"تحت السن".. جريمة غامضة تكشف الوجه الخفي للمراهقة
الجزيرة.نت -

Published On 20/7/2026

|

آخر تحديث: 17:34 (توقيت مكة)

لم يعد عالم المراهقين مجرد خلفية لحكايات الحب الأولى أو الخلافات المدرسية العابرة، بل تحول إلى مساحة تكشف أسئلة أكثر تعقيدا عن الهوية والبحث عن الذات والضغوط التي تصنع سلوك الأفراد في هذه المرحلة العمرية الحساسة.

وخلال الأعوام الأخيرة، اتجهت المنصات العالمية إلى استثمار هذا العالم في أعمال تمزج بين التشويق النفسي والغموض والجريمة، بينما ظلت الدراما المصرية أكثر تحفظا في الاقتراب منه، إما باعتباره هامشا في حكايات الكبار، أو عبر معالجات تحمل قدرا من الوعظ يفقدها كثيرا من صدقها.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

لكن الاهتمام المتزايد بهذه الفئة فتح الباب أمام تجارب مختلفة، من بينها مسلسل "تحت السن" (Under Age)، الذي تعرضه منصة شاهد، إذ يضع المراهقات في مركز الحكاية من خلال مزيج بين دراما المراهقة والتحقيق البوليسي.

يبدأ العمل من حادثة اختفاء طالبة داخل مدرسة للبنات، لكنه لا يتعامل مع الجريمة باعتبارها مجرد لغز يجب حله بل يجعلها مدخلا لكشف علاقات وأسرار، محاولا الإجابة عن سؤال يتجاوز هوية الفاعل: كيف وصلت هذه الشخصيات إلى هذه النقطة؟

الجريمة ليست سوى البداية

مسلسل "تحت السن" دراما قصيرة بطولة جيسيكا حسام الدين، وترنيم هاني، وجودي مسعود، وجيدا منصور، وريم المصري، وعبد الرحمن القليوبي، وعمرو وهبة، بمشاركة سما إبراهيم، وفرح يوسف، وأحمد الرافعي، وأحمد فهيم، ونور قدري. العمل سيناريو وحوار محمد السوري، وإخراج يحيى إسماعيل.

تتمحور الحكاية حول اختفاء الطالبة "هنا"، وبينما يبدو الأمر في البداية غيابا عابرا، سرعان ما تتكشف العلاقات المتوترة بين الطالبات والأسر وإدارة المدرسة، حيث لا يبدو أحد بريئا تماما، ومع كل حلقة تتسع دائرة الشك.

ورغم أن الحبكة تنتمي ظاهريا إلى أعمال الجريمة، فإنها في جوهرها تتحدث عن هشاشة هذه المرحلة العمرية، وكيف يمكن للغيرة أو الخوف أو الرغبة في القبول الاجتماعي أن تدفع المراهقات إلى اتخاذ قرارات تغير مصائرهن. ولا يكتفي المسلسل برصد تصرفات شخصياته، بل يقترب أيضا من الخلفيات التي شكلتها.

إعلان

فرغم اختلاف دوافع البطلات، فإن خيطا مشتركا يجمع بينهن، يتمثل في غياب نموذج ذكوري يمنحهن الإحساس بالأمان والاستقرار. كما لا تظهر الأمهات باعتبارهن مساحة للحماية، بل شخصيات تحمل بدورها أزماتها ونقاط ضعفها. وبهذا المعنى، تبدو الفتيات وجوها مختلفة لأزمة واحدة، تواجهها كل منهن بطريقتها، بين السعي إلى السيطرة، والتمرد، والاختباء خلف صورة مثالية تخفي هشاشتها.

المراهقة كمادة درامية

تكمن أكثر أفكار المسلسل إثارة للاهتمام في أنه لا يقدم المراهقات باعتبارهن مصدر المشكلة، بل باعتبارهن نتاج بيئة عاطفية غير مستقرة لم تمنحهن الأدوات اللازمة لفهم أنفسهن أو مواجهة الضغوط المحيطة بهن. فالجريمة هنا ليست نتيجة قرار فردي، بل انعكاس لسلسلة من الإهمال والصمت، والمسافات التي اتسعت بين الأبناء ومن حولهم.

كما يتعامل "تحت السن" مع بطلاته بوصفهن شخصيات كاملة، لا نماذج تمثل الفضيلة أو الانحراف، بل فتيات يتخذن قرارات خاطئة تحت الضغط. وتمنح هذه المنطقة الرمادية الشخصيات قدرا من الإنسانية، حتى عندما يعجز السيناريو عن منح جميع الخطوط الدرامية العمق نفسه.

ولا يكتفي المسلسل باستعارة قالب الجريمة المدرسية التقليدي، بل يطوعه لواقع اجتماعي مختلف، حيث تصبح المدرسة امتدادا للأسرة، لا عالما منفصلا عنها.

