يطلق عليها "إعادة تربية الذات".

الشفاء من جراح الطفولة قد يبدأ بسؤال واحد: ماذا أحتاج الآن؟ (بيكسلز)
ما المقصود بـ "إعادة تربية الذات"؟

يشير مصطلح "إعادة تربية الذات" في العلاج النفسي إلى عملية تمكّن الفرد من معالجة الاحتياجات النفسية والجسدية التي لم تُلبَّ في طفولته، بما يساعده على بناء أنماط عاطفية وسلوكية أكثر صحة.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وتقوم هذه العملية على استعادة أسس تربوية افتقدها في سنواته الأولى، مثل الشعور بالأمان، وتهدئة النفس عند القلق، والتعاطف مع الذات، والتشجيع، والاعتراف بالاحتياجات، وتقبل المشاعر، ووضع حدود صحية والقدرة على قول "لا"، وتحمل المسؤولية، والانضباط الذاتي، وتنظيم المشاعر.

ففي الوقت الذي يعجز فيه الكثير من الآباء والامهات عن منح أطفالهم معاملة تساهم في تحسين صحتهم ورفاهيتهم، يصبح هؤلاء الأطفال حين يكبرون بحاجة ماسة إلى منح أنفسهم ما افتقدوه لسنوات طويلة في طفولتهم.

فكرة رائعة بدأت في السبعينات

تعود جذور مفهوم "إعادة تربية الذات" إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، حين طرحت الدكتورة موريل جيمس أفكارا حول "إعادة التربية" (Reparenting) في إطار العلاج بالتحليل التفاعلي. ومن واقع عملها، اكتشفت أن مرضاها يتبنون، بشكل غير واع، أنماطا في التفكير والمعتقدات والسلوكيات تعكس ما كان يفكر به والدوهم والطريقة التي كانوا يتصرفون بها، وأنه من تلك النقطة ينشأ الحديث السلبي مع الذات. فيكرر المرء النقد السلبي الذي تلقاه من والديه، ويخاطب نفسه في المواقف المختلفة بعبارات مثل: "لم يكن من المفترض أن ترتكب ذلك الخطأ"، و"لا أصدق أنك كنت غبيا إلى هذا الحد"، و"أنت غبي"، وغيرها من أساليب مخاطبة النفس المؤذية.

إعلان

وفي المقابل، كانت تعرض على مرضاها فرصة جديدة لتبني صورة داخلية أكثر لطفا وتعاطفا للوالدين، صورة تقول عبارات مثل: "لا بأس إن أخطأت"، و"أنت قوي بما يكفي لتتخطى هذا"، و"ما زلت شخصا جيدا رغم ما ارتكبته، ويمكنك إصلاح ذلك". وانطلاقا من هذه الفكرة، رأت موريل جيمس أن الإنسان يستطيع تعويض الرسائل السلبية والمؤذية التي تلقاها من والديه في الطفولة، من خلال استبدالها برسائل نفسية أكثر صحة ودعما، وهي الفكرة التي تطور منها لاحقا مفهوم "إعادة تربية الذات" بصورته المتداولة اليوم.

أحيانا لا نحتاج إلى تغيير الماضي، بل إلى تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع آثاره (بيكسلز)
كيف يمكن البدء إذًا؟

لعل الخبر الجيد أنه يمكن البدء من جديد دائما، فحتى إذا انقضت الطفولة، ما زالت هناك فرص حقيقية للشفاء واختيار سلوكيات مختلفة بوعي في مرحلة البلوغ، مع إدراك ما تتطلبه هذه الرحلة من وقت وجهد، وربما الاستعانة بمعالج نفسي موثوق يساعد على استكشاف الأنماط المؤذية وفهمها، وتبني حوار داخلي صحي، بما قد ينعكس على بناء علاقات أكثر صحة، وتعزيز مهارات التواصل مع الذات والآخرين. وعادة يمكن البدء عبر مجموعة من الخطوات، أهمها:

  • تسمية المشاعر والتعبير عنها، والسماح لها بالظهور دون شعور بالخزي أو الإحراج. تعلم كيفية وضع حدود صحية، والتعرف على الاحتياجات الذاتية بدلا من تجاهلها.
  • التوقف عن عادة إرضاء الآخرين على حساب النفس، وهي عادة يكتسبها كثيرون منذ الطفولة، حتى لو كان ذلك سببا في الشعور بالتعاسة والإرهاق وعدم الأمان.
  • تغيير رؤية المرء لنفسه عبر تطوير نظرة صادقة وصحية وإيجابية للذات، واستكشاف القيم ونقاط القوة والسمات والرغبات والمهارات، مما يساعد على تحقيق تحول حقيقي في نظرته إلى نفسه.
  • تغيير الطريقة التي ينظر بها إلى الآخرين باعتبارهم غير آمنين، والسماح للنفس بالشعور بالأمان مع الأشخاص الذين يثبتون أنهم جديرون بالثقة.
  • التعرف إلى الشكل الحقيقي للعلاقات الصحية، وأن هناك طرقا صحية لتلقي النقد وتقديمه، وأن الحب لا يعني قبول العنف أو الإساءة، سواء أكانت لفظية أم جسدية.

وتوصي الطبيبة النفسية والباحثة في علم النفس نيكول ليبيرا بالانتباه إلى مجموعة من النقاط التي قد تعيق عملية إعادة تربية المرء لذاته، وتقترح خمس خطوات أساسية، هي:

ممارسة التنفس العميق بانتظام على مدار اليوم، للمساعدة في تقليل الإحباط، وربما خيبة الأمل التي قد تصاحب عملية التحرر من الأنماط القديمة.

الوفاء بوعد صغير يوميا. ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو بسيطة أو غير مهمة، فإنها قد تؤسس لعادات تقود إلى تغييرات كبيرة لاحقا. ويمكن أن يكون هذا الوعد التأمل لدقيقتين، أو المشي لخمس دقائق حول المنزل، أو طهي وجبة واحدة يوميا، أو تدوين اليوميات، على ألا يستغرق أكثر من 10 دقائق يوميا.

تجنب إشراك الوالدين في تفاصيل رحلة التعافي، إذا كان ذلك سيؤدي إلى التقليل من شأنها أو إحباطها، لذا تنصح ليبيرا بمشاركة هذه الرحلة مع شخص موثوق فقط. أن يسأل المرء نفسه باستمرار: "ما الذي يمكنني أن أقدمه لنفسي الآن؟"، فبعد سنوات من تجاهل الاحتياجات الشخصية، يصبح هذا السؤال عادة يومية مهمة.

إعلان

الاحتفاء بالنفس وبكل خطوة جديدة، فاستعادة ما افتقده الإنسان من رعاية واحتواء في طفولته ليست مهمة سهلة، ومن المهم الاعتراف بالتقدم والاحتفال به مهما بدا صغيرا.



إقرأ المزيد