بين التوريط والتهديد.. ماذا حمل نتنياهو إلى ترمب بشأن إيران؟
الجزيرة.نت -

لم يكن اجتماع بنيامين نتنياهو ودونالد ترمب في البيت الأبيض، مساء 28 يوليو/تموز 2026، لقاء حليفين ينسقان الجولة التالية فقط، بقدر ما بدا اختبارا لحدود النفوذ بين رئيس وزراء إسرائيلي يحتاج إلى غطاء أمريكي قبل الانتخابات، ورئيس أمريكي يريد الاحتفاظ وحده بمفاتيح الحرب والتسوية.

وبين محاولة نتنياهو دفع الملف الإيراني إلى المقدمة، ورسائل ترمب العلنية بأنه لا يحتاج إلى معلومات إسرائيلية، برز سؤال اللقاء: هل جاء نتنياهو لتوريط واشنطن في ضربة جديدة، أم عاد بتهديد أمريكي موجّه إلى طهران وإليه معًا؟

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وقد استمر الاجتماع ساعة وعشرين دقيقة، وكان الثامن بين الرجلين منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض، لكنه اختلف عن سابقيه حيث لم يُعقد لقاء ثنائي يضم الرجلين وحدهما، ولم يُنظّم مؤتمر صحفي، ودخل نتنياهو من مدخل جانبي، بينما شارك كبار مسؤولي الإدارة، وبينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هغيسث، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية، والمبعوث ستيف ويتكوف.

استمر الاجتماع ساعة وعشرين دقيقة واختلف عن سابقيه (وكالة الأناضول)

ووصف البيت الأبيض اللقاء بأنه "إيجابي ومثمر"، لكن إغلاقه أمام الإعلام عكس رغبة أمريكية في ضبط الصورة ومنع نتنياهو من تحويله إلى منصة انتخابية، وذكرت "هآرتس"، في تقرير مشترك لمراسليها بن سامويلز وليزا روزوفسكي نُشر يوم اللقاء، أن نتنياهو سعى أسابيع للحصول على الدعوة، وأن واشنطن ألغت موعدا سابقا وانتظرت منه تقدما في غزة ولبنان قبل فتح أبواب البيت الأبيض.

ثمن فتح الأبواب

وجاء اللقاء بعد موافقة الكابينت، عقب أشهر من المماطلة، على إدخال قوة الاستقرار الدولية إلى نطاق محدود في رفح، وبالتزامن مع انسحاب إسرائيلي من قرية في جنوب لبنان ضمن مشروع تجريبي لانتشار الجيش اللبناني.

إعلان

واعتبرت "هآرتس" الخطوتين بادرة حسن نية، بينما ذهب الدكتور كوبي باردا، المحاضر في معهد حولون والباحث في معهد سياسات الشعب اليهودي، في مقاله المنشور بـ"يديعوت أحرونوت" يوم 28 يوليو/تموز، إلى أن نتنياهو دفع "بالعملة الصعبة" مقابل الاجتماع.

وتكشف هذه المعادلة تبدل ميزان العلاقة، فنتنياهو يرى مجرد انعقاد اللقاء إنجازا يبدد صورة الخلاف، لكن ترمب يعرف أن ضيفه يحتاج إلى دعمه قبل الانتخابات الإسرائيلية، ولذلك يستطيع ربط الدعم بتحركات عملية في غزة ولبنان، وربما بتعديل تركيبة الحكومة المقبلة بما يحد من قدرة بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير على تعطيل مشروع التطبيع الإقليمي.

وقبل ساعات من الاجتماع، وجّه ترمب أكثر عباراته إحراجا لنتنياهو حين قال في مقابلة مع "فوكس نيوز" "إنه يخبرني بهذا لأنه يريدني أن أكون متورطا"، مضيفا أن الولايات المتحدة تمتلك "أفضل كاميرات العالم" وتعرف ما يجري في منشأة جبل الفأس الإيرانية، وتساءل: لماذا أعلن نتنياهو معلوماته للعالم بدل نقلها سرًّا؟

ونقلت القناة الـ12، في تقرير نُشر يوم اللقاء للمراسل السياسي يارون أبراهام والصحفي الدبلوماسي باراك رافيد، عن مسؤول في البيت الأبيض أن كلام ترمب كان "رسالة قوية" ردا على تسريبات مكتب نتنياهو، أما "كان 11" فنقلت قوله: "بيبي يريد المشاركة، لكنني لا أعتقد أن ذلك ضروري".

