في عقدها الثامن.. هل يكفي تغيير الأمين العام لإحياء دور الجامعة العربية؟
الجزيرة.نت -

ثمانون عاما مرت على تأسيس جامعة الدول العربية، لكنها لا تزال تواجه أسئلة متجددة حول قدرتها على الانتقال من منصة للتنسيق السياسي إلى مؤسسة قادرة على صناعة القرار العربي المشترك.

هذا هو المحور الذي ناقشته حلقة "محاولة فهم" على شاشة الجزيرة، حيث أجمع ضيوفها على أن أزمة الجامعة لا تكمن في أمانتها العامة بقدر ما ترتبط بغياب الإرادة السياسية للدول الأعضاء، مع تباين في رؤيتهم لسبل الإصلاح وإمكاناته.

واستعرض السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، الخلفية التي نشأت في ظلها الجامعة عام 1945، موضحا أن الدول المؤسسة اختارت منذ البداية إنشاء هيئة تنسق المواقف العربية دون أن تمتلك صلاحيات تعلو على سيادة الدول.

وقال زكي إن المشكلة ليست في هذا الخيار بحد ذاته، وإنما في أن الدول العربية لم تتوافق طوال ثمانية عقود على تطوير الجامعة إلى مؤسسة ذات سلطات فعلية، على غرار الاتحاد الأوروبي أو الاتحاد الأفريقي، مضيفا أن الانتقادات التي توجه إلى الجامعة غالبا ما تتجاهل أن أصل الأزمة يكمن في غياب الإرادة السياسية للدول الأعضاء.

من جانبه، أكد وزير الخارجية السوداني الأسبق الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل أن الجامعة العربية لا تزال الإطار الوحيد الذي يجمع جميع الدول العربية، وأن الحاجة إليها تزداد في ظل التحديات الإقليمية والدولية التي لا تستطيع أي دولة مواجهتها منفردة. لكنه رأى أن القمم العربية تحولت إلى "قمم بيانات"، إذ تصدر بيانات ختامية دون أن تتبعها آليات تنفيذ أو مبادرات عملية، معتبرا أن الجامعة أصبحت تعكس حجم الانقسام العربي أكثر مما تصنع حلولا له.

وقال إسماعيل إن إصلاح الجامعة يبدأ بتطوير ميثاقها، ولا سيما المواد المتعلقة بآليات اتخاذ القرار، موضحا أن اشتراط الإجماع في كثير من الحالات يعطل فاعلية المؤسسة، في وقت تعتمد فيه تكتلات إقليمية أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، مبدأ إلزامية قرارات الأغلبية لجميع الأعضاء. وأضاف أي إصلاح لن ينجح من دون إرادة سياسية حقيقية من الدول العربية، إلى جانب تمكين الأمين العام ومنحه مساحة أوسع للتحرك الدبلوماسي.

انقسامات وصراعات عربية

أما رئيس مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام الدكتور فهد العرابي الحارثي، فاعتبر أن تحميل الجامعة العربية مسؤولية الإخفاقات وحدها يمثل ظلما لها، لأنها تعمل ضمن قيود تفرضها الدول الأعضاء. وقال الحارثي إن المؤسسة حققت نجاحات في مجالات متخصصة مثل التعاون الأمني والثقافي والإعلامي، إلا أن البيئة العربية الحالية، بما تشهده من انقسامات وصراعات وتدخلات متبادلة، لا تساعد على إحداث إصلاح حقيقي.

وأضاف أن الجامعة تحتاج إلى مراجعة فلسفتها وآليات عملها، معتبرا أن نجاح أي مشروع وحدوي مرهون بتوافق سياسي بين الدول الأعضاء، وإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي الذي بات محل تباين بين العواصم العربية، فضلا عن إنشاء آليات أكثر فاعلية، مثل مراكز للإنذار المبكر، تمكن الجامعة من استباق الأزمات بدلا من الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة.

وفي معرض رده على الانتقادات الموجهة للجامعة، كشف السفير حسام زكي أن منظومة العمل العربي المشترك، التي تضم الأمانة العامة ونحو خمس عشرة منظمة ومجلسا وزاريا متخصصا، تعمل بميزانية لا تتجاوز 100 مليون دولار سنويا، رغم أن الناتج القومي العربي يناهز ثلاثة تريليونات دولار.

وأوضح أن الجامعة لا تقتصر على العمل السياسي، بل تضم مؤسسات متخصصة في مجالات الثقافة والتعليم والطيران المدني والطاقة الذرية والتنمية الإدارية والزراعة والاتصالات وغيرها، إلا أن هذه الجهود لا تحظى بالاهتمام الإعلامي الكافي، ما يجعل الرأي العام يقيس أداء الجامعة حصرا بمواقفها السياسية، وخاصة تجاه القضية الفلسطينية.

كما لفت إلى وجود مشاريع عربية مشتركة قطعت شوطا متقدما، مثل الربط الكهربائي العربي ومشروع منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، معتبرا أن ضعف التعريف بهذه الإنجازات أسهم في ترسيخ الصورة النمطية عن الجامعة باعتبارها مؤسسة لإصدار البيانات فقط.

نظام التصويت

وفي ما يتعلق بإصلاح آليات اتخاذ القرار، أوضح حسام زكي أن نظام التصويت الذي أقر في قمة الجزائر عام 2005، ويتيح إلزامية القرارات، لم يُفعّل عمليا حتى الآن بسبب رفض الدول اللجوء إلى التصويت خشية إظهار الانقسام داخل الجامعة، مؤكدا أن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في غياب التوافق السياسي اللازم لتطبيقها.

ورأى مصطفى عثمان إسماعيل أن تعيين نبيل فهمي أمينا عاما جديدا للجامعة يمثل فرصة لإطلاق مسار إصلاحي جديد، مستشهدا بخبرته الدبلوماسية وأسلوبه التوافقي، لكنه شدد على أن نجاح أي أمين عام يبقى رهنا بتوافر إرادة سياسية عربية تدعم الإصلاح، وتطور الميثاق، وتفعل آليات التنفيذ، وتعزز التواصل مع الرأي العام العربي.

وخلص ضيوف الحلقة إلى أن مستقبل جامعة الدول العربية لا يرتبط بتغيير الأشخاص بقدر ما يعتمد على استعداد الدول الأعضاء لإعادة تعريف العمل العربي المشترك، وتجاوز أولوية السيادة الوطنية لصالح قرارات جماعية أكثر إلزاما، بما يتيح للجامعة الانتقال من إطار للتنسيق إلى مؤسسة أكثر قدرة على التأثير في مسار القضايا العربية والإقليمية.

Published On 22/7/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد