صراع الجنرالين.. هل تهدد أزمة فيدوروف تماسك القيادة الأوكرانية؟
الجزيرة.نت -

Published On 20/7/2026

أثارت استقالة وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف موجة احتجاجات غير مسبوقة في أوكرانيا، بعدما تحولت القضية من مجرد تعديل حكومي إلى أزمة سياسية وعسكرية كشفت عن صراع داخل هرم السلطة في كييف بين رؤيتين لإدارة الحرب ضد روسيا، وأعادت طرح أسئلة حول الشعبية والشرعية في خضم هذه الأزمة.

وبحسب مجلة نوفيل أوبس الفرنسية، فإن فيدوروف (35 عاما)، الذي لم يمض على توليه وزارة الدفاع سوى ستة أشهر، نجح خلال فترة قصيرة في اكتساب شعبية واسعة بفضل إصلاحات ركزت على توسيع استخدام المسيّرات، وتحسين أوضاع العسكريين، وتحديث منظومة إدارة الحرب اعتمادا على التكنولوجيا والبيانات.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

لكن الوزير المستقيل كشف، خلال مؤتمر صحفي أعقب استقالته، أن مبادراته الإصلاحية "بدأت تُعرقل"، موجها انتقادات مباشرة إلى القائد العام للقوات المسلحة أولكسندر سيرسكي، ومعتبرا أن الحرب تغيرت جذريا وأن الأساليب التقليدية لم تعد كافية لمواجهة روسيا.

خلاف متفاقم

ويرى مراقبون أن هذه التصريحات أظهرت للعلن خلافا ظل يتفاقم منذ أشهر بين شخصيتين تمثلان رؤيتين مختلفتين للحرب. فمن جهة، يدافع فيدوروف عن جيش يعتمد بصورة أكبر على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والحلول الرقمية، بينما يمثل سيرسكي، بطل الدفاع عن كييف والهجوم المضاد في خاركيف عام 2022، المدرسة العسكرية التقليدية القائمة على القيادة الميدانية والعمليات الكلاسيكية.

وفي خضم هذا الخلاف، وجد الرئيس فولوديمير زيلينسكي نفسه مضطرا إلى الاختيار بين الرجلين، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حربا مفتوحة مع روسيا. وقد دعا الرئيس إلى "الوحدة"، إلا أن محللين اعتبروا أن قراره جاء حفاظا على استقرار القيادة العسكرية أكثر من كونه حكما بين مشروعين متنافسين.

ويرى عالم السياسة فولوديمير فيسينكو أن الشعبية المتزايدة لفيدوروف ربما تحولت إلى عبء سياسي، إذ أصبح ينظر إليه باعتباره "أكثر المصلحين كفاءة داخل الحكومة" ونجما سياسيا صاعدا، وهو ما قد يكون أثار حساسية داخل دوائر الحكم.

إعلان

ولا تقتصر الأزمة على إبعاد وزير يحظى بتأييد شعبي، بل تمتد إلى الطريقة التي جرى بها تعيين خلفه المؤقت، الجنرال يفهيني خمارا، أحد أبرز قادة جهاز الأمن الأوكراني.

من هو البديل؟

بحسب صحيفة لو فيغارو، اختار زيلينسكي خمارا لتولي وزارة الدفاع بالإنابة رغم أن القانون الأوكراني، الذي أقر عام 2019 انسجاما مع معايير حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ينص على أن يكون وزير الدفاع مدنيا، وليس ضابطا في الخدمة.

ويعد خمارا من أبرز قادة العمليات الخاصة في جهاز الأمن الأوكراني، وقاد بين عامي 2023 و2025 مركز العمليات الخاصة "ألفا"، الذي لعب دورا رئيسيا في الهجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.

كما أشرف على عملية استعادة جزيرة الأفعى، ويصفه زيلينسكي بأنه يمتلك خبرة واسعة في العمليات التكنولوجية، وهو ما يعكس تمسك الرئاسة بخيار تطوير القدرات التقنية للجيش، وهو المسار نفسه الذي كان يدافع عنه فيدوروف.

غير أن هذا التعيين أثار اعتراضات قانونية وسياسية. ونقلت لو فيغارو عن النائب المعارض فولوديمير أرييف قوله إن مهمة وزير الدفاع ليست قيادة القوات بل تجهيزها، مؤكدا أن تعيين جنرال في هذا المنصب يمثل سابقة تخالف التشريعات الحالية.

كما أشار خبراء إلى أن البرلمان لم يصوت بعد على أي مرشح، وأن البلاد قد تبقى أسابيع بوزراء بالإنابة في وزارات سيادية، بينها الدفاع والخارجية، في ظل العطلة البرلمانية.

القائد العام للقوات المسلحة أولكسندر سيرسكي (أسوشيتد برس)
الحكم أثناء الحرب

وتتجاوز تداعيات الأزمة مسألة الأشخاص، إذ تعكس تحديا أوسع يتعلق بإدارة الدولة أثناء الحرب. فبينما يرى مؤيدو زيلينسكي أن الحفاظ على وحدة القيادة العسكرية أولوية قصوى، يخشى منتقدوه أن تؤدي هذه القرارات إلى تركيز أكبر للسلطة التنفيذية وإضعاف المؤسسات المدنية التي سعت أوكرانيا إلى ترسيخها منذ سنوات.

وفي الوقت نفسه، تابعت موسكو التطورات باهتمام، إذ أشاد بعض المدونين العسكريين الروس بإبعاد فيدوروف، معتبرين أنه كان وراء تطوير أدوات قتالية سببت خسائر كبيرة للقوات الروسية، في المقابل كان شركاء كييف يتوقعون انتقالا سلسا داخل مؤسسات الدولة، لأن الحفاظ على وحدة القيادة يمثل شرطا أساسيا لاستمرار النجاحات العسكرية التي حققتها أوكرانيا في الأشهر الأخيرة.

وبذلك، تحولت أزمة استقالة وزير الدفاع إلى اختبار سياسي ومؤسسي للرئيس زيلينسكي، بين الحفاظ على تماسك القيادة العسكرية من جهة، والاستجابة لمطالب الشارع واحترام قواعد الشرعية المدنية من جهة أخرى، في لحظة قد يكون فيها الانقسام الداخلي مكسبا إإستراتيجيا لروسيا بقدر ما يمثل تحديا لأوكرانيا.



إقرأ المزيد