الجزيرة.نت - 7/22/2026 7:41:44 PM - GMT (+3 )
العقبة – أعادت التهديدات الأمنية الأخيرة المرتبطة بمحافظة العقبة جنوبي الأردن، وما رافقها من حديث عن "تهديد محدد وموثوق" من قبل إيران، إثارة تساؤلات بشأن قدرة المدينة على الحفاظ على دورها الاقتصادي واللوجستي في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، باعتبارها المنفذ البحري الوحيد للأردن وبوابته التجارية إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وسُمع صباح اليوم دوي انفجارين في سماء العقبة، عقب اعتراض القوات المسلحة الأردنية صواريخ وطائرات مسيّرة قادمة من إيران، دون تسجيل أي خسائر بشرية أو أضرار مادية. وفي الوقت نفسه، أكدت الجهات الرسمية استمرار العمل في مطار العقبة الدولي وميناء العقبة وسائر المرافق الحيوية بصورة طبيعية.
وقال مصدر عسكري أردني إن منظومات الدفاع الجوي رصدت ستة صواريخ أُطلقت من الأراضي الإيرانية باتجاه المملكة، وتعاملت معها فور دخولها المجال الجوي الأردني. وأوضح أن الدفاعات الجوية اعترضت أربعة صواريخ، بينما سقط الصاروخان الآخران في منطقتين نائيتين غير مأهولتين، من دون أن يسفرا عن إصابات أو أضرار مادية.
ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن خطورة أي تهديد يستهدف العقبة لا تقتصر على أبعاده الأمنية، بل تمتد إلى تداعياته الاقتصادية، بالنظر إلى المكانة التي تحتلها المدينة بوصفها المنفذ البحري الوحيد للأردن، إذ يمر عبر مينائها أكثر من ثلثي تجارة المملكة الخارجية، ما يجعله الشريان الرئيس لحركة الاستيراد والتصدير.
ويضيف عايش، في حديثه للجزيرة نت، أن أهمية العقبة تتجاوز قطاع التجارة إلى قطاع الطاقة، إذ تستضيف سفينة استقبال الغاز الطبيعي المسال التي تزود الأردن بجزء كبير من احتياجاته، إلى جانب استقبال شحنات مخصصة لمصر، مع وجود ترتيبات مستقبلية لاستخدامها في تزويد سوريا ولبنان عبر خط الغاز العربي، وهو ما يمنح الميناء أهمية إقليمية تتجاوز الحدود الأردنية.
إعلان
ويحذر الخبير الاقتصادي من أن أي استهداف للميناء قد يؤدي إلى تعطيل حركة الشحن وارتفاع كلف النقل والتأمين البحري، بما ينعكس على أسعار السلع في السوق المحلية، ويرفع كلفة الصادرات الأردنية ويضعف قدرتها التنافسية، فضلا عن تأثيره في حركة الترانزيت المتجهة إلى العراق وسوريا وفلسطين.
الأرقام تنفي المخاوفوعلى الرغم من المخاوف الأمنية، تكشف البيانات التشغيلية الصادرة عن سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، والتي اطلعت عليها الجزيرة نت، أن النشاط الاقتصادي واصل نموه خلال النصف الأول من عام 2026.
وبحسب البيانات، ارتفعت كميات البضائع المناولة في المرافق المينائية واللوجستية إلى نحو 13.3 مليون طن خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بـ11.83 مليون طن في الفترة نفسها من العام الماضي، محققة نموا بنسبة 12%.
وقاد ميناء العقبة متعدد الأغراض هذا النمو، بعدما ارتفعت كميات البضائع المناولة فيه بنسبة 61% لتصل إلى 3.58 ملايين طن، مدفوعة بزيادة مناولة الحبوب بنسبة 53%، والبضائع العامة بنسبة 22%، وبضائع الدحرجة بنسبة 25%، والمواشي بنسبة 40%، إلى جانب مناولة نحو 468 ألف طن من السكر السائب.
كما سجل الميناء خلال الربع الثاني من العام نموا بلغ 97% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما بلغت كميات المناولة خلال يونيو/حزيران وحده نحو مليون طن، وهو أعلى مستوى شهري يسجله منذ بدء تشغيله.
الموانئ تعمل بكامل طاقتهاوعلى مستوى العمليات التشغيلية، لم تُظهر حركة الموانئ أي مؤشرات على التباطؤ، إذ أكدت شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ أن العمل يجري على مدار الساعة، وأن استقبال السفن ومناولة البضائع مستمران وفق الجداول المقررة، دون تسجيل أي حالات إلغاء أو تأخير.
وأوضحت الشركة، في ردها على استفسارات الجزيرة نت، أن الميناء استقبل خلال الأيام الماضية سفنا محملة بالقمح والذرة والسيلاج والسكر، فيما يستعد لاستقبال شحنات أخرى من الحديد والحبيبات، مؤكدة استمرار سلاسل التوريد وانسيابية حركة البضائع رغم التطورات الأمنية في المنطقة.
وتشير بيانات الشركة إلى أن خمس سفن كانت ترسو في الميناء بحمولة إجمالية تقارب 80 ألف طن، فيما يجري تحميل نحو 400 شاحنة يوميا. كما تعامل الميناء خلال يونيو/حزيران مع 57 سفينة بحمولة قاربت مليون طن، كان نحو 65% منها متجها إلى العراق.
ولم يقتصر النشاط الاقتصادي على الموانئ، بل شمل أيضا قطاعي النقل البري والجوي، حيث أظهرت المؤشرات استمرار نمو حركة الشاحنات والمسافرين رغم التوترات الأمنية.
