الجزيرة.نت - 7/30/2026 2:01:04 PM - GMT (+3 )
تتقاطع تحذيرات عسكرية وأمنية وإعلامية إسرائيلية عند خلاصة واحدة، هي أن توسيع الاقتحامات والعقوبات الجماعية -بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني- لا يضمن هدوء الضفة الغربية، بل قد يحوّل الاحتكاكات إلى مواجهة شعبية واسعة. ولا تنطلق التحذيرات من رفض الاحتلال، وإنما من الخشية من أن ترتد سياساته على الجنود والمستوطنين، وتستنزف الجيش في جبهة يصعب ضبطها.
ووصفت مصادر عسكرية تحدثت إلى موقع "والا" الوضع بأنه "متفجر وخطير للغاية"، وقالت إن ما يجري يشبه "كرة ثلج تتدحرج، وسيكون من الصعب إيقافها". ودفع التقدير الجيش إلى رفع عدد الكتائب العاملة إلى 26 كتيبة، مع تعليمات بمنع الاحتكاكات التي قد تشعل الميدان.
ومع ذلك، أقرت المصادر -وفق المراسل العسكري أمير بوحبوط- بأن القوات الإسرائيلية لم تنجح خلال 48 ساعة في منع إحراق مسجد ومبان ومركبات فلسطينية، بالتزامن مع اشتباكات أوقعت قتلى وجرحى إسرائيليين.
ولا تنظر المؤسسة الأمنية إلى القمع العسكري وعنف المستوطنين بوصفهما مسارين منفصلين، فقد حذر رئيس الأركان إيال زامير -في مارس/آذار 2026- من أن الاعتداءات القومية اليهودية "تعرّض الاستيطان والاستقرار الأمني للخطر"، وتُلحق "ضررا إستراتيجيا استثنائيا" بجهود الجيش.
ومنح مؤتمر الأمن القومي -الذي نظمته صحيفة "يديعوت أحرونوت" ومعهد دراسات الأمن القومي- هذه المخاوف إطارا إستراتيجيا أوسع، فقد وصفت الرئيسة السابقة لوحدة الأبحاث وصنع السياسات في الشاباك نعومي نيومان الهدوء في الضفة بأنه "هدوء مخادع"، تخفي تحته خمسة عوامل للتصعيد، هي عنف المستوطنين، وقيود الحركة والحواجز، والانهيار الاقتصادي الناتج من منع العمال وتجميد أموال المقاصة، وتأثير حرب غزة، والخوف من تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى.
إعلان
وتكمن أهمية تقدير نيومان في أنه لا يحصر الخطر في الخلايا المسلحة، فكل عامل من هذه العوامل يُدخل شرائح جديدة إلى دائرة الغضب، مثل العامل الذي فقد دخله، والمزارع الذي خسر أرضه، والأسرة المحاصرة بالحواجز، والمتدين الذي يخشى المساس بالأقصى، لذلك يصبح القمع مولّدا لتراكم اجتماعي قد ينفجر من دون قرار تنظيمي مركزي.
وحذرت القراءة الأمنية المنشورة في "والا" من أن الجمع بين العقوبة الجماعية وتوسيع الاستيطان يزيد الاحتكاك، ويحوّل كل اقتحام لمستوطنين أو اعتداء على أرض فلسطينية إلى اختبار مباشر للقرى المحيطة.
ويذهب كبير معلقي "يديعوت أحرونوت" ناحوم برنيع أبعد من ذلك، إذ يرى أن انتفاضة ثالثة -إن اندلعت- قد تنشأ "بمبادرة حكومة إسرائيل ووفقا لرؤيتها"، أما بن درور يميني فقال إن إنشاء المزارع وسط التجمعات الفلسطينية يرفع مستوى العنف، وقد ينقل نيران الضفة إلى داخل إسرائيل.
مقاومة أوسعأما المؤشر الأكثر إقلاقا فليس وجود خلايا مسلحة فقط، بل انتقال المواجهة إلى سكان لم يكونوا منخرطين سابقا في عمليات ضد الجيش والمستوطنين، فقد تحدث تقرير لعيناف حلبي في "يديعوت أحرونوت" عن شعور فلسطيني بأن "حاجز الخوف انكسر"، بعد أن واجه أهالي قرية تل مجموعة مسلحة من المستوطنين اقتحمت قريتهم.
كما كشف موقع "والا" أن نحو 70 لجنة حراسة فلسطينية تعمل حول القرى لمنع اعتداءات المستوطنين، وهي -بنظر الجيش- بنى محلية قد تتحول من الحماية الأهلية إلى اشتباك دائم، وتعزز عمليتا انتزاع أسلحة من جنود ومستوطنين هذا القلق، لأن بعض الأحداث كانت عفوية وليست نتيجة تخطيط تنظيمي معقد، مما يجعل توقعها ومنعها أصعب.
