الجزيرة.نت - 7/30/2026 11:24:06 AM - GMT (+3 )
ينتهي اليوم الخميس 30 يوليو/تموز الموعد المخصص لاستبدال الأوراق النقدية السورية القديمة، لتفقد هذه الأوراق بدءا من 31 يوليو/تموز الجاري قوتها الإبرائية، ولا تعود صالحة قانونا للتداول أو تسوية المعاملات، بعد عملية امتدت منذ مطلع العام وشملت تمديدات متتالية منحت حائزي العملة القديمة وقتا إضافيا لاستبدالها.
ومع انتهاء المهلة، لن يكون التعامل مع الأوراق القديمة متاحا عبر المصارف وشركات الصرافة، بل سينتقل إلى مرحلة أكثر تشددا تمتد 5 سنوات، وتنفذ حصرا عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق، وفق شروط تتضمن ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية، وإخضاعها للتدقيق قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة.
ولا يبدو تحديد نافذة زمنية محدودة ثم إغلاقها مجرد إجراء تنظيمي لإنجاز عملية تبديل الأوراق، إذ تحمل الخطوة أهدافا أوسع تتعلق بإعادة رسم خريطة السيولة النقدية في البلاد، وقياس حجم الكتلة المتداولة فعليا، وإجبار الأموال المكتنزة على الظهور، وتقليص الفترة التي تتعايش خلالها عملتان في السوق نفسها.
كما تمنح المرحلة الجديدة السلطات قدرة أكبر على توثيق أصحاب المبالغ المتبقية، بعد أن تحولت العملية من استبدال مباشر عبر شبكة واسعة نسبيا إلى إجراء مصرفي مركزي يتطلب حسابا وهوية وتدقيقا، بما قد يساعد على رصد بعض الأموال المجهولة المصدر.
نهاية التعايش بين عملتينبدأت السلطات السورية سحب العملة القديمة واعتماد الليرة الجديدة في الأول من يناير/كانون الثاني 2026، في عملية هدفت إلى إنهاء تداول الأوراق السابقة، وتخفيف الأعباء الناتجة عن تعدد الفئات وكثرة الأوراق المستخدمة في المعاملات اليومية.
وفي مطلع فبراير/شباط الماضي، أعلن المصرف المركزي استبدال نحو 35% من الكتلة النقدية المستهدفة، مع سحب أكثر من 13 تريليون ليرة قديمة (1.2 مليار دولار) من أصل نحو 42 تريليونا (3.9 مليارات دولار) كانت متداولة في السوق، قبل أن ترتفع النسبة لاحقا إلى أكثر من 63%، ثم تقترب، بحسب تقديرات معلنة، من 80% خلال يوليو/تموز الجاري.
إعلان
ورغم وصف المهلة بأنها قصيرة، فإنها خضعت لتمديدات متتالية، كان آخرها تمديد مدته 30 يوما بدأ مطلع يوليو/تموز الجاري، وقال المصرف المركزي إنه جاء لمنح فرصة أخيرة لفئات من المواطنين لم تتمكن من استبدال ما لديها.
ويرى الأكاديمي والباحث الاقتصادي محمود مفيد عبد الكريم أن قصر المهلة لا يمثل تشددا إداريا بقدر ما يشكل أداة اقتصادية، لأن استمرار تداول عملتين في الوقت نفسه يعني وجود وحدتي حساب داخل السوق، ويزيد احتمالات التلاعب بالأسعار من خلال التقريب الصعودي (زيادة الأسعار عند التقريب) أو استغلال فروق التحويل.
ويضيف عبد الكريم للجزيرة نت، أن إطالة فترة التعايش بين العملتين ترفع كذلك التكلفة التشغيلية والأمنية لنقل وفرز وتخزين وإتلاف مليارات الأوراق النقدية، فضلا عن زيادة أخطار تزوير الأوراق القديمة كلما اقترب موعد انتهاء صلاحيتها القانونية.
