الجزيرة.نت - 7/22/2026 6:01:40 PM - GMT (+3 )
Published On 22/7/2026
|آخر تحديث: 17:51 (توقيت مكة)
لم يكن في أيدي الصبيين ويندر ودييفي دِلفين سوى أدوات بسيطة أمام جبل من الخرسانة والحديد. وبينما تراجعت احتمالات العثور على ناجين، واصلا العودة إلى الركام يوما بعد آخر، بحثا عن والدتهما التي اختفت تحت أنقاض الزلزال.
لم تكن قصتهما مجرد محاولة إنقاذ متأخرة، بل رحلة طويلة لاستعادة شخص رفضا أن يتحول إلى رقم في قائمة المفقودين.
عندما تحول البيت إلى ركامفي 24 يونيو/حزيران، ضرب زلزالان شمال فنزويلا، مما أدى إلى انهيار مبان سكنية على الساحل وتحول شقق كاملة إلى أكوام من الحجارة والمعادن.
بين تلك المباني كان منزل عائلة دِلفين، حيث فقد ويندر ودييفي والدتهما مع عدد من أقاربهما. وفي الأيام الأولى، كان الأمل لا يزال مرتبطا بإمكانية العثور على ناجين.
لكن مع مرور الوقت، بدأت طبيعة البحث تتغير. لم يعد السؤال فقط: هل بقي أحد على قيد الحياة؟ بل أصبح: أين انتهى مصير من نحب؟
سكين مطبخ أمام ركام ضخمبحسب تقارير إخبارية، عاد الصبيان إلى موقع الانهيار وشاركا في الحفر بأنفسهما، مستخدمين أدوات بسيطة في محاولة للوصول إلى مكان وجود والدتهما.
ومن بين التفاصيل التي أثارت الانتباه استخدام أدوات منزلية، بينها سكين مطبخ، في الأيام الأولى من البحث، قبل توفر أدوات أكثر ملاءمة.
لم تكن السكين أداة إنقاذ حقيقية أمام كتل الإسمنت والحديد، لكنها أصبحت رمزا لحجم اليأس والإصرار؛ طفلان يواجهان كارثة ضخمة بما توفر لديهما، لأن فكرة ترك الأم تحت الأنقاض كانت أصعب من مشقة الحفر.
26 يوما من العودة إلى المكان نفسهلم يتوقف ويندر ودييفي بعد يوم أو يومين. واصلا العودة إلى موقع الانهيار لنحو 26 يوما، وفقا للتقارير التي تابعت قصتهما، بمشاركة أقارب وجيران ومتطوعين.
لم يكونا وحدهما في البحث، فقد انضم إليهما أشخاص من المجتمع المحلي، لكن صورة الصبيين وهما يعودان إلى الركام يوميا أصبحت التعبير الأكثر وضوحا عن تعلق الأسرة بالعثور على والدتهما.
إعلان
في مثل هذه الكوارث، لا يكون غياب الجثمان مجرد فقدان لشخص، بل يبقي العائلة في حالة انتظار مؤلمة: لا أمل كامل بالنجاة، ولا قدرة كاملة على بدء الحداد.
لماذا يتمسك الناس باستعادة الجثمان؟يرى باحثون في علم نفس الكوارث أن العثور على جثمان الضحية يساعد العائلات على الانتقال من مرحلة الصدمة والانتظار إلى مرحلة الحداد والتقبل. فالجثمان لا يمثل فقط بقايا جسدية، بل يمنح الأسرة فرصة لإقامة مراسم الوداع ومكانا محددا للحزن والذكرى وإجابة نهائية بعد أيام أو أسابيع من الغموض.
ولهذا يواصل بعض الأهالي البحث حتى عندما تصبح احتمالات النجاة شبه معدومة، لأن ترك شخص محبوب تحت الأنقاض يعني بالنسبة لهم أن القصة بقيت بلا نهاية.
لم تكن عائلة دِلفين الوحيدة التي خاضت رحلة البحث هذه. ففي تقرير مصور للغارديان ، رُويت قصة عائلة غيديز غارسيا التي أمضت 18 يوما تبحث عن ابنتها ألكسندرا، البالغة 23 عاما، بعد انهيار مبنى سكني كانت تقيم فيه.
أقام والدها وأقاربها مأوى قرب الركام، وانضم إليهم متطوعون أطلقوا على أنفسهم اسم "الشامات" (Moles)، بسبب عملهم في الفراغات الضيقة بين الأنقاض. في النهاية، عثروا على ألكسندرا متوفاة، ثم حملت الأسرة رمادها في صندوق خشبي صغير إلى مقبرة قرب كاراكاس، قبل أن تعود به إلى قريتها.
ولعل ما يجمع بين قصة الصبيين دِلفين وعائلة غيديز ليس فقط مكان الكارثة، بل المعنى الإنساني خلفها. ففي اللحظات التي يصبح فيها إنقاذ الحياة مستحيلا، يتحول الهدف أحيانا إلى إنقاذ شيء آخر: حق الإنسان في الوداع.
فالصبيان اللذان عادا إلى الركام بسكين مطبخ وأدوات بسيطة لم يكونا يحاربان الخرسانة فقط، بل كانا يحاولان استعادة أمهما من المجهول.
وبينما تقاس الزلازل عادة بعدد الضحايا والمباني المنهارة، تبقى هناك قصص صغيرة تكشف حجم ما يحدث خلف الأرقام: عائلات تحفر بأيديها، لا لأنها تملك القدرة على تغيير النهاية، بل لأنها ترفض أن تترك من تحب خلفها دون وداع.
إقرأ المزيد