ولا يشبه السيناريو المحتمل انتفاضتي عامي 1987 و2000، فصحيفة "هآرتس" -في مقال جاكي خوري المنشور في 27 يوليو /تموز- ترصد غياب قيادة فلسطينية قادرة على الحشد، وضعف الفصائل الفلسطينية وتراجع التضامن بين المناطق، لكن هذا الضعف يحمل خطرا معاكسا: عندما لا توجد قيادة تطلق الانتفاضة، قد لا توجد قيادة تستطيع وقفها، فتظهر المقاومة في احتجاجات وعمليات محلية موزعة جغرافيا.
ويزداد الخوف مع احتمال انهيار السلطة الفلسطينية أو تراجع قدرتها على الضبط، فقد حذر نحو 600 مسؤول سابق في الجيش والموساد والشاباك والخارجية -في رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نقلتها "يديعوت أحرونوت" في 27 يوليو/تموز- من أن عنف المستوطنين وخنق السلطة اقتصاديا قد يقودان إلى نتائج "كارثية".
كما كشف مؤتمر الأمن القومي أن الخلاف الإسرائيلي لم يعد بشأن احتواء التصعيد فقط، بل بشأن مستقبل الضفة بعد تآكل إطار أوسلو، فرأت رئيسة منتدى شيلو والباحثة في الاستيطان أنات روث أن "أوسلو ماتت"، وأن 7 أكتوبر (تشرين الأول) أنهى شرعية الانسحاب وحل الدولتين، داعية إلى بديل يمنع إقامة دولة فلسطينية ويضمن السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
في المقابل، حذر رئيس برنامج "من الصراع إلى الاتفاقات" في معهد الأمن القومي العميد الاحتياط عودي ديكل من أن إسرائيل تسير "مغمضة العينين نحو الجحيم"، ورأى أن إستراتيجية السيادة التي يقودها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ستضم فعليا نحو 3 ملايين فلسطيني إلى إسرائيل، وتفتح الطريق أمام دولة واحدة قد تنتهي بحرب أهلية أو عقوبات دولية أو نظام قمع دائم.
إعلان
ويكشف هذا الخلاف أن القمع مرتبط باختيار إستراتيجي، فاليمين يريد إضعاف السلطة ودفن أوسلو وتوسيع السيطرة، في حين يحذر مسؤولون سابقون من أن إسقاط السلطة سيحمّل إسرائيل العبء الأمني والاقتصادي المباشر، ويُفقدها شريكا يؤدي دورا مركزيا في التنسيق الأمني وملاحقة الخلايا المسلحة.
يزداد القلق كلما توسعت المزارع والطرق الاستيطانية التي تحتاج إلى حماية، فقد ارتفع عدد المزارع الاستيطانية -وفقا لتقرير عيدان بلومهوف في "يديعوت أحرنوت" في 29 يوليو/تموز- من نحو 50 عام 2022 إلى زهاء 140 في 2026، وباتت تسيطر على أكثر من مليون دونم، في حين أقرت الحكومة 103 مستوطنات جديدة أو بؤرا تحولت إلى مستوطنات معترف بها.
هذه الخريطة تفرض على الجيش حماية نقاط أكثر، وتسيير دوريات أطول، والفصل بين تجمعات استيطانية متداخلة. وتقول رواية -قدمتها منظمات المستوطنين ونشرتها صحيفة "يسرائيل هيوم"- إن النصف الأول من عام 2026 شهد 441 حادثا ضد المزارع الاستيطانية، أسفرت عن 140 إصابة ومقتل شخص. ورغم أن الأرقام صادرة عن جهة منحازة إلى الاستيطان، فإن استخدامها داخل النقاش الإسرائيلي يعكس إحساسا متزايدا بأن التوسع الجغرافي لا يخفض الخطر، بل يضاعف الأهداف المكشوفة.
ويحذر المعلق العسكري يوسي يهوشوع من سيناريو "انقلاب البنادق"، أي توجيه جزء من سلاح أجهزة السلطة نحو الجيش والمستوطنين إذا انهارت السلطة أو فقدت شرعيتها، واتسعت عمليات الاقتحام، أو تعرضت عائلاتهم وقراهم للعقاب، عندها لن تواجه إسرائيل مجموعات صغيرة، بل مسلحين مدربين يعرفون المنطقة ويملكون بنية تنظيمية وقدرات اتصال.
الخلاصة أن التحذيرات الإسرائيلية لا تنبع من رفض القمع، بل من الخوف من فقدان السيطرة على نتائجه، فإضعاف السلطة وتوسيع الاستيطان والحصار الاقتصادي وعنف المستوطنين قد تنقل الفلسطيني من تجنب المواجهة إلى المشاركة فيها، وعندها ستواجه إسرائيل انتفاضة بلا قيادة مركزية، يصعب التنبؤ بها واحتواؤها، في حين تكون سياسات حكومتها قد وفرت أسباب الاشتعال.
إقرأ المزيد


