الجزيرة.نت - 7/27/2026 11:42:36 PM - GMT (+3 )
لم تكن إيميلي ويلسون تتوقع أن يغيّر فيلم واحد مسار علاقتها المهنية بإحدى أقدم الملاحم الأدبية التي كرّست لها سنوات من حياتها، فقد كان عرض فيلم "الأوديسة" (The Odyssey) سببا مباشرا في القفزة الكبيرة التي أوصلت ترجمتها الإنجليزية للملحمة في قوائم الكتب الأكثر مبيعا.
لكن ويلسون وجدت نفسها أيضا في قلب واحدة من أكثر المعارك الثقافية سخونة هذا العام؛ فالفيلم، الذي حقق عرضه الافتتاحي إيرادات تجاوزت 260 مليون دولار ونال إشادات واسعة من النقاد والجمهور، لم يكتف بإعادة تقديم الملحمة إلى جمهور معاصر، بل فتح نقاشا حول حرية الاقتباس وحدود الوفاء للنص الأصلي.
وتقف ويلسون، أستاذة الدراسات الكلاسيكية في جامعة بنسلفانيا، في قلب هذا النقاش؛ فهي صاحبة الترجمة التي أعلن نولان اعتماده عليها خلال إعداد السيناريو، وليست مجرد ناقدة للفيلم.
ورغم هذا الاعتراف، كتبت ويلسون في مقال نشرته مجلة تايم (Time) أنها خرجت من قاعة السينما بشعور لم تتوقعه، وقالت: "لم يصل إليّ أثره العاطفي إطلاقا".
وقالت، بعد مشاهدة الفيلم في فيلادلفيا، إن مشهد عودة أوديسيوس إلى زوجته بينيلوبي وابنه تيليماخوس بعد عشرين عاما من الغياب فقد كثيرا من أثره العاطفي على الشاشة. وترى أن السبب لا يعود إلى التمثيل أو الإمكانات الإنتاجية، بل إلى الكتابة نفسها؛ إذ تعتقد أن شخصيات الفيلم لم تحصل على العمق الإنساني الذي منحها إياه هوميروس قبل نحو ثلاثة آلاف عام.
لماذا ترى ويلسون أن نولان فقد جوهر أوديسيوس؟تؤكد ويلسون في مقالها بمجلة تايم أن اعتراضها لا يتعلق بحذف مشهد هنا أو إضافة آخر هناك؛ فكل اقتباس سينمائي، في رأيها، يملك حق إعادة التأويل. لكنها ترى أن المشكلة تكمن في أن نولان غيّر الشخصية المركزية التي تقوم عليها الملحمة بأكملها.
وتوضح أن أول وصف يطلقه هوميروس على أوديسيوس هو كلمة "بوليتروبوس" (Polytropos)، وهي من أكثر كلمات اليونانية القديمة تركيبا، ويصعب اختزالها في مقابل واحد.
إعلان
وتشير الكلمة إلى رجل متعدد الوجوه والحيل، قادر على تغيير هويته والتكيف والمراوغة. لكن الفيلم، بحسب ويلسون، يقدم شخصية مختلفة تماما؛ فأوديسيوس، الذي يؤديه مات ديمون، يظهر رجلا مثقلا بالذنب وذكريات الحرب، لا بطلا ينتصر بالحيلة والذكاء كما عند هوميروس.
وتستشهد بمشهد بوليفيموس، حين يخبر أوديسيوس العملاق أن اسمه "لا أحد"، ثم يصيبه بالعمى. وحين يستغيث بوليفيموس صارخا: "لا أحد يؤذيني"، يظن جيرانه أنه بخير وينصرفون.
وترى ويلسون أن حذف هذه الحيلة حرم الفيلم من مفتاح أساسي لفهم بطل يعيش خلف الأسماء والأقنعة، كما تصف المشهد بأنه من أقدم النكات الأدبية في التاريخ، وفي الوقت نفسه واحد من أكثر المشاهد كشفا عن طبيعة أوديسيوس.
شخصيات فقدت عمقهاترى ويلسون أن شخصيات كثيرة تحولت في الفيلم إلى أدوات للسرد، بعدما كانت في الملحمة تمتلك دوافع وتاريخا مستقلين. وتقول إن الطرواديين بدوا بلا ملامح، وإن بوليفيموس ظهر كدمية ضخمة، بينما اقترب أنتينوس، رغم أداء روبرت باتينسون، من نموذج "الشرير الكرتوني".
ومن الأمثلة التي تستشهد بها شخصية كاليبسو، التي تقع في حب أوديسيوس وتحتجزه في جزيرتها سبع سنوات. ففي الفيلم تقدم كاليبسو، التي تؤدي دورها تشارليز ثيرون، أزهار اللوتس إلى أوديسيوس لمساعدته على نسيان آلامه، في قراءة نفسية حديثة للشخصية.
