الجزيرة.نت - 7/27/2026 12:56:49 PM - GMT (+3 )
مع حلول أغسطس/آب، تعود سماء الصيف لتقدم واحدة من أجمل لوحاتها السنوية، حيث ترتفع نجوم لامعة وتظهر تجمعات نجمية وسحب غازية تروي قصة تشكل النجوم وماضي مجرتنا.
ولا يحتاج استكشاف هذه السماء إلى معدات متقدمة، فالعين المجردة تكفي لبدء الرحلة، بينما تضيف المناظير والتلسكوبات تفاصيل لا تُرى بسهولة بالعين.
وتبدأ الجولة من "مثلث الصيف" (Summer Triangle)، وهو تشكيل نجمي ضخم يظهر عاليا في السماء الشرقية خلال أمسيات أغسطس/آب.
ويتكون المثلث من 3 نجوم شديدة اللمعان، هي النسر الواقع (Vega) في كوكبة القيثارة (Lyra)، والنسر الطائر (Altair) في كوكبة العقاب (Aquila)، وذنب الدجاجة أو الردف (Deneb) في كوكبة الدجاجة (Cygnus). وبمجرد العثور عليه يصبح بمثابة علامة سماوية تساعد الراصد على تحديد اتجاهات السماء طوال الصيف.
من "مثلث الصيف" إلى نجوم ملونة وعناقيد قديمةوتقود الدجاجة الراصد إلى نجم ألبيريو/المنقار (Albireo)، الذي يبدو بالعين المجردة نجما واحدا، لكنه ينقسم بالتلسكوب إلى نجمين متباينين في اللون، أحدهما ذهبي دافئ والآخر أزرق لامع، في مشهد يكشف بصورة بصرية الاختلاف في درجات حرارة النجوم.
ثم تتجه الأنظار إلى كوكبة الجاثي على ركبته/هرقل (Hercules)، حيث يظهر عنقود الجاثي العظيم (M13)، وهو تجمع هائل يضم مئات الآلاف من النجوم القديمة ويبعد عنا مسافة 24.1 ألف سنة ضوئية. وبمنظار متوسط يمكن البدء في تمييز نجومه، بينما تكشف التلسكوبات تفاصيل أكثر من قلبه الكثيف.
لكن المشهد الأكثر إثارة ينتظر في الجنوب، حيث تظهر كوكبة القوس قرب الأفق في ساعات المساء. وتشكل نجومها البارزة هيئة تُعرف باسم إبريق الشاي، ويبدو من فوهته كأن بخارا ضبابيا يتصاعد، إنه الجزء الكثيف من درب التبانة، حيث يقع قلب مجرتنا الغني بالنجوم والسحب الغازية.
القوس والعقرب.. حيث تختبئ ولادة النجوموبالقرب من فوهة "إبريق الشاي" يمكن للمناظير أو التلسكوبات كشف سديم البحيرة (Lagoon Nebula- M8)، وهو منطقة ضخمة تتشكل فيها نجوم جديدة. وتُعد المنطقة المحيطة بمركز درب التبانة من أغنى مناطق السماء للتصوير الفلكي، إذ تظهر فيها ممرات الغبار والبنى التي لا تستطيع العين المجردة رؤيتها بوضوح.
إعلان
وبالقرب من سديم البحيرة يظهر أحد أجمل المشاهد في كوكبة القوس هو السديم الثلاثي (Trifid Nebula -M20) ويقع على مسافة تقارب 5 آلاف سنة ضوئية وفقا لأحدث بيانات ناسا، وهو منطقة نشطة لتشكل النجوم داخل مجرتنا.
وسُمي "الثلاثي" بسبب 3 أشرطة داكنة من الغبار الكوني تشطر السديم المضيء إلى أجزاء، وهي التي تمنحه شكله المميز عند رصده بالتلسكوبات.
وتحتاج هذه المشاهد إلى سماء مظلمة بعيدة عن أضواء المدن، مع منح العين نحو 20 دقيقة للتكيف مع الظلام.
أما في كوكبة العقرب، فيبرز النجم الأحمر العملاق قلب العقرب (Antares)، الذي سُمي بهذا الاسم لأنه يشبه المريخ في لونه الأحمر، حتى إن حجمه الهائل لو وضع مكان الشمس لامتد إلى ما وراء مدارات الكواكب الداخلية.
وبالقرب من نجم قلب العقرب يقع عنقود العنكبوت الكروي M4، على بعد نحو 6 آلاف سنة ضوئية، ويُعد أقرب عنقود كروي إلى النظام الشمسي، ويبلغ عمره نحو 12.2 مليار سنة ويمكن للتلسكوبات المتوسطة إظهار نجومه الفردية.
وفي العقرب عنقود نجمي جميل جدا لم يره "شارل مسييه" صاحب الفهرس الشهير كونه يقع قريبا من الأفق بالنسبة لأوروبا، هو عنقود العقرب الصغير، في كوكبة العقرب على بعد نحو 5-6 آلاف سنة ضوئية، ويبلغ عمره بين 2 و7 ملايين سنة فقط، مما يجعله تجمعا نجميا حديث الولادة، ويظهر العنقود كرأس لما يعرف بالمذنب الزائف في العقرب.
وتذكرنا هذه السماء بأن الرصد الفلكي ليس مجرد بحث عن أجسام بعيدة، بل وسيلة لفهم تاريخ النجوم والمجرة ومكاننا فيها. ومن مثلث الصيف إلى قلب درب التبانة، يظل العلم قادرا على تحويل النظر إلى السماء إلى رحلة اكتشاف لا تنتهي.
إقرأ المزيد


