الأرض في خطر.. لماذا تجاهل السياسيون تحذيرات علماء ناسا قبل 50 عاما؟
الجزيرة.نت -

في يونيو/حزيران 2022، وعقب كوارث مناخية قاسية اجتاحت العالم، وقف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ستوكهولم ليحذر من أن الهواء الساخن سيقتل الجميع إن لم يوفوا بتعهُّداتهم البيئية.

لكن المفارقة الدرامية تكمن في أن تحذيره من التخلي عن اتفاق باريس المناخي التاريخي لم يكن سوى صدى متأخر لصرخة أُطلقت من القاعة ذاتها قبل 50 عاما.

في يونيو/حزيران 1972، استضافت ستوكهولم أول قمة للأرض. يومها، وقفت رئيسة وزراء الهند إنديرا غاندي أمام ممثلي 113 دولة، لتلقي نبوءة قاتمة أشارت فيها بوضوح إلى أن الأزمة البيئية أو ظاهرة احترار المناخ أو الاحتباس الحراري "ستغير مصير كوكبنا بشكل عميق".

ويستعرض فيلم (المناخ في قلب الصراع)، الذي يعرض على قناة الجزيرة، نصف قرن من الصراع السياسي حول قضية التغير المناخي وحماية البيئة، مسلطا الضوء على الجدل الحاد بين دعاة حماية البيئة والمشككين في حقيقة التغيرات المناخية وتأثيراتها الكارثية، في صراع غير مباشر بين العلم والسياسة.

فمنذ عام 1972، بدأ العلم يفكك شيفرة الكارثة وداخل أروقة وكالة "ناسا"، كان عالم الفيزياء الفلكية الشاب جيمس هانسن يدرس كوكب الزهرة، الكوكب الأشد حرارة في المجموعة الشمسية، ليطرح سؤالا مرعبا وهو ماذا لو تراكم ثاني أكسيد الكربون في غلافنا الجوي لدرجة تحول الأرض إلى زهرة أخرى؟

فقد أظهرت المحاكاة الحاسوبية آنذاك أن حرارة الأرض سترتفع بـ3 درجات مئوية، ما يعني ذوبان الجليد وابتلاع السواحل. وكان الدليل يتبلور، والحل كان واضحا في التخلي عن الوقود الأحفوري، لكن التاريخ كانت له خطط أخرى.

دوامة الإنكار ومصالح العمالقة

وبدلا من التحرك لإنقاذ الكوكب، باغتت أزمات النفط في السبعينيات العالم، فارتعدت الدول الصناعية ودخلت في سباق محموم لتأمين احتياطياتها النفطية بدلا من تطوير طاقات بديلة.

ومع مطلع الثمانينيات، صعد السياسي الأمريكي رونالد ريغان إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، مبشرا بعقيدة "النمو بلا حدود"، ليصبح النفط مجددا هو شريان "الحلم الأمريكي"، وتتبخر محاولات سلفه جيمي كارتر لدعم الطاقة الشمسية.

لكن الطبيعة لم تنتظر السياسيين، ففي صيف عام 1988، ضربت الولايات المتحدة موجة جفاف غير مسبوقة واستدعى مجلس الشيوخ العالم جيمس هانسن (وهو الآن رئيس قسم التوعية المناخية والحلول في جامعة كولومبيا) للإدلاء بشهادته.

وهناك، كشف هانسن عن حقيقتين أحدثتا جدلا واسعا على الصعيد العلمي والسياسي، فعلميا أكد هانسن أن الاحترار العالمي قد بدأ بالفعل بفعل نشاط البشر، وسياسيا كشف العالم المناخي أن البيت الأبيض حاول تزوير شهادته وتغيير بياناتها للتقليل من حجم الكارثة.

ووفق ما عرضه الفيلم، فإن هذه الشهادة أيقظت وحوش الاقتصاد وشحذت شركات النفط الكبرى وجماعات الضغط (اللوبي)، مثل "معهد كاتو"، أسلحتها.

ولم تكن إستراتيجيتهم إنكار العلم تماما، بل زرع الشكوك حول خطورته والتخويف من التكلفة الاقتصادية الباهظة للتخلي عن الفحم والنفط.