لكن الوظيفة الأهم للمهلة، بحسب عبد الكريم، تتمثل في استخدامها حافزا لإخراج السيولة المكتنزة من المنازل والأسواق غير الرسمية، إذ قد لا يتجه حامل النقد إلى المصرف طوعا ما لم يصبح البديل هو فقدان قيمة ما بحوزته كليا.
عبد الكريم: أهم وظيفة للمهلة تتمثل في استخدامها حافزا لإخراج السيولة المكتنزة من المنازل والأسواق غير الرسمية، إذ قد لا يتجه حامل النقد إلى المصرف طوعا ما لم يصبح البديل هو فقدان قيمة ما بحوزته كليا
وفي المقابل، لا يرى الخبير الاقتصادي عبد المنعم الحلبي دوافع نقدية أو اقتصادية تبرر التضييق الشديد للمهلة، مع بقاء نسبة ملحوظة من الأوراق خارج عملية الاستبدال، خصوصا إذا كانت تقديرات المصرف المركزي لحجم النقد المطبوع أو المتداول لا تعكس بصورة دقيقة ما هو موجود فعليا داخل البلاد وخارجها.
ويشير الحلبي إلى أن تمديد العملية قد يسمح باستيعاب نسبة أكبر من العملة القديمة، ويقلل الخسائر التي قد تقع على مواطنين لم يتمكنوا من الوصول إلى نقاط الاستبدال، ولا سيما في المناطق البعيدة أو بين السوريين المقيمين خارج البلاد.
يتمثل أحد الأهداف الأساسية لعملية الاستبدال في معرفة حجم الكتلة النقدية الفعلية بعد سنوات من الحرب والتضخم والتلف وخروج كميات من الليرة خارج الحدود وتداولها في مناطق لم تكن خاضعة كليا لسلطة الحكومة المركزية.
فالمصرف المركزي قد يعرف مقدار ما جرى طبعه تاريخيا، لكنه لا يستطيع الجزم بحجم الأوراق التي بقيت صالحة ومتداولة فعليا، أو التي فقدت وتلفت وخرجت من البلاد، أو تحولت إلى مخزونات نقدية غير معلنة.
ومن هذا المنظور، يشبه استبدال العملة عملية تعداد وطني للنقد، إذ تكشف كل ورقة تعود إلى المصرف عن جزء من الكتلة الموجودة، بينما تمنح نسبة الأوراق التي لا تعود مؤشرا على حجم الأموال المفقودة أو الموجودة خارج النظام الرسمي.
ويقول عبد الكريم إن العملية نجحت بدرجة كبيرة في قياس الكتلة النقدية، لكنها نجحت بدرجة أقل في سحب السيولة من التداول، موضحا أن الاستبدال جرى في معظمه على أساس تسليم أوراق قديمة والحصول على أوراق جديدة، وليس عبر إيداع إلزامي للأموال في الحسابات المصرفية.
إعلان
ويشير إلى أن المصرف المركزي قد يكون أحصى الأموال، لكنه لم ينجح بالضرورة في الاحتفاظ بها داخل الجهاز المصرفي، لأن الشخص يستطيع تسلّم النقد الجديد وإعادته إلى المنزل، لتظل السيولة خارج البنوك كما كانت سابقا.
ويضيف عبد الكريم أن الفرق بين قياس الكتلة النقدية والتحكم فيها جوهري، إذ لا يستطيع المصرف المركزي إدارة عرض النقود بفاعلية إلا إذا مر جزء أكبر من السيولة عبر الودائع والمصارف، بما يتيح استخدام أدوات السياسة النقدية مثل الاحتياطي الإلزامي وأسعار الفائدة والائتمان المصرفي.
بدوره، اعتبر الحلبي أن قياس الكتلة النقدية لا يمثل سوى خطوة أولى ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات، لأن ضبط التضخم وسعر الصرف لا يعتمد على معرفة كمية الليرة فقط، بل يتطلب معالجة الدولرة، وفوضى التسعير، وضعف الرقابة على الأسواق، وغياب جهاز مصرفي قادر على نقل السياسة النقدية إلى الاقتصاد.
