العراق في معركة شد الحبل بين واشنطن وطهران.. هل انتهى النفوذ الإيراني؟
الجزيرة.نت -

تتناول دراسة "العراق في لعبة صراع القوة والنفوذ بين إيران والولايات المتحدة"، للباحث العراقي إياد العنبر، محاولات رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الموازنة في علاقات العراق مع الولايات المتحدة وإيران، وتجنب الاستقطاب الحاد الذي تفرضه الحرب الراهنة في المنطقة، وما تواجهه هذه المحاولات من تحديات داخلية وخارجية.

وتنطلق الدراسة من أن الصراع الأمريكي-الإيراني على العراق ليس جديدًا، وإنما دخل مرحلة مختلفة بعد عام 2003، عندما أسقطت القوة العسكرية الأمريكية نظام صدام حسين، بالتزامن مع صعود نفوذ سياسي إيراني أخذ يترك أثره بصورة واضحة في تشكيل النظام السياسي العراقي.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

وترى الدراسة أن الولايات المتحدة أسهمت في فتح المجال أمام تمدد النفوذ الإيراني، لأنها لم تمتلك بعد إسقاط نظام صدام حسين مشروعًا واضحًا لمرحلة ما بعد 2003، بينما تعاملت إيران مع تغيير النظام بوصفه فرصة لإعادة بناء مجال أمنها القومي وتوسيع نفوذها.

وتذهب الدراسة إلى أن طهران عملت على إبقاء العراق دولة هشة يحكم نظامها السياسي عدد من مراكز القوة التي يمكن التأثير في قراراتها، في حين أسهم الفاعلون الرسميون وغير الرسميين في العراق في استمرار غموض العلاقة مع الولايات المتحدة والتماهي مع المشروع الإيراني.

غير أن هذا النموذج، بحسب الدراسة، بدأ يتعرض لتحولات عميقة، ولاسيما بعد "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما تبعه من تغيرات إقليمية قلصت مساحة نفوذ "محور المقاومة" الذي قادته إيران على مدى عشرين عامًا.

وتضع الدراسة سقوط نظام بشار الأسد في سوريا ضمن أبرز مظاهر هذا التراجع، لكنها تعيد بداية انحسار بعض أشكال التدخل الإيراني المباشر في العراق إلى اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس مطلع عام 2020، عندما بدأ حضور الحرس الثوري في التفاصيل المباشرة لتشكيل الحكومات واختيار كبار المسؤولين يتراجع مقارنة بما كان عليه سابقًا.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (يسار) والرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان يجتمعان في طهران (رويترز)
تغير قواعد اللعبة بين إيران وأمريكا

تؤكد الدراسة أن إيران ما زالت تملك مفاتيح متعددة للنفوذ داخل العراق، ولا تحصرها في المجال السياسي أو العسكري، بل تمتد إلى المجال الاجتماعي والرمزي.

إعلان

وتقرأ في إصرار إيران على تشييع المرشد الأعلى الراحل، علي خامنئي، في النجف وكربلاء محاولة لتكريس رمزية الحضور الإيراني اجتماعيًا وسياسيًا، لا دينيًا فقط، خصوصًا أن تشييع المرجعيات المتوفاة خارج العراق في المدينتين ليس قاعدة ملزمة أو ممارسة عامة، بما يمنح اختيار المكان دلالة سياسية تتجاوز الطقس الديني.

وترى الدراسة أن العراق بالنسبة إلى إيران ليس مجرد منطقة نفوذ، وإنما مرتكز أساسي في تصورها لأمنها القومي؛ ولذلك يصعب عليها التخلي عن حضورها فيه حتى بعد التغيرات التي أصابت خريطة القوة في المنطقة.

فإيران التي فقدت جانبًا من توازن الردع الذي بنت عليه إستراتيجيتها خلال العقدين الماضيين تسعى إلى الحفاظ على ما تبقى من مناطق نفوذها في العراق ولبنان واليمن، حتى مع تغير خطابها الدبلوماسي وابتعاده عن النبرة التي كانت تؤكد "وحدة الساحات" وأن القرار يصنع في إيران ويعلن في عواصم "محور المقاومة".

