إنقاذ أم تراجع ديمقراطي؟ حصيلة 5 سنوات من إجراءات قيس سعيد
الجزيرة.نت -

تونس – بعد خمس سنوات على إعلان الرئيس التونسي قيس سعيّد الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/تموز 2021، تعود تونس إلى تقييم واحد من أكثر التحولات السياسية تأثيرا منذ ثورة عام 2011.

وكان الرئيس قد أعلن تجميد أعمال البرلمان وإعفاء رئيس الحكومة وتولي السلطة التنفيذية، مستندا إلى الفصل 80 من دستور عام 2014، في خطوة قال إنها تهدف إلى إنقاذ الدولة من حالة الشلل والصراع السياسي والفساد.

لكن الإجراءات التي قدمها الرئيس باعتبارها "تصحيحا للمسار" تحولت لاحقا إلى مشروع سياسي شامل أعاد تشكيل مؤسسات الدولة وطبيعة النظام السياسي، من خلال حل البرلمان، وإقرار دستور جديد عام 2022، وتغيير النظام الانتخابي، وإعادة تنظيم مؤسسات الحكم.

وبعد خمس سنوات، تتباين القراءات بشأن حصيلة هذا المسار. فبينما يرى أنصار الرئيس أنه أعاد للدولة قدرتها على اتخاذ القرار ووضع حدا لحالة الفوضى السياسية، يعتبر معارضوه أن الإجراءات الاستثنائية أدت إلى تركيز السلطة وإضعاف المؤسسات المنتخبة وتراجع الحريات العامة.

إعادة تشكيل النظام السياسي

كان أبرز أثر لإجراءات 25 يوليو إعادة رسم المشهد السياسي والمؤسساتي في تونس. فبعد حل البرلمان وإنهاء العمل بدستور عام 2014، أُقر دستور جديد عزز صلاحيات رئيس الجمهورية، وأعيد تشكيل البرلمان وفق نظام انتخابي يقوم على الترشح الفردي.

كما تم إنشاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم ضمن تصور سياسي جديد تقول السلطة إنه يمثل انتقالا نحو "ديمقراطية قاعدية".

ويرى مؤيدو هذا المسار أن النظام السابق تسبب في حالة من التعطيل بسبب الصراعات بين الرئاسة والأحزاب، وأن تركيز القرار كان ضروريا لإعادة فاعلية الدولة.

وفي هذا السياق، يقول حسام بن أحمد، ناشط سياسي مقرب من دوائر القرار، إن إجراءات 25 يوليو كانت "ضرورة قصوى لإنقاذ الدولة"، معتبرا أن التونسيين لا يستطيعون نسيان حالة التشظي التي عرفتها مؤسسات الدولة خلال سنوات الانتقال الديمقراطي.

إعلان

وأضاف بن أحمد للجزيرة نت أن تلك المرحلة اتسمت، وفق تقديره، بانهيار شمل مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية، معتبرا أن 25 يوليو مثلت "حدثا للإنقاذ" أعاد للدولة القدرة على التحرك.

وأوضح أن السلطة بعد ذلك اصطدمت بـ"حالة كارثية" على المستويات الاقتصادية والسياسية والإدارية، مشيرا إلى أن المواجهة مع ما وصفها بالمنظومة السابقة عطلت، بحسب رأيه، عملية الإنتاج والبناء.

في المقابل، يرى منتقدو الرئيس أن الأزمة السياسية لم تُحل بل تغير شكلها، وأن النظام الجديد قلص دور الأحزاب والمؤسسات الوسيطة، مما أثر في طبيعة الحياة السياسية.

ويقول الأمين العام لحزب الائتلاف الوطني ناجي جلول، إن الرئيس دخل المرحلة الجديدة "من دون برنامج سياسي واضح يمكن تقييمه"، مضيفا أن ما تحقق خلال السنوات الماضية لم يكن في مستوى الوعود التي قدمت.

ويعتبر جلول أن "تدمير الحياة السياسية والقضاء على الأجسام الوسيطة" يمثل أحد أكبر المخاطر التي تواجه تونس، لأن غياب القوى القادرة على تأطير المجتمع، وفق تقديره، قد يؤدي إلى انفلات أي حراك اجتماعي نحو الفوضى.

الإضراب الوطني جاء تتويجا لتحركات سابقة للمحامين في عدد من محاكم الجمهورية (الجزيرة)
القضاء.. صراع الاستقلالية والإصلاح

كان القضاء من أبرز الملفات التي شهدت تغييرات عميقة منذ 25 يوليو، وتحول من سلطة إلى مجرد وظيفة قضائية في منظور السلطة القائمة ومنظومتها القانونية والسياسية.

فقد تم حل المجلس الأعلى للقضاء وإحداث هيكل بديل، كما أعفي عشرات القضاة في خطوة قالت السلطة إنها تهدف إلى تطهير القضاء ومحاسبة الفاسدين. لكن جمعية القضاة التونسيين اعتبرت أن ما حدث يمثل "أخطر انتكاسة" لمسار استقلال القضاء منذ إعلان الجمهورية.

وقالت الجمعية إن حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب وتعويضه بهيكل مؤقت خاضع للتعيين، إلى جانب إعفاء 57 قاضيا وقاضية، مثل إخلالا بمبدأ الفصل بين السلطات وبالضمانات القانونية لاستقلال القضاء.

كما انتقدت الجمعية إدارة المسارات المهنية للقضاة من قبل السلطة التنفيذية، معتبرة أن ذلك أدى إلى المساس باستقلالية القضاة واستقرارهم المهني.