تكتسب مرحلة ما بعد 31 يوليو/تموز أهمية أكبر من مرحلة الاستبدال المباشر، لأن أصحاب الأوراق القديمة لن يستطيعوا بعد ذلك تبديلها عبر فروع متعددة، بل سيضطرون إلى تقديم طلباتهم إلى المصرف المركزي في دمشق.
وتشترط التعليمات ألا يقل عدد الأوراق المقدمة عن 100 ورقة من أي فئة، وأن تخضع للتدقيق والموافقة، قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة الجديدة، دون استيفاء رسوم أو ضرائب أو عمولات.
وتنقل هذه الآلية العملية من تبادل نقدي مباشر إلى معاملة مصرفية موثقة، ترتبط باسم صاحب الأموال وحسابه، وتسمح نظريا بمراجعة المبالغ الكبيرة والتحقق من مصدرها إذا ظهرت مؤشرات تستدعي ذلك.
ويرى عبد الكريم أن هذه المرحلة، وليس الاستبدال عبر النوافذ المفتوحة سابقا، قد تشكل الفلتر الحقيقي لرصد الأموال المجهولة المصدر، لأن من يتقدم الآن بمبلغ كبير سيصبح ملزما بإظهار هويته وامتلاك حساب مصرفي وترك سجل واضح للعملية.
لكنه يحذر من أن استبدال العملة، بمفرده، لا يكفي لمكافحة غسل الأموال، إذ يستطيع أصحاب المبالغ الكبيرة تقسيمها إلى مبالغ أصغر وتوزيعها على أشخاص أو معاملات متعددة، وهي ممارسة تعرف في مجال الامتثال المالي باسم "التقسيم" أو "التذرير".
ويؤكد أن رصد الأموال يجب أن يعتمد على منهج قائم على الأخطار، وليس على افتراض الاشتباه في جميع المواطنين، مع وضع حدود معلنة للمبالغ التي تستوجب تقديم إثبات لمصدر الأموال، وربط الطلبات بالرقم الوطني لمنع تقسيم المبالغ، وتحديد مهلة للبت في الطلبات وإتاحة حق التظلم.
كما يرى أن ضمان عدم تحول كل عملية تدقيق ناجحة إلى مساءلة ضريبية تلقائية عن سنوات سابقة قد يكون ضروريا لتشجيع أصحاب الأموال القانونية على الظهور، خصوصا في اقتصاد توسعت فيه الأنشطة غير الرسمية بسبب الحرب وضعف المؤسسات.
لكن تظل قدرة العملية على كشف الثروات غير القانونية محدودة، لأن الأموال الكبيرة في اقتصاد يعاني من الدولرة لا تخزن غالبا في صورة أوراق نقدية سورية، بل في الدولار والذهب والعقارات والأصول الموجودة خارج البلاد.
وهو ما يشرحه عبد الكريم، مشيرا إلى أنه قد يكون الأدق النظر إلى الاستبدال باعتباره عملية لتنظيف سجل النقد وتحديد المسؤوليات، وليس حملة شاملة لمكافحة غسل الأموال أو استرداد الثروات غير القانونية.
أما الحلبي فيرفض النظر إلى الاستبدال باعتباره أداة مباشرة لكشف الأموال غير القانونية، محذرا من أن ربط العملية بهذا الهدف قد يدفع المواطنين إلى الخوف وإخفاء أموالهم بدلا من التعامل مع المصارف.
ويشدد على أن مكافحة الأموال غير القانونية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة وإطار قانوني واضح، وإشراف قضائي ورقابة تشريعية، وكوادر مدربة تتمتع بالاستقلال والقدرة على تتبع العمليات دون تداخل سياسي أو إداري.
لا يؤدي استبدال الأوراق أو حذف الأصفار في حد ذاته إلى رفع القوة الشرائية أو خفض التضخم، لأن تغيير الوحدة الحسابية لا يغير القيمة الحقيقية للأجور والأسعار والمدخرات ما دامت جميعها تحولت بالنسبة نفسها.