وتستدل الدراسة على استمرار هذا التوجه برسالة مجتبى خامنئي بعد انتهاء مراسم تشييع والده، التي أعادت التأكيد على ضرورة الانتقام، وأن "أحرارًا من أنحاء العالم" سيؤدون جزءًا من مهمة الانتقام من قتلة المرشد الراحل وبقية القتلى. وبذلك ترى الدراسة أن تراجع القدرة الإيرانية لا يعني التخلي عن أدوات النفوذ أو عن التصور الذي يمنح الساحات الخارجية وظيفة في الأمن الإيراني.

لكن قواعد التنافس الأمريكي-الإيراني في العراق تغيرت أيضًا من الجانب الأمريكي، ولاسيما مع عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

فخلال حكومة محمد شياع السوداني، كانت السفارة الأمريكية في بغداد تؤدي الدور الأبرز في إدارة العلاقة، وكانت السفيرة إلينا رومانويسكي تتحرك ضمن سياسة تتعامل مع القوى الفاعلة بوصفها واقعًا سياسيًا، حتى عندما كانت واشنطن تعد بعضها أذرعًا للنفوذ الإيراني. وترى الدراسة أن هذه السياسة سعت إلى التعامل مع الأطراف الفاعلة بعيدًا عن هيمنة المركز الإيراني، وإحراج القوى التي ترفع شعار العداء لأمريكا من خلال التعامل السياسي معها بدل استبعادها.

ومع ولاية ترمب الثانية، تغير هذا النهج وأصبحت السياسة الأمريكية أكثر مباشرة؛ إذ صدرت مواقف واضحة من وزير الخارجية والقائم بأعمال السفارة في بغداد ضد إقرار قانون الحشد الشعبي، وضد مشاركة الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في الحكومة، ثم عُين مبعوث خاص للرئيس الأمريكي في العراق، وصولًا إلى رفض ترمب تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2025. وبذلك انتقلت واشنطن، وفق الدراسة، من إدارة التوازنات العراقية والتعامل معها بوصفها واقعًا إلى محاولة التأثير المباشر في شكل السلطة وحدود مشاركة القوى المرتبطة بإيران فيها.

تضع الدراسة تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة في قلب المرحلة الجديدة من الصراع على النفوذ.

فعلى خلاف رفض ترمب تكليف نوري المالكي، بادر الرئيس الأمريكي بعد يومين من تكليف الزيدي إلى تهنئته، متمنيًا له النجاح في تشكيل حكومة "خالية من الإرهاب"، ووصف التكليف بأنه بداية فصل جديد في العلاقات العراقية-الأمريكية يقوم على الازدهار والاستقرار والنجاح، ودعاه إلى زيارة واشنطن بعد تشكيل حكومته.

إعلان

وترى الدراسة أن الزيدي، القادم من مجال الأعمال والاقتصاد إلى السياسة، استطاع تمرير حكومته عبر موازنة دقيقة بين الضغوط الأمريكية ومطالب القوى الداخلية، فاستجاب للرفض الأمريكي لمشاركة عناوين الفصائل المسلحة ذات التمثيل السياسي في الإطار التنسيقي داخل التشكيلة الحكومية، وفي الوقت نفسه نجح في منع هذه الفصائل من تعطيل تشكيل الحكومة، من خلال إبقاء احتمال مشاركتها في المرحلة الثانية المتعلقة باستكمال الوزارات الشاغرة.

وتعتبر الدراسة تشكيل حكومة الزيدي من أهم المؤشرات على انسحاب إيران من أحد الملفات التي كانت تتدخل فيها بصورة مباشرة، وهو تشكيل الحكومة العراقية.

فقد تحولت بعض الفصائل المسلحة ذات التمثيل السياسي إلى أذرع سياسية لإيران بعد أن حصلت على حضور معتبر في البرلمان وحكومة السوداني وانتخابات 2025، وبدأ بعضها يناور بقبول نزع السلاح مقابل الحفاظ على موقعه السياسي، لكن طهران لم تتدخل هذه المرة لفرض مشاركتها في الحكومة أو ضمان حصتها من الوزارات.

وتقرأ الدراسة زيارة توم باراك، مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص إلى العراق وسوريا، للزيدي في منتصف يونيو/حزيران باعتبارها رسالة إسناد أمريكية للحكومة الجديدة.

