المخرج مراد مصطفى: "عائشة لا تستطيع الطيران" تتويج لثلاثية عن الهامش
الجزيرة.نت -

شكّل الحضور اللافت للفيلمين القصيرين "حنة ورد" و"عيسى" في كبرى المهرجانات العالمية نقطة ترسيخ لمشروع المخرج مراد مصطفى السينمائي، المنشغل دائما بالشخصيات التي تعيش على الهامش، وبأسئلة الهوية والانتماء والاغتراب.

وجاء فيلمه الروائي الطويل الأول "عائشة لا تستطيع الطيران" امتدادا لهذا المشروع، لكن برؤية أكثر اتساعا ونضجا، تتحول فيها الصورة والمكان والإيقاع إلى عناصر فاعلة في بناء العالم النفسي للشخصيات. وفي عالمه السينمائي، لا تبدو المدينة مجرد مسرح للأحداث، بل شريكا في تشكيل مصائر أبطاله، بينما تراهن الكاميرا على التفاصيل، ويقوم الحوار على قدر من الاقتصاد، بما يجعل المتفرج يعيش التجربة أكثر مما يكتفي بمشاهدتها.

اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

وفي حواره مع الجزيرة نت، يتحدث مراد مصطفى عن الشرارة الأولى التي قادته إلى "عائشة لا تستطيع الطيران"، وكيف تشكلت لغته البصرية، ورؤيته للمكان والشخصية، وتحديات الانتقال إلى الفيلم الروائي الطويل، ورحلته مع التمويل والإنتاج، وتمسكه بصوت سينمائي خاص يفضل طرح الأسئلة على تقديم الإجابات.

  • غالبا ما تكون نقطة البداية هي الأكثر إثارة للفضول. كيف وُلدت فكرة فيلم "عائشة لا تستطيع الطيران"؟ وما الذي قادك إلى شخصية "عائشة" وعالمها؟

بدأت الشرارة الأولى من موقف شخصي. كنت أستقل ميكروباصا، وكانت تجلس إلى جواري فتاة سودانية نائمة. وفجأة استيقظت مفزوعة، وكأنها تهرب من كابوس أو تعيش حالة من القلق الدائم. ورغم أن الموقف كان عابرا، فإنه ظل عالقا في ذهني لفترة طويلة، وجعلني أتساءل: ما الذي يمكن أن يدفع إنسانا إلى أن يعيش بهذا القدر من التوتر حتى أثناء نومه؟

في الوقت نفسه، نشأت في منطقة يعيش فيها عدد كبير من المهاجرين واللاجئين، وكان وجودهم جزءا من المشهد اليومي في حياتي. لذلك جاء اهتمامي بهذه الشخصيات بشكل طبيعي، ومن هنا بدأت تتشكل البذرة الأولى للفيلم.

  • يحمل عنوان "عائشة لا تستطيع الطيران" دلالة شاعرية، كما تبدو الصورة عنصرا أساسيا في التعبير عن عالم البطلة. كيف بنيت هذه اللغة البصرية؟ وكيف وظفت الكاميرا والإضاءة لتجسيد شعورها الدائم بالتهديد والاختناق؟

إعلان

كنت أريد أن يعيش المتفرج التجربة مع عائشة، لا أن يكتفي بمراقبتها من الخارج. هدفي كان أن أسحب منه شعور الأمان تدريجيا، وأن أضعه في حالة من التوتر حتى في اللحظات التي يبدو فيها كل شيء هادئا. لذلك اعتمدت على لغة بصرية وصوتية تجعل العالم المحيط بعائشة يبدو ضيقا وثقيلا، وكأن كل مساحة يمكن أن تتحول إلى قيد.

لهذا جاءت حركة الكاميرا، وتكوين الكادرات، والإضاءة، والإيقاع، وحتى الصمت، عناصر أساسية في بناء هذا الإحساس. الكاميرا تقترب من عائشة باستمرار، والكادرات تضيق عليها، بينما تجعل الإضاءة المكان مألوفا، لكنه يبعث على عدم الارتياح، ليشعر المشاهد بأن هناك خطرا يحيط بالشخصية طوال الوقت، حتى عندما لا يكون ظاهرا على الشاشة.

أنا أحب السينما التي تجعل المتفرج يشعر أكثر مما تشرح له، لذلك أردت أن تكون اللغة البصرية نفسها جزءا من التجربة النفسية. إذا خرج المشاهد من الفيلم وهو يشعر بالاختناق أو بعدم الارتياح، فأعتبر أن الصورة حققت ما كنت أسعى إليه.

