الجزيرة.نت - 7/29/2026 1:48:50 AM - GMT (+3 )
خصّ محمد بن جرير الطبري ثورة الزنج في تاريخه بأكثر من 200 صفحة، تفصيلا وعرضا لم تظفر بمثله ثورة أخرى في كتابه.
غير أن القارئ في هذه الصفحات قلما يمر باسم قائد الثورة مجردا من نعت؛ فهو "الخبيث" و"الخائن" و"الفاجر" و"الفاسق"، ورجاله "الفسقة".
وهو الإسهاب الذي يوحي بأن الحدث كان جللا، يحمل بين سطوره حكما صدر قبل أن تُروى الوقائع.
فهل كان في وسع مؤرخ عاش الحدث، وكتب من داخل الدولة التي ثار عليها الزنج، أن يرويه بتجرد؟ في الجواب عن هذا السؤال يكمن جوهر المسألة، لا في نزاهة الطبري التي لا يطعن فيها أحد.
كانت ثورة الزنج من أخطر ما ألمّ بالمجتمع الإسلامي في القرن الثالث الهجري، وأحد أكبر التحديات التي واجهت الخلافة العباسية.
اندلعت عام 255هـ/869م في عهد الخليفة العباسي المهتدي بالله، وتعاظم أمرها في عهد المعتمد على الله، واستمرت نحو 15 عاما قبل أن تخمد، بعد أن أزهقت عشرات الآلاف وقوّضت اقتصاد الدولة.
ولم تكن أولى صرخات الزنج؛ فقد عرفت أرض الجنوب العراقي حركات لهم منذ أيام عبد الله بن الزبير وأخيه مصعب، أخمدت يومها بالقوة. وقد تناولتها الجزيرة نت في تقرير سابق عن "انتفاضة الزنج" بوصفها أولى الثورات العمالية المسلحة في التاريخ الإسلامي.
قائدها علي بن محمد، المعروف بـ"صاحب الزنج"، شخصية حيّرت الباحثين في نسبها؛ فمنهم من جعله فارسيا من أهل الري، ومنهم من ساقه إلى الطالبيين، أي أهل بيت النبوة.
أما "الزنج" في تواريخ تلك المرحلة، فهم العبيد والإماء الذين كانوا يجففون السباخ (السماد) ويستصلحون الأرض في جنوب العراق تحت ظروف قاسية، لقاء قوت بالكاد يسد الرمق.
توجه صاحب الزنج أولا إلى هجر والأحساء في البحرين، ينشر دعوته إلى تحرير العبيد، فالتفّ حوله جمع منهم، وقيل إنه ادعى النبوة وعلم الغيب. ثم رحل إلى البصرة فاستمال العاملين في السباخ، وسيطر على المدينة، وامتد نفوذه إلى الأهواز وعبادان وواسط، حتى كادت ثورته تزلزل العرش العباسي.
إعلان
وحين تولى أبو أحمد الموفق، شقيق الخليفة المعتمد، قيادة الجيوش، اشتعلت معارك ضارية امتدت سنوات، انتهت بمقتل علي بن محمد عام 270هـ/883م.
ولد أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الطبري عام 224هـ/839م في إقليم طبرستان (شمالي إيران اليوم، على ساحل بحر قزوين). ارتحل في طلب العلم إلى الري وبغداد والكوفة والبصرة، ثم قصد مصر عام 253هـ فأخذ عن علمائها فقه مالك والشافعي، قبل أن يستقر ببغداد.
عُرض عليه القضاء فامتنع، وعُرضت عليه المظالم فأبى، زهدا في المناصب، وتوفي عام 310هـ/923م.
يصفه الخطيب البغدادي بأنه كان "حافظا لكتاب الله، عارفا بالقراءات، بصيرا بالمعاني"، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وعِلَلها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين وبأيام الناس وأخبارهم.
وله من التصانيف ما جعله إماما لمن أتى بعده، أولها "اختلاف علماء الأمصار"، وأشهرها تفسيره "جامع البيان في تأويل القرآن"، وتاريخه "تاريخ الأمم والملوك".
وبهذا التاريخ صار إمام المؤرخين بحق، لاستفاضته ومراعاته قدرا من الموضوعية في نقل الأحداث، حتى نهج المؤرخون من بعده نهجه وعملوا بهديه.
المؤرخ الأصليلكن هذه الموضوعية تتعثر عند ثورة الزنج. فالطبري، كلما عرض لصاحبها في تاريخه، نعته بالخبث والخيانة والفجور والفسق، ونعت رجاله بالفسقة، في أحداث الأعوام 255 إلى 270هـ من الجزء التاسع.
ولعل في توصيف الفيلسوف الألماني هيغل ما يفسر هذا الموقف؛ إذ يسمي "المؤرخ الأصلي" ذلك الذي يعاصر الحدث ويعايشه ويتأثر به، فيكتب عنه من داخله لا من فوقه.