وقد نجحت هذه الحملات الشرسة في عرقلة أي تقدم حقيقي، وتجلى ذلك في استصدار قرار "بيرد-هاغل" في الكونغرس الأمريكي، والذي كبل يدي واشنطن ومنعها من الانضمام لاتفاقية "كيوتو" عام 1997 بحجة حماية الصناعة الأمريكية، ملقية باللائمة على الصين.

الكوارث تضرب

مع دخول الألفية الجديدة، بدا أن الوعي الشعبي يتصاعد، لكن أحداثا عالمية كبرى، وفي مقدمتها الأمن القومي بعد 11 سبتمبر/أيلول، طغت على ملف المناخ.

وفي غمرة هذا التراخي السياسي، صرخت الطبيعة بقسوة؛ حيث سُجلت أكثر من 7500 كارثة طبيعية بين عامي 2001 و2010.

لم تعد التهديدات حبرا على ورق؛ ففي بنغلاديش، هددت المياه بابتلاع جزيرة "بولا"، لتُجبر 500 ألف شخص على الفرار، مدشنين الموجة الأولى مما يُعرف اليوم بـ "لاجئي المناخ".

الفيضانات تواترت خلال السنوات العشر الأخيرة مع تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري (الأناضول)

وقف العالم مذهولا أمام مشهد وصفه الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك بمرارة حين قال "بيتنا يحترق ونحن ننظر إلى مكان آخر".

وبينما استمر تقاعس السياسيين، جاءت الصفعة من مكان لم يتوقعه أحد وكان حينها من شركات التأمين.

فمع تزايد الخسائر، أدرك قطاع التأمين أن تكلفة التغير المناخي قد تصل إلى تريليون دولار سنويا بحلول 2040.

وأعلنت الشركات صراحة أنها لن تقوى على تغطية هذه الانهيارات، موجهة رسالة حاسمة للحكومات وهي أن عدم اليقين ليس في المناخ، بل في قدرة النظام الاقتصادي العالمي على النجاة.

دفع هذا الرعب الاقتصادي قادة العالم للهرولة نحو قمة "كوبنهاغن" عام 2009 ورغم الآمال العريضة التي رافقت حضور الرئيس باراك أوباما، انتهت القمة بخيبة أمل قاسية، إثر مفاوضات مغلقة بين قوى كبرى استبعدت الدول النامية، وخرجت باتفاق هش غير ملزم زاد من تعقيد المشهد.

بصيص أمل

تعلم العالم الدرس بالطريقة الصعبة، لتبدأ مرحلة جديدة من الإعداد لقمة باريس عام 2015، فخلال أسبوعين من المفاوضات الماراثونية الشفافة التي شملت الجميع، وبفضل دبلوماسية مكثفة قادها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري مع الصين لكسر الجليد، تنفس الكوكب الصعداء.

ورغم الدماء التي أُريقت في هجمات باريس قبل القمة بأسابيع، وُلد اتفاق باريس التاريخي الذي ألزم العالم بخفض الانبعاثات وإبقاء الاحترار دون 1.5 درجة مئوية.

وترافق هذا الانتصار الدبلوماسي مع صحوة مجتمعية قادتها الأجيال الشابة، مثل الفتاة السويدية غريتا ثونبرغ، التي أطلقت إضرابات مدرسية أحرجت قادة العالم، بالتزامن مع تحول تقني جعل الطاقة المتجددة منافسا شرسا للوقود الأحفوري.

غريتا ثونبرغ تدلي بتصريحات للصحافة في ستوكهولم يوم 10 يونيو/حزيران 2025 (رويترز)

لكن رياح السياسة لا تشتهي دائما ما تنشده الطبيعة، فملف المناخ ظل أسير التأرجح السياسي. فبعد أن سحب الرئيس دونالد ترمب بلاده من الاتفاق، جاء جو بايدن ليعيدها ببرنامج بيئي طموح.

غير أن التاريخ الحديث يأبى إلا أن يضيف فصلا دراميا جديدا؛ فمع بدء ولاية ترمب الثانية في يناير/كانون الثاني 2025، عاد لاتخاذ قرار الانسحاب للمرة الثانية، متراجعا عن السياسات البيئية ودافعا نحو التوسع في إنتاج النفط والغاز، ليُعيد خلط الأوراق من جديد.



إقرأ المزيد