ولم تقتصر الانتقادات، وفق الجمعية، على المؤسسات القضائية، بل شملت أيضا العمل الجمعياتي للقضاة، مشيرة إلى الحكم الصادر ضد رئيسها أنس الحمادي بالسجن لمدة سنة على خلفية نشاطه الجمعياتي والدفاع عن استقلال القضاء.

كما دخلت المحاماة في مواجهة متصاعدة مع السلطة بسبب انسداد قنوات الحوار وتعقد عمل هيئات الدفاع داخل المحاكم. وخاض المحامون سلسلة إضرابات جهوية تكللت بإضراب وطني في يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على تجاهل وزارة العدل لمطالبهم، والمطالبة بإعادة الاعتبار للمحاماة واستقلالية القضاء.

في المقابل، تؤكد السلطة أن إصلاح القضاء كان مطلبا شعبيا وأن الإجراءات المتخذة تهدف إلى إعادة الثقة في المؤسسة القضائية وإنهاء ما تعتبره تراكمات من الفساد والتعطيل.

الإعلام والحريات العامة

بعد خمس سنوات من الإجراءات الاستثنائية، يبقى ملف الحريات وحرية الصحافة من أكثر الملفات إثارة للجدل. فقد شهدت الفترة الماضية ملاحقات قضائية طالت صحفيين وسياسيين ونشطاء، إضافة إلى تطبيق المرسوم 54 المتعلق بالجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات، وهو ما أثار انتقادات منظمات حقوقية ومهنية.

إعلان

ويقول نقيب الصحفيين التونسيين زياد دبار إن ما يتعرض له الصحفيون "لم يعد حالات معزولة، بل أصبح واقعا يطبع المشهد الإعلامي". وأضاف للجزيرة نت، أن تقييم واقع حرية الصحافة يجب أن ينظر إلى الجانب التشريعي والجانب التطبيقي، معتبرا أن هناك "إخلالا كبيرا" في المستويين.

وأشار دبار إلى وجود صحفيين داخل السجون على خلفية قضايا مرتبطة بالنشر والتعبير، قائلا إن تونس تشهد أحكاما سالبة للحرية ضد صحفيين وعشرات القضايا المرفوعة ضد العاملين في القطاع.

ويرى نقيب الصحفيين أن هذا الوضع يمثل محاولة لإخضاع العمل الصحفي وضرب استقلاليته، لأن دور الصحافة الأساسي هو ممارسة الرقابة على السلطة.

في المقابل، تؤكد السلطات أن تطبيق القانون لا يستهدف الصحفيين بسبب آرائهم، وإنما يهدف إلى مواجهة الأخبار الزائفة والجرائم الإلكترونية وحماية الأمن العام.

الواقع الاقتصادي

كان تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي أحد أبرز الوعود المرتبطة بمسار 25 يوليو. لكن بعد خمس سنوات، لا تزال تونس تواجه تحديات كبرى تشمل ضعف النمو، ارتفاع البطالة، تراجع الاستثمار، صعوبات المالية العمومية، واستمرار الضغوط الاجتماعية.

ويرى منتقدو الرئيس أن تركيز السلطة لم ينعكس على الوضع الاقتصادي، وأن غياب الإصلاحات الهيكلية عمق الأزمة.

وفي هذا السياق، انتقد ناجي جلول عددا من الإجراءات الاقتصادية، معتبرا أن بعض القوانين، ومنها قانون الشيكات وقانون العمالة العرضية، ساهمت في تعطيل نشاط المؤسسات الصغرى والناشئة وأثرت في حركة الإنتاج.

أما مؤيدو السلطة فيرون أن الأزمة الاقتصادية كانت سابقة على 25 يوليو، وأن الحكومة واجهت وضعا صعبا نتيجة تراكمات سنوات طويلة، إضافة إلى تأثيرات الأزمات العالمية.

تتقاطع الحصيلة السياسية مع تراجع اقتصادي مس مختلف نواحي الحياة (الجزيرة)
هل تحقق وعد بناء دولة أكثر فاعلية؟

بعد خمس سنوات، تبدو حصيلة مشروع قيس سعيّد محل خلاف سياسي عميق. فالسلطة وأنصارها يقولون إن مرحلة 25 يوليو أنهت حالة التعطيل وأعادت للدولة حضورها ووضعت أسس نظام سياسي جديد.

أما المعارضة ومنظمات مهنية وحقوقية فتعتبر أن المسار أدى إلى إضعاف المؤسسات المستقلة وتقليص المجال العام، دون تحقيق التحسن الاقتصادي والاجتماعي الذي انتظره التونسيون.

ويقول الصحفي والمحلل السياسي محمد صالح عبيدي إن الإجراءات الرئاسية الاستثنائية أعادت تونس، حسب تقديره، إلى "مربع ما قبل عام 2011" عبر تضييق الفضاء العام والعمل الحزبي وملاحقة السلطات المضادة باستخدام أدوات قانونية مثل المرسوم 54 وبعض فصول المجلة الجزائية.

ويضيف عبيدي أن السلطة بررت خياراتها بفشل تجربة الانتقال الديمقراطي، لكنها لم تتمكن خلال خمس سنوات من إنتاج قيمة مضافة اقتصادية أو اجتماعية، معتبرا أن التجربة لم تثبت أن وجود سلطة مركزية قوية يؤدي بالضرورة إلى تحقيق النمو.

وبين رواية "الإنقاذ" التي يقدمها أنصار الرئيس، ورواية "التراجع الديمقراطي" التي يطرحها معارضوه، يبقى السؤال الأساسي بعد خمس سنوات من 25 يوليو: هل نجح المشروع السياسي الجديد في بناء دولة أكثر قدرة على مواجهة أزماتها، أم أن تونس دخلت مرحلة جديدة من الأزمات بأدوات مختلفة؟



إقرأ المزيد