والطبري عاصر ثورة الزنج، وتتبع أخبارها وهو يعيش في كنف الدولة العباسية، متأثرا بالرأي العام للمجتمع وللخلافة في ذلك الحين.
ولم يكن في وسع رجل بهذه الحال أن يعالج ثورة العبيد بتجرد. والأمر ليس مستجدا عليه؛ فقد ذكر في تاريخه أنه أغفل واقعة مكاتبة محمد بن أبي بكر معاوية بن أبي سفيان "خوفا من العامة". ومؤرخ يخشى عامة الناس في رواية حدث قديم، أحرى به أن يجاريهم في حدث يعيشه.
وقد تنبه إلى هذا الافتقار المفكر المصري محمد عمارة في كتابه "ثورة الزنج"، إذ عالجها بقدر من الإنصاف لم تنله من معاصريها، واستعرض أبرز ما تميزت به.
رأى عمارة أن ثورات الشيعة والمعتزلة والخوارج والموالي، وإن ظلمها خصومها، وجدت مع ذلك من ينصفها من أنصارها وكُتابها؛ أما ثورة الزنج فإنها "تكاد تنفرد بالافتقار إلى المؤرخ المنصف أو المحايد"، فضلا عن النصير.
من الزنج إذن، وهل هم الأفارقة حقا؟ تكاد معاجم العربية تجمع على أصلهم الأفريقي.
ففي "معجم المعاني الجامع" أن الزنج جيل من السودان يتميز بالبشرة السوداء والشعر الجعد، تمتد بلادهم من المغرب إلى الحبشة.
وفي "القاموس المحيط" و"مختار الصحاح" أنهم جيل من السودان، وأحدهم زنجي. وقد أطلق العرب الاسم على العناصر السود الوافدة من الأقطار الأفريقية.
ويمضي الدكتور فيصل السامر في كتابه "ثورة الزنج" إلى أن أفريقيا الشرقية، وبخاصة سواحلها، كانت مورد النخاسين المسلمين للعبيد السود.
إعلان
فمع ازدهار الحركة التجارية على سواحل الخليج في العصر العباسي، نشأت علاقات مع مدغشقر وشرق أفريقيا، وقامت على السواحل مستوطنات عربية وإسلامية في لامو ومومباسا وزنجبار وموزمبيق، ومنها جُلب العبيد إلى جنوب العراق.
ولم يكن هؤلاء كتلة واحدة، بحسب السامر؛ فمنهم غلمان "الشورجية" العاملون في الملح، و"الفراتية" الذين سكنوا فرات البصرة، و"النوبة" المجلوبون من بلادهم، وكان هؤلاء والفراتية أشد جند صاحب الزنج بأسا. ومنهم "الزنوج الخلص" الذين كانوا يجهلون العربية، حتى اضطر علي بن محمد إلى الاستعانة بالمترجمين ليخاطبهم. وهي تفصيلة تفضح حجم الهوة التي عبرها هؤلاء المنبتون من بلادهم ليصيروا جيشا.
تهمة الباطنيةولئلا يحمل هذا الكلام على التحامل على الطبري، وهو شخصية محترمة يعتمد عليها في الأبحاث، يحسن أن نتذكر أنه لم يكن "مثقف سلطة". فقد حاربه كثيرون، وشنع عليه الحنابلة خاصة، واتهموه بالتشيع والباطنية، حتى منع عوامهم دفنه نهارا فووري في داره. ورجل رفض القضاء وزهد في المناصب، وعومل هذه المعاملة، يبعد أن يقال فيه إنه كتب ما كتب تزلفا.
غير أن ما جرى على الطبري لا يصحح موقفه من صاحب الزنج وأتباعه؛ فوصفهم بالخبث والفسق حكم لا تسنده محنته الشخصية، ولا يلزم منه أنهم كانوا كذلك.
أما ما يثار من احتمال كون الثائرين باطنيين، فيرده سؤال: إن صح ذلك، أكان عليهم أن يرضوا العيش تحت خلافة صارت يومها أسيرة النفوذ التركي، تحت نير الذل؟ وهل تحرم الباطنية على أصحابها الثورة على ظلم اجتماعي واقع؟ ثم إن المراجعة في كثير من الأبحاث، ومنها رسالة "حركة الزنج وأثرها على الخلافة العباسية" لحسين نصر الدين، لا تظفر بدليل صريح على أن أصحاب ثورة الزنج كانوا باطنية.
قد تبقى إشكاليات حول نسب علي بن محمد وأصله، أفارسيا كان أم طالبيا، لكنها لا تنقض أن ثورته كانت صرخة في وجه قهر اجتماعي طويل.
أما الطبري، فقد ترك لنا 200 صفحة عن الزنج، هي أوفى ما كتب عنهم وأبعده عن إنصافهم في آنٍ. وتلك مفارقة ثورة لم تجد من يرويها إلا من خافها: حضرت في التاريخ بأدق تفاصيلها، وغابت عنه بأعدل أحكامها.
إقرأ المزيد


