الجزيرة.نت - 7/19/2026 10:19:51 PM - GMT (+3 )
لم تعد العلاقات العسكرية بين الهند وإسرائيل مجرد صفقات تجارية لتبادل الأسلحة الجاهزة، بل تحولت إلى شراكة إستراتيجية أعمق تتجذر في خطوط الإنتاج المشتركة. ولعل أحدث فصول هذا التعاون يتجسد في المحادثات الحالية التي تجريها شركة "رافائيل" الإسرائيلية لأنظمة الدفاع المتقدمة مع شركات دفاعية هندية؛ والهدف هو وضع حجر الأساس لخط إنتاج مشترك لصواريخ "تامير" الاعتراضية، العصب النابض لمنظومة "القبة الحديدية".
هذا الصاروخ الموجه "أرض-جو"، الذي دخل الخدمة عام 2011 والمتخصص في صيد القذائف الهجومية قصيرة المدى ومنخفضة الارتفاع بمدى يصل إلى نحو 70 كيلومترا، قد يرى النور قريبا بنسخة هندية الصناعة، إذ لا تقتصر أبعاد هذا الخط الإنتاجي المحتمل على تلبية الاحتياجات الآنية، بل تمتد لتأمين مبيعات الصواريخ الاعتراضية إلى دول أخرى، وخفض تكاليف التصنيع، ناهيك عن توفير قدرة إنتاجية احتياطية تلجأ إليها تل أبيب عند ارتفاع الطلب أو وقوع المصانع الإسرائيلية تحت ضغوط الحرب.
"تتقاطع الرغبة الإسرائيلية مع سياسة الهند القاضية بتوطين الصناعات العسكرية"
هذه الرغبة الإسرائيلية وجدت بيئة مثالية في نيودلهي؛ إذ تتقاطع تماما مع سياسة توطين الصناعات العسكرية ضمن مبادرة "صنع في الهند" التي أطلقتها حكومة ناريندرا مودي بهدف جذب الاستثمارات الأجنبية، وتقليل الاعتماد على الواردات في القطاعات الإستراتيجية الحساسة كالدفاع. ولم تكن خطوة "تامير" وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجا لمسار متسارع من توسيع التعاون التكنولوجي بين الهند وإسرائيل.
ففي فبراير/شباط 2025، خطت "رافائيل" خطوة متقدمة بتوقيع اتفاق مع شركة "سينتوم إلكترونيكس" الهندية لتطوير قدرات السيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي، مما يمنح القوات الهندية القدرة على مراقبة المجال الذي تنتقل عبره إشارات الرادار والاتصالات اللاسلكية، ومعرفة الجهات التي تستخدمه وتحديد مصادر الإشارات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شمل أيضا تطوير حلول استخباراتية وأنظمة لدعم القرار تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لصالح القوات المسلحة الهندية، مما يعني أن التعاون يتجاوز السلاح التقليدي إلى أدوات حربية أكثر حداثة.
إعلان
ولم يكد عام 2025 ينتهي حتى وضع البلدان في نوفمبر/تشرين الثاني إطارا رسميا أشمل، عبر توقيع مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي فتحت الأبواب أمام حوار إستراتيجي وتدريب مكثف وتعاون وثيق في مجالات الصناعات الدفاعية والعلوم والتكنولوجيا والبحث والتطوير والابتكار، إلى جانب الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي. ونصت المذكرة على تسهيل تبادل التكنولوجيا المتقدمة وتشجيع التطوير والإنتاج المشتركين، بما ينقل العلاقة تدريجيا من نموذج المورد والمشتري إلى بناء قدرات صناعية وتكنولوجية مترابطة.
تكشف هذه التحركات المتسارعة عن قفزة تتجاوز تزويد إسرائيل دلهي بالسلاح نحو إدماجها مباشرة في سلاسل إنتاج المنظومات الإسرائيلية. لطالما كانت الهند أحد الأعمدة الرئيسية لصادرات السلاح الإسرائيلي؛ حيث تشير التقارير إلى أنها استوردت معدات عسكرية إسرائيلية بقيمة بلغت 2.9 مليار دولار في الفترة بين عامي 2014 و2024. وتتأكد هذه الصدارة بالأرقام الصادرة عن "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام" (SIPRI)، والتي تظهر أن الهند كانت أكبر متلق للأسلحة الإسرائيلية خلال الفترة بين عامي 2016 و2020، مستحوذة بمفردها على 43% من حجم صادرات إسرائيل في هذا القطاع.