وتركزت المباحثات على مستقبل الشراكة بين بغداد وواشنطن، وحصر السلاح بيد الدولة، والخطط العراقية لنزع السلاح وحل الجماعات والتشكيلات المسلحة العاملة خارج سلطة الدولة، إلى جانب استثمارات الشركات الأمريكية في النفط والكهرباء. وهي الملفات نفسها التي حضرت في لقاء الزيدي وترمب في البيت الأبيض منتصف يوليو/تموز.

وعشية الزيارة، حدد الزيدي في مقال نشرته "واشنطن بوست" بعنوان "لماذا أتوجه إلى واشنطن؟" هدفه بنقل العلاقة بين البلدين "من إدارة الأزمات إلى خلق الفرص".

وتلفت الدراسة إلى دلالة اختيار واشنطن أول محطة خارجية له، خلافًا لرؤساء حكومات سابقين كانت طهران أو دول الجوار تتقدم محطاتهم الخارجية، بما يعكس تغيرًا في ترتيب الأولويات السياسية للحكومة الجديدة.

دونالد ترمب (يمين) يتحدث خلال اجتماع مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (يسار) بالبيت الأبيض (وكالة الصور الأوروبية)
من واشنطن إلى طهران

غير أن الدراسة لا ترى في التقارب مع واشنطن انتقالًا عراقيًا بسيطًا من محور إلى آخر، بل تعتبر تحركات الزيدي تجسيدًا لتعقيدات الجغرافيا والمصالح التي تحكم علاقة العراق بالقوتين.

وتختصر هذه المفارقة في مشهد حضوره مراسم تشييع علي خامنئي، الذي قتل في القصف الأمريكي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، ثم ذهابه بعد أيام إلى البيت الأبيض ومصافحته ترمب بحرارة، قبل أن يعود إلى بغداد ويتوجه إلى طهران.

وبالنسبة إلى الدراسة، لا تكشف هذه الحركة بين واشنطن وطهران حتى الآن عن إستراتيجية عراقية مكتملة لإدارة العلاقة مع الطرفين.

فالحكومة مطالبة بالتعامل مع منظومة أمنية هجينة تتنازعها الخلافات الداخلية وتفتح المجال للتدخلات الخارجية، بينما أصبح الجانب الإيراني نفسه أكثر تعقيدًا بعد الحرب، في ظل ما تراه الدراسة انقسامًا في إدارة السياسة الخارجية بين الحرس الثوري والممثلين الرسميين للنظام.

وتتمثل المهمة التي يواجهها الزيدي في محاولة إقناع واشنطن وطهران بأن العراق ينبغي أن يكون نقطة التقاء للمصالح لا ساحة للصراع، لكن تحقيق ذلك يصطدم بتعدد الأحزاب والجهات التي تنازع الدولة قرارها الخارجي.

وتربط الدراسة هذه الظاهرة بملامح الدولة الفاشلة التي يرفض الزيدي أن ينتهي إليها العراق.

وفي المقابل، تظهر المواقف الأمريكية والإيرانية تباينًا كبيرًا. فترمب وصف العلاقة مع العراق بأنها انتقلت من وضع "ليس جيدًا" إلى وضع "ممتاز للغاية"، وتحدث عن علاقة طويلة الأمد.

إعلان

وعلى الجانب الإيراني، تداولت وسائل التواصل رسالة منسوبة إلى علي أكبر ولايتي تنتقد زيارة الزيدي للولايات المتحدة وتصفها بأنها جاءت في غير وقتها وأضرت بـ"جهاد الشعب العراقي".

وعلى الرغم من أن الدراسة تشير صراحة إلى عدم التأكد من صحة الرسالة، فإنها ترى أن مضمونها يعبر عن اتجاه موجود في النظرة الإيرانية إلى علاقة بغداد بواشنطن، ولاسيما مع اختيار الزيدي واشنطن قبل طهران.

الحياد الموهوم

تذهب الدراسة إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تنجح في تفكيك التعقيد الذي يحكم العلاقة مع أمريكا وإيران، ولا في إخراج العراق من الاستقطابات الأيديولوجية للصراعات الإقليمية. ولهذا يصبح التحدي أمام الزيدي أكبر من مجرد الحفاظ على علاقات جيدة مع الطرفين.

