اليمن ساحة اختبار لمشروع إقليمي متآكل
الجزيرة.نت -

من المرجح أن تكون الحرب المقبلة في اليمن -إن اندلعت- اختبارا يتجاوز الجغرافيا اليمنية إلى بنية النظام الإقليمي، وبالذات إلى موقع النفوذ الإيراني في المنطقة. فمنذ تحول الحوثي من مليشيا محلية إلى أداة وظيفية ضمن "محور المقاومة"، بات مصير هذه الجماعة مرتبطا عضويا بمآلات المشروع الإيراني القائم على التمدد عبر الفاعلين غير النظاميين، من لبنان إلى العراق وصولا إلى البحر الأحمر.

ما يجعل الجولة القادمة مختلفة هو أن التحولات البنيوية في ميزان القوى لم تعد تميل لصالح إيران ووكلائها، بل أخذت تتراكم تدريجيا في اتجاه يرجح كفة الحسم لصالح الشرعية اليمنية وحلفائها.

ثمة شبه إجماع بين المراقبين على أن البيئة الداخلية في اليمن شهدت منذ مطلع العام تحولات تصب في مصلحة الحكومة الشرعية، بما يعيد تصحيح اختلالات سابقة مكنت الحوثيين، سواء بفعل دينامياتهم الداخلية أو نتيجة تشرذم معسكر الشرعية.

حين يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية بينما تتصاعد الجبايات، تتآكل "الشرعية الوظيفية" لأي سلطة، دينية كانت أم عسكرية.
هذا التآكل لا ينتج بالضرورة تمردا مباشرا، لكنه يسحب الغطاء الشعبي الصامت

تفكك العقد الاجتماعي والقبلي
أخطر ما يواجه الحوثي اليوم لا يقتصر على الضغطين السياسي والعسكري، بل يمتد إلى تصدع علاقته مع بيئته الحاضنة، وعلى رأسها القبيلة. فقد فرضت الجماعة نظام "المشرفين" كطبقة موازية للسلطة القبلية، حيث يُلحق مشرف بكل مؤسسة ومنطقة، وصولا إلى القرى، لمراقبة الولاء وتوجيه القرار.

هذا التحول لم يكن إجراء إداريا بقدر ما كان انقلابا على البنية الاجتماعية التقليدية التي كانت تُدار عبر شيوخ القبائل والأعراف المحلية. ونتيجة لذلك، جرى تقويض الزعامات القبلية التاريخية لصالح موالين جدد، غالبا من خارج النسيج الاجتماعي المحلي، ما ولد شعورا متزايدا بالإقصاء والإذلال.

إعلان

كما أدى تغول المشرفين إلى تآكل منظومة العدالة العرفية، بالتوازي مع تصاعد الجبايات والتجنيد القسري، وزج أبناء القبائل في جبهات بعيدة عن مناطقهم. هذه العوامل مجتمعة راكمت غضبا قبليا لم يعد قابلا للاحتواء، وبدأ يتجلى في أنماط متعددة من المقاومة: من رفض التجنيد، إلى تسريب المعلومات للجيش، وصولا إلى مواجهات محدودة.

هذا التصدع الداخلي يمثل نقطة ضعف بنيوية قد تكون أخطر من أي شيء آخر، بما فيها الخسائر الميدانية.

الانهيار المعيشي كعامل تفكك
يتكامل التصدع القبلي مع عامل معيشي لا يقل خطورة. فتوقف صرف الرواتب لسنوات، وتذبذب العملة، وتدهور الخدمات الأساسية، مع تراجع الدورة الاقتصادية أعاد تشكيل العلاقة بين الحوثي والسكان من ولاء أيديولوجي إلى علاقة استنزاف يومي.

حين يعجز المواطن عن تأمين احتياجاته الأساسية بينما تتصاعد الجبايات، تتآكل "الشرعية الوظيفية" لأي سلطة، دينية كانت أم عسكرية.
هذا التآكل لا ينتج بالضرورة تمردا مباشرا، لكنه يسحب الغطاء الشعبي الصامت، ويحول الحياد إلى حالة انتظار، والانتظار إلى استعداد للانفضاض أو حتى الانقضاض عند أول فرصة.

أحد أبرز الأخطاء الإستراتيجية للحوثيين تمثل في استهداف الملاحة الدولية. فبدلا من تحسين موقعهم التفاوضي، أدى ذلك إلى تدويل الصراع وتحويله إلى قضية أمن عالمي

تراجع التسليح واقتصاد الحرب والاختناق التدريجي

بعيدا عن ضجيج الجبهات، تتشكل معركة أقوى حسما: تفكيك شبكات التهريب والتسليح والجباية التي شكلت العمود الفقري لاقتصاد الحرب الحوثية.
هذه الشبكات، الممتدة عبر السواحل -الجنوبية والشرقية بالذات- لم تكن مجرد قنوات تسليح وإمداد لوجيستي فقط، بل منظومة تمويل متكاملة تغذي استمرار الصراع.

