غارات أمريكية سعودية في العراق.. ما الذي أشعل التصعيد؟
الجزيرة.نت -

لم يكن إعلان تأجيل الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى السعودية مجرد تعديل في جدول دبلوماسي، بل عكس حجم التوتر الذي فرضته التطورات الأمنية الأخيرة بين البلدين.

فالزيارة، التي كانت يُنظر إليها باعتبارها محطة جديدة في مسار التقارب السعودي العراقي، جاءت في توقيت تصاعدت فيه الهجمات على المنشآت النفطية السعودية انطلاقا من الأراضي العراقية، قبل أن تتبعها ضربات أمريكية سعودية استهدفت مواقع لفصائل مسلحة متهمة بالوقوف وراء تلك الهجمات.

وقد أعاد هذا التسلسل السريع للأحداث طرح تساؤلات جوهرية حول أسباب التصعيد، وحدود الرد العسكري، وانعكاساته على مستقبل العلاقات بين الرياض وبغداد، وعلى موقع العراق في معادلة التوازنات الإقليمية.

فالتصعيد الحالي لا يمكن قراءته باعتباره مواجهة ثنائية بين السعودية وفصائل عراقية، بل هو امتداد لصراع النفوذ الدائر في المنطقة، حيث تتقاطع الحسابات الأمريكية والإيرانية مع محاولات العراق استعادة قراره الوطني، ومساعي دول الخليج إلى دمجه مجددا في محيطه العربي.

ومن هنا، فإن فهم خلفيات الضربات العسكرية يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الميدان، وصولا إلى التنافس على مستقبل العراق نفسه ودوره.

فالتصعيد العسكري الأخير بين السعودية والولايات المتحدة من جهة، والفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق من جهة أخرى، أعاد رسم مشهد أمني؛ كان كثيرون يعتقدون أنه يتجه نحو الاحتواء.

فبعد إعلان الرياض اعتراض طائرات مسيّرة انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية، وما تبعه من تأكيد سعودي على حقها في الرد، ظهرت تقارير عن ضربات جوية استهدفت مواقع تابعة لفصائل منضوية في الحشد الشعبي، أو قريبة منه داخل العراق، لتدخل الأزمة مرحلة جديدة تتجاوز الرسائل السياسية إلى استخدام القوة العسكرية.

إعلان

ولا يمكن فهم هذا التطور بمعزل عن البيئة الإقليمية الأوسع، حيث أصبحت الساحة العراقية إحدى أكثر ساحات التنافس الإقليمي حساسية، بحكم موقعها الجغرافي وتشابك القوى الفاعلة فيها، وتحول بعض الفصائل المسلحة إلى أدوات ضمن شبكة الردع الإيرانية الممتدة من الخليج إلى بلاد الشام.

الضربات العسكرية، مهما كانت مؤلمة، لا تؤدي وحدها إلى إنهاء التهديد ما لم تترافق مع إجراءات أمنية وسياسية عراقية تمنع استمرار استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات خارج حدودها

من الردع إلى الرد العسكري

من المنظور السعودي والأمريكي، لم تعد الهجمات بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ مجرد تهديدات رمزية، بل أصبحت تمثل استهدافا مباشرا للبنية التحتية للطاقة، وهي منشآت لا تمثل أهمية اقتصادية للمملكة فحسب، وإنما تشكل جزءا من أمن الطاقة العالمي.

وعندما تعلن الرياض أن المسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية، فإنها لا تكتفي بتحديد مصدر الهجوم، بل ترسم أيضا إطارا قانونيا وسياسيا للمطالبة بمنع استخدام الأراضي العراقية منصة للاعتداء على دول الجوار، مع احتفاظها بحق الرد وفق قواعد الدفاع عن النفس.

أما الولايات المتحدة، فهي تنظر إلى الفصائل المسلحة الموالية لإيران باعتبارها تهديدا مزدوجا؛ فهي تستهدف القوات والمصالح الأمريكية من جهة، وتهدد استقرار شركاء واشنطن في الخليج من جهة أخرى. لذلك فإن أي عملية عسكرية مشتركة، أو حتى متزامنة، تحمل رسالة ردع تهدف إلى رفع تكلفة الهجمات المستقبلية، وإعادة رسم خطوط حمراء جديدة.

غير أن الردع العسكري لا يعني بالضرورة السعي إلى حرب واسعة، بل قد يكون محاولة لفرض معادلة جديدة تقوم على أن استهداف المنشآت النفطية سيقابل باستهداف البنية العسكرية للفصائل المنفذة.

ماذا تعني خسائر الحشد الشعبي؟

يصعب الوصول إلى أرقام دقيقة بشأن حجم الخسائر البشرية والمادية؛ بسبب تضارب الروايات بين المصادر الرسمية العراقية، والفصائل المسلحة، والتقارير الغربية. بيد أن المؤكد أن الضربات استهدفت مقار عمليات ومخازن ومواقع قيادية، وهي أهداف تعطي الأولوية لتقليص القدرات العسكرية أكثر من استهداف الأفراد وحدهم.

والأثر الحقيقي لهذه الضربات لا يقاس بعدد القتلى أو الجرحى فقط، وإنما بمدى تأثيرها في منظومة القيادة والسيطرة، وشبكات الطائرات المسيّرة، ومستودعات الذخائر، والبنية اللوجيستية التي تعتمد عليها تلك الفصائل.

لكن التجارب السابقة تشير إلى أن الفصائل العراقية غالبا ما تمتلك قدرة على إعادة الانتشار وتعويض الخسائر البشرية بسرعة نسبية، مستفيدة من تعدد تشكيلاتها وامتدادها الجغرافي.

ولذلك فإن الضربات العسكرية، مهما كانت مؤلمة، لا تؤدي وحدها إلى إنهاء التهديد ما لم تترافق مع إجراءات أمنية وسياسية عراقية تمنع استمرار استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات خارج حدودها.

مسار التقارب العراقي السعودي، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا في مجالات الاستثمار والطاقة والربط الكهربائي والتعاون الاقتصادي، قد يتعرض لاختبار حقيقي

بغداد بين ضغوط الداخل والخارج

إعلان

الحكومة العراقية تجد نفسها اليوم أمام أحد أكثر المواقف تعقيدا منذ سنوات.

فمن جهة، لا تستطيع القبول بأن تتحول أراضيها إلى منصة لاستهداف دولة مجاورة، لأن ذلك يمس سيادتها ويعرضها لعواقب سياسية وعسكرية واقتصادية.

ومن جهة أخرى، تواجه واقعا داخليا يتمثل في وجود فصائل تمتلك نفوذا سياسيا وعسكريا يصعب التعامل معه بقرارات أمنية تقليدية.

ولهذا جاء الموقف العراقي بإعلان فتح تحقيق في الهجمات، مع التأكيد على رفض استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الدول الشقيقة والصديقة، في محاولة للموازنة بين الالتزامات السيادية والضغوط الداخلية.

غير أن هذا التوازن سيصبح أكثر صعوبة إذا تكررت الهجمات أو توسعت الضربات العسكرية داخل العراق، لأن الحكومة ستكون مطالبة بإظهار قدرة فعلية على احتكار قرار استخدام القوة داخل أراضيها.

كما أن مسار التقارب العراقي السعودي، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا في مجالات الاستثمار والطاقة والربط الكهربائي والتعاون الاقتصادي، قد يتعرض لاختبار حقيقي. فإذا نجحت بغداد في منع تكرار الاعتداءات، فقد تستمر الشراكة الثنائية في التقدم، أما إذا بقيت الهجمات تتكرر، فإن الاعتبارات الأمنية ستفرض نفسها على حساب الأجندة الاقتصادية.

لماذا لا تريد طهران اندماج العراق عربيا؟

ينظر كثير من المحللين إلى العراق باعتباره إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة، ليس فقط بسبب الروابط الجغرافية والدينية، وإنما أيضا لأن العراق يمثل عمقا إستراتيجيا واقتصاديا وسياسيا لإيران في ظل العقوبات الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي توسع في انفتاح العراق على محيطه العربي يحدّ، بصورة أو بأخرى، من احتكار النفوذ الإيراني داخل البلاد.

السيناريو الأكثر ترجيحا ليس اندلاع حرب مفتوحة بين السعودية والعراق، فالعلاقات الرسمية بين البلدين لا تشير إلى ذلك، كما أن بغداد والرياض تمتلكان مصلحة مشتركة في استمرار التقارب السياسي والاقتصادي

لقد دعمت دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، خلال السنوات الماضية مسار إعادة دمج العراق في محيطه العربي عبر الاستثمار، والتعاون الاقتصادي، ومشروعات الطاقة والربط الكهربائي، وتشجيع الاستقرار السياسي، باعتبار أن ازدهار العراق يصب في مصلحة الأمن الإقليمي ككل.

وفي المقابل، ترى طهران أن الحفاظ على نفوذ الفصائل المسلحة يمنحها أدوات ضغط تتجاوز الساحة العراقية نفسها، لتصل إلى الخليج وسوريا ولبنان.

ومن هنا يمكن فهم محاولات بعض هذه الفصائل ربط الساحة العراقية بالصراعات الإقليمية الأوسع، بحيث يصبح العراق جزءا من معادلة الردع الإيرانية وليس مجرد دولة تسعى إلى حماية مصالحها الوطنية.

إلى أين يتجه التصعيد؟

السيناريو الأكثر ترجيحا ليس اندلاع حرب مفتوحة بين السعودية والعراق، فالعلاقات الرسمية بين البلدين لا تشير إلى ذلك، كما أن بغداد والرياض تمتلكان مصلحة مشتركة في استمرار التقارب السياسي والاقتصادي.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في استمرار الفصائل المسلحة في تنفيذ هجمات عابرة للحدود، بما يدفع إلى جولات متكررة من الضربات والضربات المضادة، وهو ما يحول العراق تدريجيا إلى ساحة مواجهة إقليمية بالوكالة.

ولهذا تبدو الأولوية اليوم في استعادة الدولة العراقية احتكار القرار الأمني، ومنع أي جهة غير رسمية من استخدام أراضيها للإضرار بدول الجوار؛ لأن نجاح بغداد في ذلك لن يحمي علاقتها مع السعودية وحدها، بل سيحمي أيضا مشروع استعادة العراق دوره العربي والإقليمي، ويمنع تحوله إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد