هدوء في سماء تايوان.. هل تغيرت إستراتيجية بكين تجاه الجزيرة؟
الجزيرة.نت -

تتعامل بكين مع جزيرة تايوان بوصفها جزءا لا يتجزأ من أراضيها، مما يجعل أي خطاب استقلالي صادر من تايبيه تحديا مباشرا لمبدأ "الصين الواحدة" وللسيادة الوطنية كما تطرحها القيادة الصينية، قد يستدعي تحركات عسكرية محددة في المنطقة.

في هذا السياق، اعتبرت الصين التصريحات الأخيرة لزعيم الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان لاي تشينغ ده -التي دعم فيها المطالب المتكررة بالاستقلال- استفزازا سياسيا يستدعي ردود فعل عملية، تشمل استئناف تدريبات بالذخيرة الحية في مضيق تايوان بعد توقف دام أكثر من 6 أشهر، في رسالة مزدوجة إلى الداخل الصيني وإلى السلطات في الجزيرة.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

ففي 19 يوليو/تموز الجاري، قال زعيم الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان خلال المؤتمر السنوي للحزب إن "تايوان الديمقراطية يجب ألا تصبح تايوان التابعة للصين". وقبل ذلك بيومين، كان قد دعا البرلمان إلى دعم خطط تعزيز القدرات الدفاعية، مؤكدا أن تايوان ينبغي أن تتحمل مسؤوليتها بالدفاع في ظل تصاعد الضغوط العسكرية الصينية.

وبعد ذلك، أعلنت الصين تنفيذ مناورات بالذخيرة الحية لمدة يومين في 23 و24 يوليو/تموز الجاري في أجزاء من مضيق تايوان قرب جزيرة دونغشان التابعة لمقاطعة فوجيان، وذلك بعد انخفاض في التحركات العسكرية الصينية. ووصفت تايوان هذه الخطوة بأنها "استفزاز عسكري".

خفض الطلعات الجوية

وكانت بيانات وزارة الدفاع التايوانية أظهرت -حسبما نقلته صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست"- أن عدد طلعات الطائرات المقاتلة لجيش التحرير الشعبي الصيني قرب تايوان في النصف الأول من عام 2026 انخفض إلى 1334 طلعة، أي أقل من النصف مقارنة بالفترتين نصف السنويتين في عام 2025، في أدنى وتيرة تشغيلية منذ عام 2023.

طائرات صينية خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لنهاية الحرب العالمية الثانية (غيتي )

كما ارتفع عدد الأيام التي لم تُرصد فيها أي طائرات صينية إلى 38 يوما في تلك الفترة، في حين لم تُجرِ القوات الصينية أي تدريبات واسعة النطاق حول الجزيرة، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2022، بما يمثل تغييرا واضحا في نمط الضغط اليومي الذي ترسخ بعد مناورات أغسطس/آب 2022 التي أجراها الجيش الصيني ردا على زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي آنذاك نانسي بيلوسي إلى تايوان.

إعلان

هذا التراجع يأتي بعد ذروة في عام 2025 كانت دفعت بعض الإستراتيجيين إلى التكهن بأن جيش التحرير الشعبي قد يتحرك عسكريا لحسم ملف تايوان بحلول عام 2027، وهو الموعد النهائي لـ"أهداف الذكرى المئوية" للجيش الصيني.

غير أن المعطيات التي توثقها الصحيفة ذاتها تشير إلى أن القيادة الصينية اختارت، وهي على أعتاب هذا الموعد الرمزي، خفض الوتيرة الجوية حول الجزيرة، فيما يبدو إعادة تقييم لنموذج التصعيد المتدرج والتلميح بأن تحقيق الأهداف لا يستلزم بالضرورة هجوما مباشرا، بل يمكن أن يُدار عبر مسارات بديلة.

فو تشيان شاو:

إن تغيير وتيرة جيش التحرير الشعبي الصيني يعود جزئياً إلى إتمامه إدارة ومراقبة محيط تايوان، وتوسع نطاق تدريباته ليشمل غرب المحيط الهادي

تأثير العوامل الخارجية

تعزو غالبية تحليلات الصحافة الصينية انخفاض النشاط العسكري حول تايوان إلى القمة التي عُقدت في بكين بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي أشاد فيها الجانبان بالاستقرار الإستراتيجي، مما فتح هامشا لتجربة تهدئة محسوبة حول أكثر الملفات حساسية.

وتلفت صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" كذلك إلى أن التحسن النسبي في العلاقات الصينية الأمريكية، وتحديدا في إدارة ملف السلاح لتايوان، ترافق مع مسار تواصل غير رسمي بين بكين وتايبيه، تمثّل في فتح قنوات مع حزب الكومينتانغ المعارض.

لذا تبدو السياسة الصينية في هذا المقام وكأنها إعادة توزيع لأدوات الضغط بين العسكري والسياسي والاقتصادي، مع الاستفادة من أي هامش تصدع في الداخل التايواني بين الأحزاب لتثبيت معادلة استقرار لا تلغي الإمساك بملف تايوان، لكنها تؤجل الانفجار الصدامي المباشر.

استعراض عسكري نفذه جنود صينيون خلال مراسم استقبال ترمب في قاعة الشعب الكبرى في مايو/أيار الماضي (غيتي)
اعتبارات صينية داخلية

إلى جانب العوامل الخارجية، تتحدث "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" عن اعتبارات داخلية لدى بكين، أبرزها السعي للسيطرة على النفقات العسكرية والتحول في تركيز مناورات جيش التحرير الشعبي من مضيق تايوان إلى نطاق أوسع في غرب المحيط الهادي.