وعلقت ويلسون مازحة: "أوديسيوس عند هوميروس لم يكن بحاجة إلى أدوية نفسية أو إلى تشارليز ثيرون كطبيبة".
وتقول إن هوميروس لا يجعل الصدمة محور الحكاية، بل يركز على المجد والسمعة والعودة إلى الوطن، وهي قيم تختلف عن القراءة النفسية المعاصرة التي اختارها نولان.
عمل جيد رغم كل شيءومع ذلك، تصف ويلسون الفيلم بأنه "قطعة ذكية من الحكي السينمائي"، وترى أن نولان التقط ببراعة بنية الملحمة المتداخلة زمنيا، بما ينسجم مع أسلوبه في أفلام مثل "ميمينتو" (Memento) و"إنسيبشن" (Inception). وتثني أيضا على الطريقة التي دمج بها المخرج قصة حصان طروادة، الواردة بتفصيل أكبر في ملحمة "الإنياذة" (Aeneid) لفيرجيل، في أحداث "الأوديسة"، وتعدّه دمجا سينمائيا ذكيا للتراث الكلاسيكي.
لكنها ترى أن نولان تجنب بعض أكثر لحظات القصيدة قسوة وإزعاجا، ومنها إعدام الجواري الاثنتي عشرة المتهمات بخيانة أوديسيوس، والعقاب الوحشي الذي يتعرض له أحد العبيد، وهي مشاهد كانت ستكشف الوجه المظلم للبطل وتتطلب، في رأيها، "قدرا من الشجاعة الأخلاقية".
نساء هوميروس ونساء نولانترى ويلسون أن الشخصيات النسائية فقدت جانبا من استقلاليتها وتركيبها في الفيلم. فكاليبسو ليست في الملحمة مجرد امرأة عاشقة، بل شخصية ذات قوة وإرادة، تنتقد ازدواجية المعايير لدى الشخصيات الذكورية صاحبة السلطة.
أما هيلين، التي أدت دورها لوبيتا نيونغو، فتراها ويلسون أكثر ذكاء وتركيبا في النص الأصلي مما أتاحه لها الفيلم. وتقول إن أثينا، التي جسدتها زندايا، اختُزلت إلى ما يشبه "ضمير أوديسيوس"، رغم كونها شخصية محورية مرتبطة بالحرب والحكمة والسياسة، وتخوض صراعا مستمرا مع بوسيدون حول مصير البطل.
أما بينيلوبي، التي تؤديها آن هاثاواي، فليست زوجة تنتظر عودة زوجها، بل تدير القصر وتناور الخطّاب وتحافظ على استقلال فرضه غياب أوديسيوس. ولهذا لا تمثل عودته نهاية سعيدة خالصة، بل فرحا ممزوجا بخسارة جزء من ذلك الاستقلال.
من النقد الأكاديمي إلى الحرب الثقافيةرغم أن ويلسون أكدت مرارا أنها لا تريد أن تبدو في صورة "أستاذة جامعية متعالية" ترفض أي خروج عن النص، تحولت ملاحظاتها سريعا إلى مادة لنقاش أوسع تجاوز حدود النقد الأدبي والسينمائي.
إعلان
ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن المترجم والكاتب الأمريكي دانيال مندلسون إشادته بـ"البهاء البصري" للفيلم، مع اعتباره أن نولان أعاد تشكيل أوديسيوس على صورة أبطاله المثقلين بالماضي والذنب، وليس باعتباره محتالا ذكيا وساخرا كما رسمه هوميروس. وكتب مندلسون أن المخرج "أعاد صنع بطل هوميروس على صورته هو".
ورأى مؤلف الروايات المصورة غاريث هايندز (Gareth Hinds) أن تغيير الشخصية يطرح سؤالا عن الحد الذي تصبح بعده الحكاية قصة أخرى، مع وصفه الفيلم بأنه "عمل قوي" يستحق المشاهدة.
ودافع نقاد سينمائيون عن حق نولان في إعادة التأويل، معتبرين أن السينما ليست مطالبة بنقل الأدب حرفيا. وفي مناقشة نشرها موقع إندي واير (IndieWire)، رأى نقاد أن الفيلم يستخدم "الأوديسة" نقطة انطلاق لرواية قصة عن أفول الحضارات والسلطة وثمن الحروب، ولا يسعى إلى تقديم درس في الأدب الإغريقي.
ومن هذا المنظور، لا تعد إعادة تشكيل أوديسيوس خطأ بالضرورة، بل خيارا فنيا يعكس رؤية المخرج الخاصة. وأشار النقاش إلى أن الاعتراضات على بعض اختيارات طاقم التمثيل، ومنها اختيار لوبيتا نيونغو لأداء دور هيلين، سرعان ما انزلقت إلى حروب الهوية والعرق على الإنترنت، بدلًا من أن تبقى نقاشا حول الفيلم نفسه.
إقرأ المزيد


