خطر وجودي يهدد السودان.. كيف تبتلع التدخلات الخارجية سيادة الدولة؟
الجزيرة.نت -

لم تعد الحرب الدائرة في السودان مجرد صراع تقليدي على السلطة، بل تحولت إلى مهدد وجودي ينهش في جسد الدولة الوطنية، ويقودها بخطى متسارعة نحو مصير بالغ الخطورة، وفق الأكاديمي والباحث أحمد أبو شوك.

وفي قراءة تشريحية عميقة للمشهد السوداني، حذر الأكاديمي السوداني أبو شوك، خلال استضافته في برنامج "موازين" على شاشة الجزيرة، من الخطر الحقيقي الذي يهدد السودان، والذي لا يكمن في الانفصال الجغرافي التقليدي برسم حدود جديدة فحسب، بل في فخ أسوأ أسماه "التقسيم الوظيفي"، وهو سيناريو تظل فيه الدولة موحدة بالاسم فقط بينما تُنتزع سيادتها وتُمزق جغرافيتها داخليا لتُدار عبر قوى متصارعة، تتقاسم الموارد والموانئ والذهب لخدمة أجندات خارجية.

ويضع الباحث يده على الدور الإسرائيلي التاريخي والحالي في السودان، فإسرائيل لطالما اعتمدت إستراتيجية "شد الأطراف"، عبر دعم حركات التمرد تاريخيا في جنوب السودان ودارفور، بهدف إضعاف المركز والعمق الإستراتيجي للسودان (ومصر ضمنا).

ويرى أبو شوك أن إدراج السودان في "الاتفاقيات الإبراهيمية" لم يكن مجرد تطبيع دبلوماسي، بل كان يهدف بالأساس إلى كسر البعد الأخلاقي والتاريخي للسودان، الذي احتضن مؤتمر الخرطوم أو ما يُعرف بـ"اللاءات الثلاث" عام 1967.

وأوضح أن إسرائيل لا تهتم من ينتصر في هذه الحرب، سواء كان الجيش السوداني أو الدعم السريع؛ فمصلحتها الإستراتيجية تتحقق في بقاء السودان "دولة هشة" ومخترقة يسهل توجيهها.

ميناء بورتسودان يمثل العمود الفقري لحركة التجارة البحرية للسودان (الجزيرة)
صراع الموانئ

وفي تفكيكه لهذه الأزمة المعقدة، لا يكتفي الباحث بتسليط الضوء على مفهوم (اقتصاد الحرب)، بما فيها الإستراتيجية الإسرائيلية التاريخية لتمزيق السودان، بل يوجه أصابع الاتهام أيضا إلى الحكومة المركزية وإخفاقات النخب السياسية المتعاقبة التي فشلت في إدارة التنوع واكتفت بتسويات هشة راكمت الأزمة مما أتاح فرصة للتدخلات الإقليمية والدولية.

ولا يمكن نزع مفهوم التقسيم الوظيفي عن مصطلح اقتصاد الحرب الذي يصب في مصلحة أصحاب الأطماع من القوى الكبرى التي باتت تتقاطع معها مصالح أطراف الصراع المحلي، وفق أبو شوك.

واعتبر الأكاديمي السوداني الصراع على ساحل البحر الأحمر وميناء بورتسودان يمثل نقطة جذب إستراتيجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين، باعتباره ممرا حيويا للتجارة العالمية وبوابة للعمق الأفريقي.

وهنا يبرز الدور الروسي عبر ما يُعرف بـ"الفيلق الأفريقي" (فاغنر سابقا)، الذي يعمل على حماية مصالح موسكو الإستراتيجية في السودان، وتحديدا في قطاع الذهب.

الصراع الإقليمي

وعلى المستوى الإقليمي، اعتبر أبو شوك أنه لا يمكن فصل انهيار الدولة السودانية عن محيطها المعقد، إذ أن مصر التي تعتبر السودان عمقا إستراتيجيا وأمنيا لها، تتأثر بشكل مباشر بملفات مياه النيل وأمن البحر الأحمر، فضلا عن العبء الاقتصادي لنزوح ملايين السودانيين، في حين تبدو العلاقة مع إثيوبيا بالغة التعقيد في ظل النزاع الحدودي في ملف سد النهضة، والاتهامات بفتح معسكرات لتدريب قوات الدعم السريع.

أما "الخاصرة الرخوة" للسودان فتتمثل في دول الساحل (تشاد، النيجر، أفريقيا الوسطى، ومالي)، حيث تلعب هذه الدول، التي تعاني بدورها من اضطرابات أمنية، دورا خطيرا في تغذية الصراع السوداني عبر مسارات تهريب الذهب وتسويق السلاح وعبور المرتزقة معتمدين على التحالفات القبلية العابرة للحدود.

لقاء سياسي في القاهرة نهاية نوفمبر/تشرين الثاني 2025 استعرض الأزمة في السودان والأخطار المحدقة به (الجزيرة)
ما الحل؟

وأمام هذا المشهد القاتم، يرى الأكاديمي السوداني أن سبل الحل تعتمد على الأغلبية الصامتة من المثقفين لتأسيس عقد اجتماعي جديد يقي البلاد من شر التفتت.

وأشار إلى ضرورة تقديم سودانيي الشتات حلولا لإنقاذ الوطن من الضياع، إذ عليهم أن يتجاوزوا الاستقطاب الأيديولوجي والحزبي الضيق، وأخذ زمام المبادرة لتقديم مشروع وطني شامل، فاستمرار الصمت اليوم لم يعد مجرد عجز سياسي، بل هو تفريط في وجود الدولة السودانية ذاتها.

وللخروج من هذا النفق، يطرح أبو شوك ما أسماها "التسوية التاريخية" أو معجزة الحوار الوطني، وهو وإن كان الحل الأصعب حاليا، إلا أنه الأقل كلفة على المدى الإستراتيجي.

وبرأيه تتطلب هذه التسوية بناء سودان جديد يرتكز على ثلاثة أعمدة:

  • عقد اجتماعي جديد: يتوافق فيه السودانيون على شكل الدولة وهويتها.
  • دستور توافقي: يحدد بوضوح العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
  • نظام حكم فيدرالي حقيقي: يمتص الغبائن التاريخية للأطراف، وينهي هيمنة المركز.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، قُتل عشرات الآلاف وأُجبر نحو 13 مليون شخص على النزوح، ووسط أزمة إنسانية متفاقمة.

Published On 22/7/2026

شارِكْ



إقرأ المزيد