انتخابات إسرائيل.. فخ 27 أكتوبر ولعنة الـ100 يوم الأخيرة
الجزيرة.نت -

بدأ العد التنازلي لـ 100 يوم قبل توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع، وتأتي هذه المحطة بعد أن شهد الكنيست في جلساته الأخيرة ماراثونا تشريعيا أقر خلاله حزمة قوانين مثيرة للجدل، في خطة استباقية من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لتمرير مشاريعه المفضلة وتثبيت أركان تحالفه قبل الدخول في عطلة الانتخابات الرسمية.

هذه التشريعات المتسارعة تضع الشارع الإسرائيلي أمام مفارقة تاريخية، فحكومة اليمين الحالية تتجه لتكون الأولى التي تكمل مدتها القانونية كاملة منذ عقود، رغم أنها ذاتها التي شهدت تحت إشرافها "الكارثة الأكبر" في تاريخ إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وهذا التقرير الشارح يحاول الإجابة عن الأسئلة الأربعة الكبرى التي ستحدد مصير المعركة على السلطة:

  • ما الموعد الذي تقرر لإجراء الانتخابات الإسرائيلية وما الذي سيحسمها؟

تقرر إجراء الانتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل (وهو التاريخ الأصلي المحدد بموجب القانون)، بعد أن أكد رئيس الائتلاف أوفير كاتس أمام لجنة برلمانية الحفاظ على هذا الموعد، منهيا حالة عدم الوضوح التي تلت تصويت البرلمان الإسرائيلي في مايو/أيار على الحل واحتمالية التبكير، وتعد هذه الانتخابات الأولى منذ عملية طوفان الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحروب الإسرائيلية التي تلت ذلك في غزة ولبنان وإيران.

وتأتي الانتخابات بعد أزمة سياسية حادة وجولات متعددة على مدار السنوات السبع الأخيرة، وتظل علامة الاستفهام الكبرى لهذه الانتخابات هي: "هل سيكون هناك حسم؟"، فدون احتساب أصوات الأحزاب العربية في تشكيل الائتلاف، لا يملك أي طرف الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، بحسب استطلاعات الرأي.

ويقود رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وحزبه الليكود حملة تروج بأن معسكر التغيير والمعارضة لا يملكون أغلبية لتشكيل حكومة دون الأحزاب العربية، ويلصق نتنياهو هذه التهمة برئيس حزب "يشار" غادي آيزنكوت أو رئيس حزب "بيحاد" نفتالي بينيت بناءً على ما تظهره الاستطلاعات.

إعلان

في المقابل، يربط معارضو نتنياهو اسمه بالأحزاب الحريدية وبحملة التشريعات الأخيرة "البليتز"، لإيصال رسالة للجمهور بأن نتنياهو سيخضع "لائتلاف ابتزازي".

أما الكتلة التصويتية الحاسمة في هذه الانتخابات فهي "المصوتون المترددون" أو "المتأرجحون" الذين تتنقل أصواتهم بين نتنياهو وأحزاب اليمين الأخرى والوسط، إذ تشكل هذه الفئة 10% إلى 20% من أصوات الناخبين (أي ما يعادل 12 إلى 24 مقعدا من أصل 120)، ونظرا للتقارب الشديد في الاستطلاعات، فإن عدداً صغيراً من هذه المقاعد المترددة سيكون كافياً لحسم الانتخابات.

جلسة في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قبل حله تمهيدا للانتخابات المقبلة (رويترز)
  • كيف أثرت أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول على الائتلاف الحالي، وما الذي يقلق نتنياهو؟

يبدو أن "الكارثة الأكبر" في تاريخ إسرائيل قد أثرت بالفعل على المنظومة السياسية، فالائتلاف الحالي الذي يضم 68 مقعدا وأنهى فترة ولايته كاملة، لم يعد يملك اليوم الوصول إلى الحد الأدنى المطلوب (61 مقعدا) لإعادة تشكيل نفس الائتلاف.

وعلى الأرجح لن يغير 7 أكتوبر/تشرين الأول رأي الجمهور في الأشهر المتبقية على الانتخابات، ورغم أن نتنياهو حاول التهرب من إجراء الانتخابات في أكتوبر/تشرين الأول ومن الرقم "7"، إلا أنه يُقدّر في محادثات مغلقة مع رجاله -بحسب تقارير صحفية إسرائيلية- أن تأثير العملية قد تجسد ومُحتسب بالفعل في وضعه السياسي الحالي، ولم يعد سببا لانتقال الأصوات، خاصة وأنها ستكمل عامها الثالث في أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

ووفقا لتقارير إسرائيلية، فإن نتنياهو أكثر قلقا بشأن الضرر السياسي الذي لحق به جراء موجة التشريعات الأخيرة مثل قانون "الحصانة" الحريديم الفارين والمتملصين من التجنيد، وأقل قلقاً مما حدث في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

في المقابل، تحول هذا التاريخ إلى سلاح نفسي بيد المعارضة وعائلات الأسرى الإسرائيليين السابقين الذين يرفعون شعار "الفرق بين التاريخين هو ألفا قتيل"، معتبرين المعركة الانتخابية إما انتصارا وإما "7 أكتوبر ثانيا"، ما يظهر أن هجوم أكتوبر لن يكون مجرد حدث عابر، بل هو "المحرك النفسي" للناخب المناهض للحكومة.

وتركز التقارير العبرية في هذه الأيام وقبل 100 يوم من الانتخابات على أن هذه الحكومة هي الأولى منذ عام 1988 التي تنجح في إكمال مدة ولايتها الكاملة (4 سنوات)، والمفارقة الصارخة هنا -بحسب تلك التقارير- أن بقاءها لهذه المدة ترافق مع إخفاق 7 أكتوبر ومع رئيس وزراء لم يتحمل المسؤولية رسميا عنه بعد.

غادي آيزنكوت رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق خلال إطلاق الحملة الانتخابية لحزبه في 30 يونيو/حزيران 2026 (أسوشيتد برس)
  • من أقوى منافس لنتنياهو في انتخابات 2026؟

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى صعود لافت لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، غادي آيزنكوت (66 عاما)، ليصبح "الحصان الأسود" والمنافس الأبرز لنتنياهو. فقد نجح حزبه الجديد "يشار" (مستقيم) في التفوق على حزب "الليكود" الحاكم، وعلى تحالف المعارضة التقليدي "معاً" بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد.

إعلان

وتعود قوة آيزنكوت كمنافس أساسي إلى ثلاثة أبعاد رئيسية يطرحها في الشارع الإسرائيلي:

1. الكاريزما العسكرية والعقيدة الأمنية إذ قاد الجيش الإسرائيلي (2015-2019) وتفرّد بعقيدة أمنية عُرفت بـ "المعركة بين الحروب"، وهي إستراتيجية تعتمد على العمليات الاستباقية الصغيرة لتأخير الحروب الشاملة، وكان المثال الأبرز على ذلك هو عملية عام 2018 التي ركزت على تدمير الأنفاق العابرة للحدود التي حفرها حزب الله من لبنان إلى إسرائيل، بدلاً من ضرب حزب الله بشكل مباشر.

2. "الفاجعة والمواجهة السياسية".. يحمل آيزنكوت شرعية قوية في الشارع الإسرائيلي حاليا، بعدما فقد ابنه واثنين من أبناء إخوته في حرب غزة. وعقب مقتل ابنه في عام 2023، لم يتردد في توجيه اتهامات قاسية، معارضا أهداف الحرب وواصفا المساعي لإعادة استيطان غزة بـ"الجبن، والتردد السياسي، والاعتبارات السياسية والأيديولوجية".

3. يطرح حزبه "يشار" خطة من 10 نقاط تضرب مباشرة أساسات حكومة نتنياهو الحالية، وأبرزها تشكيل لجنة تحقيق في إخفاقات أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول -وهو ما يتهرب منه نتنياهو-، إلى جانب فرض "الخدمة العسكرية أو الوطنية" على الجميع، بما يشمل العرب واليهود الحريديم، مما يهدد تحالف نتنياهو مع الأحزاب الدينية، وإلزام المدارس الدينية بدراسة المناهج الأساسية (الرياضيات والعلوم والتاريخ).

  • هل تنجح الحكومة في محاصرة "أصوات المعارضة" جوا وبرا؟

بحسب تقارير إسرائيلية، تسعى الحكومة إلى منع "تدفق المغتربين" إلى إسرائيل، إذ تخشى وزارة المواصلات ومكتب رئيس الوزراء من قدوم عشرات الآلاف منهم من الخارج للتصويت في انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول لصالح أحزاب المعارضة، خاصة بعد رصد حراك واسع على منصات التواصل الاجتماعي ومبادرات لحجز رحلات طيران بالجملة.

ويبرز خيار تقييد "خانات الهبوط" كأداة أساسية قيد التداول غير الرسمي لتقليص أو منع رحلات الطيران العارض، حيث تتحكم سلطة المطارات في هذه الخانات ولا يمكن لأي طائرة الإقلاع نحو مطار بن غوريون دون حجز مسبق.

ويناقش المسؤولون استغلال أزمة نقص المواقف في المطار الناتجة عن إشغال طائرات الوقود الأمريكية لها، والتي يُتوقع بقاؤها بانتظار قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن الحرب مع إيران بعد الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

هذا النقص سيمنح سلطة المطارات المبرر لمنح الأولوية للشركات الإسرائيلية ثم الأجنبية المنتظمة، ووضع رحلات الطيران العارض في المرتبة الأخيرة لمنعها.

في المقابل، تُظهر استطلاعات "ائتلاف المساعدة" لـ4500 مغترب أن 84% يرون الانتخابات مصيرية، و45% مستعدون لفعل أي شيء للعودة والتصويت، وبما أن القانون الإسرائيلي يمنع التصويت الغيابي (بالبريد) لغير الدبلوماسيين، فإن نجاح الحكومة في عرقلة عودة نحو نصف مليون مغترب سيكون له تأثير سياسي كبير على نتائج الانتخابات.

أما استطلاعات الرأي المتتالية فتشير إلى أن ائتلاف نتنياهو (المكون من أحزاب قومية ودينية) سيخسر الانتخابات، ورغم ذلك، لا يملك منافسوه السياسيون حتى الآن مساراً واضحاً للوصول إلى السلطة، وبذلك يبقى المشهد السياسي القادم في إسرائيل رهنا للتغيرات.



إقرأ المزيد