الرسوم الأمريكية تضع كارني أمام اختبار الرد وحدود الاعتماد على واشنطن
الجزيرة.نت -

Published On 22/7/2026

دخلت العلاقات التجارية بين كندا والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على مجموعة من السلع الكندية، في خطوة وضعت رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام اختبار صعب يتمثل في حماية المصالح الاقتصادية لبلاده دون الانزلاق إلى حرب تجارية مع أكبر شريك تجاري لكندا.

وجاء القرار بعد ساعات من ظهور كارني وترمب معا في نهائي كأس العالم، وفي وقت كانت فيه المفاوضات الخاصة بمراجعة اتفاقية التجارة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA) تستعيد زخمها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ستدخل الرسوم الجديدة حيز التنفيذ في 19 أغسطس/آب، وبررتها واشنطن بما وصفته بالمعاملة غير المتكافئة التي تطبقها كندا على السيارات ومنتجات الألبان والمشروبات الكحولية الأمريكية.

ورقة ضغط في مفاوضات التجارة

يرى مراقبون أن الرسوم الجديدة تتجاوز كونها خلافا تجاريا، وتمثل ورقة ضغط أمريكية لانتزاع تنازلات من أوتاوا خلال مفاوضات مراجعة اتفاقية التجارة في أمريكا الشمالية.

اتفاقية التجارة لأمريكا الشمالية تدخل مرحلة أكثر تعقيدا (أسوشيتد)

ونقلت "بي بي سي" عن الباحث في كلية آيفي لإدارة الأعمال بجامعة ويسترن محمود نانجي قوله إن إدارة ترمب تستخدم "جميع أدوات الضغط" لتعزيز موقفها التفاوضي، بينما يشير بطء المفاوضات مع كندا مقارنة بالمكسيك إلى رغبة واشنطن في زيادة الضغوط على حكومة كارني.

وتنظم الاتفاقية تجارة سنوية تتجاوز قيمتها تريليوني دولار، لكن استمرار الخلافات التجارية يهدد بتقليص اليقين الذي وفرته للشركات طوال السنوات الماضية.

تكمن حساسية الموقف في اعتماد الاقتصاد الكندي الكبير على السوق الأمريكية. ووفقا لهيئة الإحصاء الكندية، استحوذت الولايات المتحدة على 71.7% من صادرات السلع الكندية خلال عام 2025، بينما بلغ الفائض التجاري الكندي معها 81.6 مليار دولار كندي.

إعلان

ورغم أن الحكومة الكندية تعمل منذ سنوات على تنويع أسواقها، فإن قطاعات مثل السيارات والطاقة والمعادن ما تزال مرتبطة بصورة وثيقة بالاقتصاد الأمريكي، وهو ما يجعل أي رسوم إضافية قادرة على تعطيل سلاسل الإمداد ورفع كلفة الإنتاج على جانبي الحدود.

خيارات كارني

وأكد كارني أن حكومته ستدرس "جميع الخيارات" إذا دخلت الرسوم حيز التنفيذ، مع التشديد على أن الهدف يبقى التوصل إلى اتفاق تجاري شامل يضمن استقرار العلاقات الاقتصادية.

غير أن هامش المناورة يبدو ضيقا؛ فالرد برسوم مماثلة قد يرفع تكاليف السلع داخل كندا، في حين قد يُنظر إلى تقديم تنازلات واسعة على أنه تراجع أمام الضغوط الأمريكية.

العلاقة الاقتصادية بين البلدين تواجه اختبارا غير مسبوق في ظل سياسات ترمب التجارية (غيتي)

وفي المقابل، دعا رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد إلى موقف أكثر تشددا، بينما أظهرت استطلاعات للرأي نقلتها "بي بي سي" أن غالبية الكنديين لا يرغبون في أن تقدم حكومتهم تنازلات لإدارة ترمب، وهو ما يمنح كارني دعما سياسيا لمواصلة التفاوض من موقع أكثر صلابة.

الأزمة تمتد إلى المشروعات المشتركة

ولم تقتصر تداعيات التصعيد على التجارة، إذ أعلنت كندا إلغاء مراسم مشتركة مع الولايات المتحدة للاحتفال بافتتاح جسر جوردي هوي الدولي، الذي يربط مدينة وندسور الكندية بديترويت الأمريكية، معتبرة أن إقامة احتفال مشترك لم تعد مناسبة في ظل الإجراءات التجارية الأمريكية، بحسب وكالة أسوشيتد برس.

ويعد الجسر، الذي تقدر كلفته بنحو 4.4 مليارات دولار، أحد أهم مشاريع البنية التحتية التجارية بين البلدين، ويخدم ممرا تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة السيارات والصناعات التحويلية، ما يجعل الخلاف حوله مؤشرا على انتقال التوتر من الملفات التجارية إلى رموز الشراكة الاقتصادية نفسها.

بين الرد والتفاوض

تفرض كندا بالفعل رسوما مضادة على عدد من الواردات الأمريكية، وقد تلجأ إلى توسيعها إذا مضت واشنطن في تنفيذ قرارها، إلا أن أي تصعيد يحمل مخاطر على الاقتصاد الكندي بحكم تشابك سلاسل الإنتاج بين البلدين.

وفي الوقت نفسه، تواصل الحكومة الكندية العمل على تنويع شركائها التجاريين وتعزيز الصادرات إلى أسواق أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، غير أن هذه الجهود لا تستطيع في المدى القريب تعويض السوق الأمريكية، التي ما تزال تستقبل أكثر من ثلثي الصادرات الكندية.

وتبدو الأزمة الحالية اختبارا يتجاوز الرسوم الجمركية نفسها؛ فهي تقيس قدرة حكومة كارني على تحقيق توازن بين حماية الاقتصاد الكندي والحفاظ على العلاقة التجارية الأهم للبلاد، في وقت أصبحت فيه السياسة التجارية الأمريكية أكثر ارتباطا بأدوات الضغط السياسي، وأقل التزاما بالاستقرار الذي قامت عليه اتفاقيات التجارة الحرة خلال العقود الماضية.



إقرأ المزيد