خلاف على التوقيت

ووفق تقرير موريا أساروف، المراسلة السياسية في القناة الـ13، فقد قدم نتنياهو معلومات عن "عملية إعادة إعمار واسعة" تنفذها إيران بمساعدة دول أجنبية لبرنامجها النووي، ودفع باتجاه ضرب منشآت نووية أعيد تأهيلها وأهداف يمكن أن تزعزع النظام، لكن مسؤولا إسرائيليا قال لـ"آي 24 نيوز" إن ترمب يعرف الموقع واعتبره هدفا مشروعا "ولكن ليس الآن"، وإن الخلاف لا يتعلق بالهدف بل بالتوقيت.

يفضل نتنياهو ضربة حاسمة تمنع إيران من استعادة قدراتها، بينما تمنح إدارة ترمب المفاوضات فرصة (وكالة الأناضول)

ويفضل نتنياهو ضربة حاسمة تمنع إيران من استعادة قدراتها، بينما تريد إدارة ترمب منح المفاوضات فرصة وتدير تصعيدا مضبوطا، ويعزز هذا التباين ما نشرته "كان" عن وقف ترمب هجوما واسعا بعد تحذير مستشاريه من نقص الصواريخ الاعتراضية، في وقت يزيد فيه سكان إيران على 90 مليونا وتملك ترسانة صاروخية ضخمة، مما يجعل حرب الاستنزاف أكثر تكلفة مما تعرضه الخطابات السياسية.

تهديد تحت السيطرة

ومع ذلك، لم يأت ترمب برسالة تهدئة فقط، فقد توعد، إذا فشلت المفاوضات، بتدمير الجسور ومحطات الطاقة الإيرانية، وقال إنه يستطيع إسقاط الجسور خلال أقل من ساعة وتعطيل محطات الكهرباء في يوم واحد، وتمنح هذه اللغة نتنياهو مادة ردع، لكنها تبقي التنفيذ مشروطا بقرار ترمب وبفشل المسار الدبلوماسي، لا بتقدير إسرائيلي منفرد.

ويرى بن درور يميني، كاتب العمود المخضرم في "يديعوت أحرونوت"، في مقاله المنشور يوم اللقاء، أن معادلة "الهدوء مقابل الهدوء" تمنح إيران وقتا لمواصلة برنامجها دون رقابة أو قيود، محذرا من أن تهديدات ترمب قد تفقد صدقيتها، لكنه خلص إلى أن ضغط نتنياهو لاستئناف الحرب قد يرتد عليه، لأن فشل جولة جديدة سيعزز اتهامه بجر الولايات المتحدة إلى مواجهة لم تحقق أهدافها.

ضغط نتنياهو لاستئناف الحرب قد يرتد عليه حسب مراقبين (الفرنسية)
انتخابات تحت الضغط

والملاحظ أن اللقاء منح نتنياهو صورة يحتاج إليها داخليا، لكن الأرقام الأمريكية تكشف حدود فائدتها: فاستطلاع "الإيكونوميست/يوغوف" أظهر أن 49% من البالغين الأمريكيين يؤيدون اعتقاله بموجب مذكرات المحكمة الجنائية الدولية، مقابل 27% يعارضون و23% غير متأكدين؛ وترتفع النسبة إلى 74% بين ناخبي كامالا هاريس، مقابل 23% بين ناخبي ترمب.

إعلان

لذلك لم يعد القرب الشخصي من ترمب كافيا لإصلاح صورة نتنياهو أو ضمان حرية حركته، ويذهب جيل تماري، معلق الشؤون الأمريكية في القناة الـ13، إلى أن هذا أول لقاء يملي فيه ترمب النبرة كاملة فهو وحده يقرر هل تتجدد الحرب مع إيران ومتى وكيف، وعلى نتنياهو التكيف مع موقعه الجديد.

وفي الخلاصة لم ينجح نتنياهو في توريط ترمب فورا، لكنه أبقى الخيار العسكري حاضرا وحصل على تهديد أمريكي مشروط لإيران. وفي المقابل، حمل اللقاء تهديدا سياسيا لنتنياهو نفسه، بأن الدعم الأمريكي أصبح مرتبطا بتنازلات في غزة ولبنان وبالانسجام مع مشروع ترمب الإقليمي.

وهكذا خرج الطرفان بتوافق على منع القنبلة، وخلاف على الطريق؛ ترمب يملك ساعة القرار، ونتنياهو يحاول منعها من التحول إلى ساعة انتخابية ضده.



إقرأ المزيد