إعلان
وهو ما يوضحه عبد الكريم، لافتا إلى أنه إذا جرى تقسيم الأسعار والأجور والنقد على 100، فإن السلعة التي كانت تباع بنحو 5 آلاف ليرة (نحو 0.46 دولار) تصبح قيمتها 50 ليرة جديدة (نحو 0.46 دولار)، دون أن يمثل ذلك انخفاضا حقيقيا في السعر أو تحسنًا في دخل المستهلك.
ويحذر، في المقابل، من احتمال ظهور آثار تضخمية سلوكية نتيجة تقريب الأسعار إلى الأعلى، إذ قد تتحول السلعة التي يصبح سعرها بعد التحويل 47.5 ليرة جديدة (نحو 0.44 دولار) إلى 50 ليرة (نحو 0.46 دولار) عند إعادة التسعير، بما يؤدي إلى زيادة فعلية لا ترتبط بطباعة نقود جديدة، بل بطريقة إعادة كتابة الأسعار.
ويرى عبد الكريم أن الخطر التضخمي في هذه الحالة حسابي وسلوكي، وليس ناتجا عن زيادة عرض النقود، مشيرا إلى أن إلزام المتاجر بعرض الأسعار بالعملتين خلال الفترة الانتقالية يمكن أن يقلل التلاعب، لكن فعاليته تعتمد على مستوى تطبيقه ومراقبته.
أما المحركات الأساسية للتضخم في سوريا، فتظل مرتبطة بسعر الصرف وتكاليف الطاقة والاعتماد على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي، أكثر من ارتباطها بشكل العملة أو عدد الأصفار المطبوعة عليها.
ويؤكد الحلبي أن كثيرا من التجار والمستوردين يسعرون السلع على أساس سعر للدولار أعلى من السعر المعلن في السوق، مما يجعل فوضى التسعير والدولرة وضعف حماية المستهلك عوامل أكثر تأثيرا في التضخم من حجم النقد السوري وحده.
تحدي إعادة الأموال إلى المصارفتنتهي عملية استبدال العملة من الناحية الفنية بإخراج الأوراق القديمة من التداول، لكنها تفتح اقتصاديا ملفا أوسع يتعلق بمصير السيولة الجديدة، ومدى قدرة الحكومة على تحويلها من نقد مكتنز إلى ودائع داخل الجهاز المصرفي.
ويرى عبد الكريم أن نجاح العملية لا يقاس بعدد الأوراق التي دخلت خزائن المصرف المركزي، بل بانخفاض نسبة النقد خارج المصارف، وتراجع الفجوة بين سعري الصرف الرسمي والموازي، واستقرار معدل التضخم خلال العام المقبل.
ويشير إلى أن استقرار السيولة في صورة ودائع يمنح المصارف قدرة أكبر على الإقراض، ويتيح للمصرف المركزي إدارة السياسة النقدية بفاعلية، بينما تؤدي عودتها إلى المنازل أو تحويلها إلى الدولار والذهب إلى تعميق ظاهرة الدولرة.
ويؤكد عبد الكريم أن استكمال العملية يتطلب إصلاحات نقدية ومصرفية أوسع، تشمل نشر بيانات دورية عن السيولة والودائع، ومنع تمويل عجز الموازنة بالإصدار النقدي، وتطوير أدوات السياسة النقدية، إلى جانب إعادة هيكلة المصارف العامة، وضمان الودائع، وتحديث منظومة المدفوعات الرقمية.
ويتفق معه الحلبي على أن تطوير الجهاز المصرفي والشمول المالي والمدفوعات الرقمية أكثر أهمية على المدى الطويل من مجرد استبدال الأوراق، داعيا إلى تشجيع المواطنين على العودة إلى المصارف، وتوجيه التمويل نحو القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الزراعة والصناعات التحويلية، بما يعزز الإنتاج المحلي ويحد من الضغوط التضخمية.
إقرأ المزيد