وكنت مدركا منذ البداية أن الفيلم لن يرضي الجميع. كنت أعرف أن بعض الجمهور سيغادر قاعة العرض، لأنني لم أصنع فيلما يبحث عن إرضاء المتفرج أو منحه تجربة مريحة، بل فيلما يتحداه ويدفعه إلى مواجهة شعور مستمر بعدم الارتياح. بالنسبة لي، كان هذا جزءا أساسيا من التجربة التي أردت تقديمها.

  • في أفلامك، لا يبدو المكان مجرد خلفية للأحداث، بل عنصرا فاعلا يؤثر في الشخصيات. كيف تعاملت مع المكان في "عائشة لا تستطيع الطيران"؟

كنت مهتما بتحويل الأماكن العادية التي نعرفها جميعا إلى أماكن ذات طابع ديستوبي ومقلقة في الوقت نفسه. لم أكن أبحث عن ديستوبيا خيالية، بل عن الديستوبيا المختبئة داخل الواقع؛ تلك التي لا نلاحظها إلا عندما ننظر إلى المكان بعين شخص يشعر بأنه غير مرحب به.

المترو، والشقق، والشوارع، كلها أماكن نمر بها كل يوم، لكن طريقة تصويرها تجعلها تبدو وكأنها تضيق على عائشة وتحاصرها. كان هدفي أن يرى المشاهد القاهرة التي يعرفها، ثم يكتشف أنها قد تبدو مدينة قاسية وغريبة، بحسب الشخص الذي يعيش فيها.

ومن أبرز المراجع البصرية التي عدت إليها خلال التحضير فيلم "جنة الشياطين"، لأنه يكشف الوجه الكابوسي لأماكن نعيش فيها كل يوم، وهو ما ألهمني في طريقة النظر إلى المكان داخل الفيلم.

  • تعتمد في أفلامك على ممثلين غير محترفين وتحقق معهم أداء شديد الصدق. كيف اخترت أبطال "عائشة لا تستطيع الطيران"؟ وكيف تدير الممثل داخل موقع التصوير؟

استغرقت عملية البحث وقتا طويلا، ومررنا على عدد كبير من مكاتب "الكاستنغ"، لأنني لم أكن أبحث عن ممثلين بالمعنى التقليدي، بل عن وجوه تمتلك حضورا حقيقيا أمام الكاميرا، وتشعر أنها تنتمي إلى هذا العالم حتى قبل أن تنطق بأي كلمة.

وينعكس ذلك أيضا على طريقتي في إدارة الممثل داخل موقع التصوير. أحب أن أترك له مساحة كبيرة، ولا أتعامل معه باعتباره منفذا لما هو مكتوب فقط، بل شريكا يضيف من مشاعره وتجربته الخاصة. وعندما يكون الممثل قريبا من العالم الذي يرويه الفيلم، يصبح أداؤه أكثر صدقا وأقل افتعالا. بالنسبة لي، أهم شيء هو أن يبدو كل ما يحدث على الشاشة وكأنه يولد في اللحظة، لا أنه مجرد أداء معاد تمثيله.

  • في كل تجربة روائية أولى، تكون هناك لحظة تمثل الاختبار الأصعب للمخرج. ما المشهد الذي أرهقك أكثر في "عائشة لا تستطيع الطيران"؟ ولماذا؟

إعلان

أكثر مشهد أرهقني كان مشهد العراك الكبير في نهاية الفيلم بين المصريين والمهاجرين الأفارقة. لم يكن التحدي في تنفيذ مشهد حركة فقط، بل في إدارة هذا العدد الكبير من الممثلين والكومبارس، مع الحفاظ على الإحساس بالفوضى والواقعية من دون أن نفقد السيطرة على التفاصيل.

استغرق المشهد عدة أيام من التحضير، ويومين كاملين للتصوير. كان علينا تنسيق حركة عشرات الأشخاص والكاميرا والإيقاع بدقة شديدة، وفي الوقت نفسه جعل كل ما يحدث يبدو عفويا وحقيقيا. هذا النوع من المشاهد يستنزف جهدا هائلا، لكنه كان من أهم لحظات الفيلم، لأنه يلخص كل التوتر الذي ظل يتصاعد منذ بداية الأحداث.