ومع تضييق هذه المسارات بسيطرة الحكومة على المحافظات الجنوبية يواجه الحوثي معضلة مركبة: تراجع إمدادات السلاح، تقلص الموارد المالية، وتصاعد الضغط الشعبي الناتج عن الجبايات التعويضية.

هذا النمط من الاختناق التراكمي غالبا ما يكون أسرع حسما من المواجهات المباشرة؛ لأنه يستهدف القدرة على الاستمرار لا مجرد السيطرة الميدانية.

توحيد المؤسسة العسكرية

يمثل توحيد القوات المسلحة الحكومية تحت مظلة مؤسسية خطوة نوعية بعد سنوات من التشتت والتشرذم الذي استغله الحوثي لإطالة أمد الحرب.
هذا التحول يعيد توجيه الموارد نحو هدف مركزي، ويحد من قابلية الاختراق والانقسام.

ويتقاطع ذلك مع تقارب سياسي-عسكري متزايد بين مكونات متباينة، خاصة في الجنوب، على قاعدة مشتركة هي رفض المشروع الإيراني. ورغم هشاشة هذا التقارب، إلا أن الإسناد اللوجيستي من التحالف يجعله كافيا للحفاظ على تماسك الجبهة في المرحلة الحاسمة.

البحر الأحمر وتدويل الصراع
أحد أبرز الأخطاء الإستراتيجية للحوثيين تمثل في استهداف الملاحة الدولية. فبدلا من تحسين موقعهم التفاوضي، أدى ذلك إلى تدويل الصراع وتحويله إلى قضية أمن عالمي.

الولايات المتحدة وأوروبا لم تعودا تنظران إلى اليمن كأزمة إنسانية بل كملف يمس أمن التجارة الدولية. والعطف الدولي السابق على الحوثي باعتباره جماعة محلية تراجع كثيرا بتحوله لأداة في المتراس الإيراني.

إعلان

هذا التحول يمنح الشرعية غطاء أوسع، ويعني أن أي تصعيد بحري سيقابل برد دولي متزايد، لا بمجرد مواقف دبلوماسية. ولقد تجلى ذلك بتأكيدات حوثية أن المستهدف في باب المندب هو الجار السعودي لا التجارة الدولية. وقد غاب عن الجماعة أن الرياض وصادراتها النفطية ركن ركين للاقتصادات الصناعية!

يمثل توحيد القوات المسلحة الحكومية تحت مظلة مؤسسية خطوة نوعية بعد سنوات من التشتت والتشرذم الذي استغله الحوثي لإطالة أمد الحرب

إيران ومخاطر التصعيد

تواجه إيران معضلة واضحة: التصعيد عبر الوكلاء لم يعد منخفض الكلفة كما كان. توسيع نطاق التهديد قد يستجلب تدخلا دوليا أكثر حزما، ويضع هؤلاء الوكلاء في مواجهة مباشرة مع تفوق عسكري نوعي.

في المقابل، يتعزز الردع الإقليمي خاصة مع تطور قدرات الدفاع الجوي الخليجية والتكامل العملياتي مع الشركاء الدوليين، ما يقلص هامش المناورة الإيرانية تدريجيا.

التحديات.. مسار مرجح لا حتمي
مع ذلك، يظل الحسم غير مضمون. فاختراق الجبهة الداخلية، خصوصا في الجنوب، عبر شبكات الولاءات المتداخلة، يمثل ثغرة قابلة للاستغلال.
معالجة هذا التحدي تتطلب مقاربة أمنية-قانونية تعيد تعريف الولاء على أساس الدولة لا الحزب أو الجغرافيا أو القبيلة.

كما يبقى احتمال توسيع الصراع عبر فصائل إقليمية ولائية قائما، وإن كان مكلفا سياسيا وعسكريا، خصوصا في العراق. حيث تسعى الدولة إلى حصر السلاح بيدها. وإن استمر فشل الحكومة العراقية وتواصل تدخل هذه الفصائل في صراعات منفصلة فقد يدفع هذا القوى الإقليمية والدولية لفتح ملف هذه المليشيات للنهاية بضربات الطيران (المجهول) أو بأدوات الخنق الاقتصادي والسياسي.

وعلى ضوء هذه المعطيات -تماسك نسبي لمعسكر الشرعية، دعم دولي متصاعد، تآكل داخلي في بيئة الحوثي، واختناق اقتصادي متدرج، وتراجع القوة الإيرانية- لا يعود انتصار الشرعية مجرد احتمال، بل هو مسار ترجحه ديناميكيات القوة على الأرض.

وإن تحقق، فلن يكون مجرد استعادة جغرافيا محلية، بل لحظة تأسيس لإعادة بناء الدولة اليمنية على أنقاض دورة صراع غذتها شبكات نفوذ عابرة للحدود. وربما تمتد لهندسة نظام إقليمي أكثر توازنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.



إقرأ المزيد