بين "ميدتيرم" و"مدرسة الروابي": أين يقف "تحت السن"؟

يصعب مشاهدة "تحت السن" من دون استحضار "ميدتيرم"، الذي اقترب من عالم المراهقين المصريين من زاوية اجتماعية، بينما يذهب "تحت السن" إلى مساحة أكثر قتامة، معتمدا على الجريمة محركا للأحداث. كما تحضر المقارنة مع المسلسل الأردني "مدرسة الروابي للبنات"، غير أن "الروابي" كان أكثر ميلا إلى التحليل النفسي، بينما يمنح "تحت السن" مساحة أكبر للتحقيق.

ومن المفارقات أن العملين أثارا جدلا متشابها؛ فبينما واجه "مدرسة الروابي" مطالبات بالمنع، أثار "تحت السن" نقاشا واسعا حول صورة المدارس الخاصة والمراهقين، في دلالة على أن الاقتراب من هذه المرحلة العمرية لا يزال يثير حساسية مجتمعية.

لماذا +15 رغم أن أبطاله مراهقون؟

حصل العمل على تصنيف عمري (+15)، وحافظ طوال فترة عرضه على وجوده ضمن الأعمال الأعلى مشاهدة على منصة شاهد. ورغم أن أبطاله مراهقون، فإن هذا التصنيف يبدو منطقيا بسبب الموضوعات التي يناقشها، مثل العلاقات غير المتكافئة، والابتزاز الإلكتروني، والضغوط النفسية، وهي قضايا تتطلب قدرا من النضج في تلقيها. لذلك يبدو المسلسل موجها إلى الأهل والمربين بقدر ما يخاطب المراهقين أنفسهم.

التشويق كهوية بصرية

اختيار المخرج يحيى إسماعيل لهذا العالم ينسجم مع الخط المتكرر في أعماله، حيث يميل إلى المساحات التي تجمع بين الجريمة والتوتر النفسي والصراعات الداخلية. فمن أعماله السابقة مثل "ريفو" و"توابع" و"أثينا" يظهر اهتمام واضح بالحكايات التي تقوم على الأسرار، والاعتماد على الإحساس بالخطر أكثر من الحركة.

وفي "تحت السن"، يستخدم إسماعيل أدواته المعتادة في بناء التشويق؛ من إضاءة تمنح المشاهد شعورا بعدم الاطمئنان، إلى كادرات تضع الشخصيات داخل مساحات تبدو ضيقة رغم اتساع المكان، مع اهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تتحول لاحقا إلى أدلة في التحقيق. كما تتحول المدرسة، بأروقتها وممراتها، إلى فضاء يحمل إحساسا بالمراقبة، بينما يخلق التصوير تباينا بين صورتها الهادئة والفوضى النفسية التي يعيشها الطلاب.

إعلان

واستفاد العمل أيضا من صيغة الـ12 حلقة، إذ منح كل حلقة وظيفة واضحة في دفع التحقيق إلى الأمام، وحافظ على إيقاع سريع. لكن هذا التكثيف جاء على حساب التدرج النفسي لبعض الشخصيات، خاصة في مشاهد انهيار العلاقات الأسرية.

وجوه شابة تحمل عبء الحكاية

يقوم العمل على بطولة جماعية من الوجوه الشابة، وهو رهان لم يكن سهلا في عمل يعتمد على الغموض وتعدد وجهات النظر. وفي حين تنجح جيسيكا حسام الدين في نقل القلق والانكسار عبر التفاصيل الصغيرة أكثر من الانفعالات المباشرة، تقدم ريم المصري شخصية هادئة ومعقدة تجعل المشاهد مترددا في إصدار أحكامه عليها.

غير أن الأداء الأكثر نضجا كان من نصيب ترنيم هاني، التي اعتمدت على الهدوء والدقة في التعبير عن التحولات النفسية، ومنحت شخصيتها صدقا وإنسانية بعيدا عن المبالغة.

وفي المقابل، أضاف حضور ممثلين من جيل الخبرة توازنا مهما، خاصة فرح يوسف التي قدمت شخصية أم تحمل قدرا من الارتباك بقدر ما تحمل من الرغبة في الاحتواء. أما عمرو وهبة، فلم يكن الاختيار الأكثر توفيقا لشخصية الضابط، إذ افتقد الدور حضورا أكثر صلابة ودهاء، وهو ما أفقد خط التحقيق ثقله الدرامي.

لا يكتفي المسلسل باستعارة قالب الجريمة المدرسية التقليدي، بل يطوعه لواقع اجتماعي مختلف (منصة شاهد)
هل نجح العمل في لعبة المفاجآت؟

تعتمد الأعمال البوليسية على المفاجأة، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في أن تكون نابعة من منطق الشخصيات. وحتى الحلقة العاشرة، يحافظ "تحت السن" على قدر جيد من الغموض، وإن اعتمد على إعادة توزيع الشكوك أكثر من تقديم معلومات تغير فهم المشاهد للحكاية.

وهكذا يصبح الاختبار الحقيقي في الحلقتين الأخيرتين، لأن النهاية وحدها ستحدد ما إذا كان الغموض مبنيا على إشارات ذكية أم مجرد تأجيل لكشف الحقيقة. فأفضل نهايات هذا النوع هي التي تدفع المشاهد، بعد انكشاف اللغز، إلى الشعور بأن الإجابة كانت أمامه طوال الوقت لكنه لم ينتبه.



إقرأ المزيد