  • في "حنة ورد" و"عيسى"، انشغلت بعوالم المهاجرين واللاجئين الأفارقة في مصر. هل يمثل "عائشة لا تستطيع الطيران" امتدادا لهذا المشروع السينمائي؟

نعم، أراه امتدادا طبيعيا لـ"حنة ورد" و"عيسى"، وربما الفصل الأخير في ثلاثية بدأت من الهامش وانتهت بمحاولة النظر إلى المجتمع كله من خلال هذا الهامش. أنا لا أتعامل مع المهاجرين واللاجئين باعتبارهم "موضوعا" سينمائيا، بل باعتبارهم عدسة تكشف تحولات أعمق يعيشها المجتمع المصري.

ما يشغلني ليس الهجرة بوصفها حدثا سياسيا أو اجتماعيا، بل ما تكشفه من أسئلة تتعلق بالهوية والانتماء والسلطة والخوف من الآخر. أعتقد أن الشخصيات التي تعيش على الهامش ترى ما لا يراه المركز، ولذلك تمنح السينما فرصة لإعادة اكتشاف المدينة والإنسان معا.

كان "حنة ورد" بداية الاقتراب من هذا العالم، و"عيسى" محاولة لفهمه من الداخل، أما "عائشة لا تستطيع الطيران" فهو تتويج لهذا المسار؛ فيلم لا يتحدث عن المهاجرين وحدهم، بل عن مجتمع كامل يُعاد تشكيله أمام أعيننا، وعن الحدود غير المرئية التي يرسمها البشر بينهم كل يوم.

  • بعد نجاح أفلامك القصيرة في كبرى المهرجانات العالمية، كيف كانت تجربة الانتقال إلى الفيلم الروائي الطويل الأول؟ وما أبرز التحديات، خاصة على مستوى الإنتاج والتمويل؟

الأفلام القصيرة كانت مدرستي الحقيقية في السينما. من خلالها جربت وأخطأت وطورت لغتي البصرية، كما منحتني فرصة لبناء علاقة مع المهرجانات والجمهور حول العالم، وهو ما ساهم في حصول "عائشة لا تستطيع الطيران" على اهتمام مبكر منذ مرحلة التطوير.

أما الفيلم الروائي الطويل، فلم يكن مجرد فيلم أطول، بل تجربة مختلفة تماما، تتطلب بناء عالم متكامل يحمل الشخصيات والمشاعر على امتداد زمن أطول، إلى جانب تحديات إنتاجية أكبر.

ويبقى التمويل أحد أصعب جوانب السينما المستقلة، لكنه جزء من الرحلة. قد يستغرق العثور على شركاء يؤمنون بالمشروع سنوات، لكنني لم أشعر يوما بوجود وصاية على رؤيتي الفنية. بعض المنتجين انسحبوا لأنهم لم يروا الفيلم بالطريقة نفسها التي أراها، وكنت أفضل ذلك على وجود شريك يحاول تغيير هوية العمل. بالنسبة لي، من الأفضل أن يستغرق التمويل وقتا أطول، مقابل أن يخرج الفيلم كما تخيلته منذ البداية.

  • تلعب المنتجة سوسن يوسف دورا بارزا في مشاريعك السينمائية. كيف تصف طبيعة الشراكة بينكما؟ وما الذي تضيفه هذه العلاقة إلى أفلامك؟

سوسن يوسف بالنسبة لي ليست مجرد منتجة، بل شريكة حقيقية في كل ما أصنعه. هناك ثقة كبيرة بيننا، وهي من الأشخاص القلائل الذين يمنحونني المساحة الكاملة للتركيز على الفيلم، بينما تتولى حماية المشروع والدفاع عنه في مختلف مراحله، سواء على المستوى الإنتاجي أو الاستراتيجي.

أعتقد أن نجاح أي فيلم لا يعتمد على الرؤية الفنية وحدها، بل أيضا على وجود شخص يعرف كيف يحمي هذه الرؤية. وهذا ما تفعله سوسن دائما؛ فهي تعرف متى تدافع، ومتى تفاوض، ومتى تتحمل الضغوط بدلا مني، حتى أظل متفرغا لصناعة الفيلم.

إعلان

بصراحة، لم تعد العلاقة بيننا مجرد مخرج ومنتجة، بل أصبحت شراكة قائمة على ثقة كاملة وإيمان مشترك بنوع السينما الذي نحاول تقديمه، ووأعتقد أن هذا أحد أهم أسباب تطور أفلامنا من عمل إلى آخر.



إقرأ المزيد