وأفادت وزارة النقل الأردنية، في ردها على استفسارات الجزيرة نت، بأن عدد رحلات الشاحنات بلغ نحو 445 ألف رحلة بين مارس/آذار ونهاية يونيو/حزيران، بمتوسط يومي وصل إلى 3700 رحلة، مقارنة بنحو ثلاثة آلاف رحلة يوميا خلال عام 2025، بزيادة بلغت 23%.
وفي النقل الجوي، واصل مطار الملك حسين الدولي تسجيل نمو في حركة المسافرين، إذ ارتفع عددهم بنسبة 4% خلال النصف الأول من العام ليصل إلى أكثر من 95 ألف مسافر، في مؤشر على استمرار النشاط الجوي.
السياحة القطاع الأكثر حساسيةوإذا كانت الموانئ والنقل واصلت نشاطها بصورة طبيعية، فإن القطاع السياحي بدا الأكثر حساسية تجاه التطورات الأمنية، بحسب الناطق الإعلامي باسم جمعية مكاتب وشركات السياحة والسفر بلال روبين.
إعلان
وقال روبين للجزيرة نت إن الأردن، شأنه شأن بقية دول المنطقة، تأثر بالتوترات الجيوسياسية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حركة السياحة الوافدة، ولا سيما السياحة الأجنبية.
وأوضح أن التطورات الأمنية الأخيرة أدت أيضا إلى تراجع الطلب على الحجوزات، وسط حالة من الترقب في عدد من الأسواق المصدرة للسياحة، معربا عن أمله بانفراج الأوضاع خلال الفترة المقبلة للحفاظ على موسم أعياد الميلاد ورأس السنة الذي يعد من أهم المواسم السياحية في المملكة.
وفي المقابل، أكد روبين أن العقبة تشهد إقبالا جيدا من السياحة العربية، ولا سيما من عرب الداخل، متوقعا أن يساهم هذا النشاط في دعم نسب الإشغال الفندقي ويسهم في دعم القطاع السياحي خلال الفترة الحالية.
من جانبه، يؤكد نائب أمين سر غرفة تجارة العقبة وعضو لجنة اللامركزية في محافظة العقبة أسامة أبو طالب أن القطاع الاقتصادي، ولا سيما السياحي، يعد الأكثر تأثرا بأي توترات أمنية أو سياسية تشهدها المنطقة، مشيرا إلى أن الاقتصاد يكون "أول المتأثرين وآخر المتعافين"، فيما تبدو العقبة أكثر حساسية بحكم اعتمادها الكبير على السياحة والخدمات.
وقال أبو طالب للجزيرة نت إن العقبة تتأثر فورا بأي تصعيد في الشرق الأوسط حتى إن لم تتعرض لأي استهداف مباشر، موضحا أن السائح يتخذ قراره بناء على مستوى الشعور بالأمان وليس فقط وفق ما يحدث داخل الأردن.
وأضاف أن صدور تحذيرات سفر من الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي ينعكس سريعا على القطاع من خلال تأجيل أو إلغاء الحجوزات والرحلات الجوية، الأمر الذي ينعكس على نسب الإشغال الفندقي وحركة الأسواق والخدمات المرتبطة بالسياحة.
وأشار أبو طالب إلى أن التأثيرات لا تقتصر على العقبة، إذ شهدت مناطق سياحية رئيسية مثل البترا ووادي رم تراجعا كبيرا في النشاط، موضحا أن نسبة الانخفاض تجاوزت 50% في بعض المناطق، ووصلت إلى نحو 90% في مناطق أخرى، معتبرا أن البترا تعيش "نكبة اقتصادية" مستمرة منذ جائحة كورونا، مرورا بالحرب على غزة، وصولا إلى التصعيد الأخير بين إيران والولايات المتحدة.
ودعا أبو طالب إلى إطلاق خطة استجابة حكومية سريعة للتعامل مع الأزمات تتضمن إنشاء صندوق وطني للمخاطر يعمل وفق آلية مهنية لدعم المنشآت الاقتصادية والسياحية عند تعرضها لتداعيات الأحداث الإقليمية، بما يسهم في الحفاظ على استدامة القطاع والحد من الخسائر التي يتكبدها خلال فترات التوتر.
واستنكرت النائب لبنى نمور ممثلة محافظة العقبة في مجلس النواب ما وصفته بـ"التهديدات الإيرانية" التي تحاول استهداف الأردن وفي مقدمتها ميناء العقبة.
وقالت نمور إن تداعيات الأزمة تتطلب التعامل معها على مسارين، يأتي في مقدمهما المسار الاقتصادي، مشيرة إلى أن الحركة السياحية والتجارية في العقبة تأثرت نتيجة التطورات الإقليمية وإدراج المدينة ضمن المناطق الحمراء، الأمر الذي يستدعي -بحسبها- تدخلا حكوميا عاجلا.
ودعت إلى اتخاذ حزمة إجراءات تشمل تقديم إعفاءات وتأجيلات ضريبية وجمركية للمنشآت السياحية والتجارية المتضررة، وتوفير تسهيلات تمويلية وبرامج لدعم السيولة بالتعاون مع البنك المركزي، بما يضمن استمرارية عمل القطاعات الاقتصادية والحفاظ على فرص العمل. كما طالبت بوضع خطة طوارئ لوجستية لتأمين حركة الشحن والتخليص في ميناء العقبة والحد من الكلف الناجمة عن الأزمة.
وفي الجانب الإنساني، أكدت نمور أن حالة القلق التي يعيشها المواطنون في العقبة وسائر محافظات المملكة نتيجة الأصوات والانفجارات التي شهدتها الأجواء الأردنية تستدعي تعزيز منظومة السلامة العامة، وتكثيف الرسائل الإعلامية والتوعوية لطمأنة المواطنين، إلى جانب ضمان الجاهزية الطبية والميدانية على مدار الساعة.
إعلان
إقرأ المزيد