ويقول العقيد المتقاعد في سلاح الجو التابع لجيش التحرير الشعبي الصيني فو تشيان شاو إن تغيير وتيرة الجيش يعود جزئيا إلى إتمامه إدارة ومراقبة محيط تايوان، وتوسع نطاق تدريباته ليشمل غرب المحيط الهادي.

وهذا يعني أن انخفاض الطلعات قرب الجزيرة لا يعكس تراجعا في الجاهزية بقدر ما يعكس إعادة توزيع الجهد على مسارح أخرى، مع استمرار تغطية الفضاء العملياتي حول تايوان ضمن هذه الدائرة الموسّعة.

في هذا الإطار، يبدو خفض طلعات الطائرات المكلفة حول تايوان، وتأجيل المناورات الواسعة، جزءا من استجابة مالية تنظيمية داخلية، تلتقي مع الحسابات السياسية الخارجية عند نقطة التقليل من المخاطر والتكاليف دون التخلي عن الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى.

جانغ وين شنغ:

مناورات الذخيرة الحية تأتي في إطار توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة وتثبيت خطوط حمراء أمام القوى الانفصالية التايوانية

انتقال الضغط إلى البحر

في الوقت الذي انخفض فيه الضغط الجوي، أظهرت التقارير الصحفية الصينية أن بكين نقلت جانبا من نشاطها إلى المجال البحري، عبر تكثيف دوريات خفر السواحل والسفن الحكومية في المياه المحيطة بتايوان، خصوصا شرق الجزيرة.

إعلان

وتشير صحيفة "هوان تشيو" الصينية إلى أن إدارة السلامة البحرية أصدرت تحذيرا ملاحيا عن تدريبات بالذخيرة الحية في أجزاء من مضيق تايوان يومي 23 و24 يوليو/تموز.

وبينما تصف الصحف التايوانية هذه التدريبات بأنها تصعيد للتوترات وتربطها بنشر أكثر من 111 سفينة منذ يونيو/حزيران في إطار "المنطقة الرمادية"، يرد خبراء صينيون بأن هذه الأنشطة إجراءات دفاع عن الحقوق عبر دوريات قانونية منتظمة لخفر السواحل شرق تايوان ومسوح بيئية وبحرية وفحوص موارد سمكية ترعاها وزارات صينية مختلفة.

الاستجابة وردود الأفعال

وتبرز التقارير الصينية أن استئناف التدريبات بالذخيرة الحية في مضيق تايوان بعد توقف دام أكثر من ستة أشهر جاء مباشرة عقب تصريحات لاي تشينغ ده المؤيدة للاستقلال في مؤتمر الحزب الديمقراطي التقدمي.

وتنقل صحيفة "هوان تشيو" ما كتبه الباحث التايواني سو يونغ لين حول المقارنة مع عام 2018، عندما أدى إطلاق رئيس حكومة السلطات التايوانية خطابا انفصاليا دعا فيه إلى الواقعية "من أجل استقلال تايوان"، إلى رد فوري من بكين بمناورات بالذخيرة الحية قبالة سواحل فوجيان، ليؤكد أن النمط الصيني الراهن يعيد إنتاج المعادلة نفسها.

في الوقت نفسه، يبرز تقرير الصحيفة ردّ المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان على قرار إجراء مناورات بالذخيرة الحية في مضيق تايوان بعد يوم واحد من اجتماع وزيري الخارجية الصيني وانغ يي والأمريكي ماركو روبيو في مانيلا، إذ أكد أن الجهات المعنية نشرت المعلومات اللازمة، وأن هذه الإجراءات قانونية ومنظمة ولا تستدعي تحليلات مفرطة.

ويقرأ الخبير في معهد دراسات تايوان في جامعة شيامن جانغ وين شنغ هذا التسلسل بوصفه مثالا على الجمع بين رسالة مزدوجة مفادها طمأنة واشنطن بأن التدريبات تقع ضمن قواعد معلنة ومحددة، مع إبقاء الضغط على تايبيه بسبب خطابها السياسي، في إطار توازن دقيق بين الحفاظ على الاستقرار الإستراتيجي مع الولايات المتحدة وتثبيت خطوط حمراء أمام القوى الانفصالية التايوانية، حسب ما أوردته "ساوث تشاينا مورنينغ بوست".

مجموعة من سفن الدوريات التايوانية تبحر في بحر شرق الصين (غيتي/أرشيف)
إعادة ضبط

من خلال قراءة ما تنقله الصحف الصينية، يتضح أن السياسة الصينية تجاه تايوان في النصف الأول من 2026 تعكس إعادة ضبط للأدوات والوتيرة، بما يوازن بين الاستقرار مع الولايات المتحدة وبين السيطرة على الكلف العسكرية الداخلية واستخدام أدوات بحرية وقانونية واقتصادية أكثر مرونة.

وتُبقي بكين على معادلة مفادها أن أي تصاعد في ما تعتبره خطابا انفصاليا سيقابل بردود عسكرية محددة، مع ترك الباب مفتوحا أمام عودة التصعيد إذا ما تغيرت المعطيات الانتخابية في واشنطن أو تايبيه، وهو ما يجعل عام 2027 محطة ذات رمزية عسكرية وسياسية.



إقرأ المزيد