وترى الدراسة أن رسالته الأولى إلى صناع القرار الأمريكيين ينبغي أن تتمثل في ضرورة عدم التعامل مع العراق باعتباره خط مواجهة مع إيران، والتخلي عن الاعتقاد بأن حكومة عراقية مقربة من واشنطن تستطيع أداء هذه الوظيفة. وبدلًا من ذلك، ترى أن دعم الاستقرار والاقتصاد العراقيين يحقق مصالح البلدين، ويمنح الحكومة قدرة أكبر على إعادة هندسة علاقتها مع طهران بعد الحرب الأمريكية-الإيرانية. ويمكن أن يبدأ ذلك، وفق الدراسة، بحصر التعامل العراقي مع إيران في القنوات الدبلوماسية الرسمية، قبل الانتقال إلى ملف سلاح أذرعها في الداخل.

وفي المقابل، تحذر الدراسة من الرهان على أن تراجع "محور المقاومة" سيؤدي تلقائيًا إلى انكفاء إيران داخل حدودها وتخليها عن إستراتيجيتها الإقليمية، بما يسمح للعراق بفك ارتباطه بها بسهولة. فطهران، بحسب الدراسة، لن تتقبل خسارة نفوذها في العراق، وقد تضحي ببعض الفصائل المسلحة كما خسرت نفوذها في سوريا، لكنها قد تقبل تقليص النفوذ لا إنهاءه، بشرط الحفاظ على منافذها الاقتصادية في العراق.

أما العلاقة مع الولايات المتحدة، فتحتاج هي الأخرى إلى إعادة تعريف؛ لأن صيغة "الأصدقاء-الأعداء" لم تعد مقبولة لدى إدارة ترمب. والتحول إلى شراكة إستراتيجية يتطلب إجراءات تتعلق بالسلاح الذي يهدد الوجود والمصالح الأمريكية، وبكيفية التعامل مع النفوذ الإيراني وأدواته. وتلخص الدراسة المعادلة الأمريكية بأن العراق يستطيع أن يكون صديقًا لطهران وشريكًا إستراتيجيًا لواشنطن، لكنه لا يستطيع أن يكون شريكًا إستراتيجيًا مع طهران وواشنطن في الوقت نفسه.

غير أن المشكلة تتجاوز إرادة الحكومة إلى القوى السياسية العراقية التي تربط مواقفها من الولايات المتحدة بتطور العلاقة بين واشنطن وطهران، وتتماهى مع التوتر أو التهدئة بينهما ومع التطورات الإقليمية. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما تنظر طهران إلى العراق بوصفه الساحة الأكثر قدرة على حمل رسائلها إلى الولايات المتحدة، سواء كانت رسائل تهدئة أو تصعيد.

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يلتقي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)
عقدة السلاح وشبكات النفوذ

تضع الدراسة السلاح خارج الدولة في قلب المعضلة التي تواجه حكومة الزيدي. فإدارة التنافس بين إيران وأمريكا لا تتحدد بقرارات الحكومة وحدها، وإنما بشبكة النفوذ الإيراني داخل القوى السياسية والجماعات المسلحة، في مقابل قدرة الولايات المتحدة على الضغط على حكومة بغداد والتأثير في خياراتها.

وتوضح الدراسة أن واشنطن تتعامل مع الملفات التي تعدها ضرورية لفصل مناطق النفوذ العراقي عن طهران من خلال الضغط المباشر، لكن إنهاء النفوذ الإيراني لا يمكن أن يتم بقرار تنفيذي أو مرسوم؛ لأنه يقوم على شبكة متداخلة من المصالح والعلاقات والقوى تتجاوز العلاقات الرسمية بين الدولتين. فإذا كانت أذرع النفوذ السياسي والعسكري واضحة نسبيًا، فإن الشبكات الاقتصادية الخلفية أكثر تعقيدًا، ولاسيما ما يتعلق بما تصفه الدراسة بمافيات تهريب الدولار والنفط، وهي شبكات لا يمكن إعادة رسم العلاقة العراقية-الإيرانية من دون مواجهتها.

وتتوقع الدراسة أن تدخل إيران بعد الحرب مرحلة جديدة في صياغة علاقتها بمحيطها، لكنها تستبعد أن تقبل بفك ارتباط العراق بمنظورها للأمن القومي؛ فالتاريخ والجغرافيا، في قراءة الدراسة، يجعلان ذلك غير ممكن. وقد تقبل طهران بتراجع نفوذها السياسي مقابل الحفاظ على الارتباط الاقتصادي الذي تراه الدراسة ضروريًا لها لتجنب الانهيار، بينما تبقى العقدة الأكبر في القوى المسلحة التي تمثل نفوذها داخل العراق.

إعلان

وتزداد هذه المسألة تعقيدًا بعد اغتيال علي خامنئي وعدم وضوح الوزن السياسي لخليفته مجتبى خامنئي في صناعة القرار الإيراني، مع توقع استمرار تأثير الحرس الثوري. ومن هذه الزاوية، ترجح الدراسة أن يستمر النظر الإيراني إلى العراق بوصفه "ساحة" ضمن إستراتيجية "محور المقاومة" و"وحدة الساحات"، وهو ما يجعل مستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في مواجهة مباشرة مع مشروع حكومة الزيدي لحصر السلاح.

ولا تقف المشكلة عند وجود هذه الفصائل، وإنما عند قدرتها على المبادرة بعيدًا عن قرار الحكومة؛ إذ تشير الدراسة إلى إطلاق الصواريخ والمسيرات من وقت إلى آخر باتجاه القنصلية الأمريكية في أربيل ودول الخليج، باعتبار ذلك تعبيرًا عن استمرار وجود قوى تستطيع التدخل في قرار الحرب والسلم وإرسال رسائل سياسية وأمنية من الأراضي العراقية من دون أن تكون الحكومة صاحبة القرار الوحيد.

ولهذا ترى الدراسة أن تحويل العراق إلى نقطة تقاطع للمصالح بدلًا من ساحة للصراع يحتاج أولًا إلى ترتيب البيت السياسي العراقي من الداخل، ثم تفعيل الاقتصاد ليصبح أساسًا لشراكات بين الأطراف المتنافسة بدل الهيمنة. فالموازنة بين واشنطن وطهران لا يمكن أن تنجح ما دامت جهات وأحزاب وزعامات متعددة تصادر جانبًا من القرار الخارجي للدولة، وما دام السلاح غير الرسمي قادرًا على فتح جبهات أو استهداف مصالح ودول خارجية.

استقبال الزيدي في طهران (رويترز)
"العراق أولًا"…من الشعار إلى السياسة

تخلص الدراسة إلى أن التحولات الراهنة تتيح للعراق فرصة أكبر من السابق لتحويل شعار "العراق أولًا" من خطاب يردد في اللقاءات والمحافل إلى سياسة فعلية تحكم علاقاته الخارجية. لكن الاستفادة من هذه الفرصة تظل مرهونة بقدرة الحكومة على بناء سياسة تنطلق من مصلحة العراق، وبقدرة القوى السياسية على التعايش مع واقعه بعيدًا عن استقطابات الخارج.

وفي الوقت نفسه، تطالب الدراسة القوى الإقليمية بإدراك أن إقصاء العراق أو إبقاءه دولة فاشلة لا يحمي مصالحها، بل قد يحوله إلى ساحة تهدد هذه المصالح. كما ترى أن بغداد ينبغي أن تتجاوز سياسة ردود الأفعال التي تكشف غياب رؤية إستراتيجية ممتدة، وأن تبني علاقاتها الإقليمية على أساس الشراكة والتكامل، مستفيدة من المقومات التي يمتلكها العراق، ولاسيما الاقتصادية، لتوفير أوراق تساعده أيضًا على معالجة مشكلات المياه والأمن مع دول الجوار.

وفي النهاية، تعيد الدراسة المشكلة إلى القرار العراقي نفسه. فالقوى العربية الإقليمية، بحسب الباحث، تريد رؤية عراق مختلف عن الماضي القريب، لكن السؤال الذي لم يُحسم بعد هو ما الذي تريده القوى الحاكمة في العراق: هل تريد دولة فاعلة تتفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي انطلاقًا من مصالحها، أم تريد استمرار العراق ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية وتستعرض نفوذها؟

وترى الدراسة أن الإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن تصبح البوصلة التي تحدد السياسة الخارجية لحكومة علي الزيدي. فالتحدي ليس في اختيار واشنطن بدل طهران أو طهران بدل واشنطن، وإنما في استعادة الدولة العراقية القدرة على تحديد مصالحها وقرارها الخارجي، بما يسمح لها بإدارة علاقتها بالقوتين من موقع الدولة، لا من موقع الساحة التي يتصارع الآخرون عليها.


الدراسة كاملة (اضغط هنا)



إقرأ المزيد