"تنتقل العلاقة تدريجيا من نموذج المورد والمشتري إلى بناء قدرات صناعية وتكنولوجية مترابطة"
إن هذا الانتقال التاريخي من الاستيراد واسع النطاق إلى المشاركة في الإنتاج، يعد أحدث حلقات مسار طويل من ترابط عسكري بدأ في الظل بعيدا عن الأضواء قبل إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992، ثم ما لبث أن تسارع مع الأزمات والحروب الهندية، ليرسخ جذوره العميقة بعد حرب كارجيل ضد باكستان عام 1999.
تدعم ذلك إشارة نيكولاس بلاريل، أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في تحليل السياسة الخارجية والأمنية للهند. ففي كتابه "تطور سياسة الهند تجاه إسرائيل: الاستمرارية والتغيير والتسوية منذ عام 1922″، يُبيّن بلاريل أن التعاون العسكري بين البلدين لم يبدأ مع إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992. فالتطبيع في نظره، كان تتويجا لمسار طويل من النقاشات والاتصالات والمصالح المتراكمة، لا انقلابا مفاجئا في سياسة نيودلهي. فقد نشأت خلف القطيعة السياسية المعلنة علاقة دفاعية محدودة تحركها البراغماتية والضرورة الأمنية، كلما وجدت الهند نفسها أمام حرب أو نقص عاجل في السلاح.
ظهرت هذه الازدواجية بوضوح خلال الحرب الحدودية الهندية الصينية عام 1962. فبينما تمسكت حكومة جواهر لال نهرو علنا بخطاب عدم الانحياز والتضامن مع الفلسطينيين، دفعتها الهزيمة العسكرية أمام الصين إلى البحث عن السلاح لدى أطراف لم تكن ترتبط بها بعلاقات دبلوماسية كاملة. أرسل نهرو طلبا إلى إسرائيل، وبناء على توصية رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون، وافقت وزيرة الخارجية آنذاك غولدا مائير على بيع الهند مدافع هاون ثقيلة وذخائرها. وتشير روايات لاحقة إلى أن نيودلهي أرادت وصول الشحنة من دون علامات تكشف مصدرها، لكن إسرائيل أصرت على نقلها بسفن ترفع علمها. ومع أن الحكومة الهندية لم تعترف علنا بالمساعدة، فإنها أوقفت استقبال شحنات جديدة من السلاح -ولو ظاهريا- بعد اعتراض الرئيس المصري جمال عبد الناصر على الصفقة، وفق بعض الروايات التي يعرضها بلاريل.
"السياسة الهندية الخارجة من رحم الاستقلال حملت قدرا كبيرا من المثالية، لكنها اضطرت تدريجيا إلى التكيف مع توازنات القوة والواقع الدولي"
ورغم ذلك لم تتوقف الاتصالات. ففي يناير/كانون الثاني 1963، زار رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية ورئيس فرع العمليات في الجيش الإسرائيلي نيودلهي سرا لمناقشة إمكانات التعاون. لكن تسرب خبر الزيارة إلى الصحافة دفع الحكومة الهندية إلى نفيها؛ وانتهت المحادثات من دون إنشاء علاقة مؤسسية مستمرة. غير أن ذلك رسّخ صيغة ستتكرر لاحقًا؛ حيث التعاون الأمني عند الضرورة يقابله إنكار سياسي في العلن.
إعلان
وبحسب سوميت غانغولي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إنديانا الأمريكية، كانت هزيمة 1962 نقطة تحول تتجاوز العلاقة مع إسرائيل إلى مجمل تصور الهند لسياستها الخارجية، التي يُقسّمها غانغولي إلى ثلاث مراحل كبرى: مرحلة أولى غلبت عليها المثالية منذ الاستقلال عام 1947 حتى الحرب مع الصين. ثم مرحلة بدأت بعد الهزيمة واتجهت فيها الهند تدريجيا نحو الاعتماد على الذات وبناء القوة العسكرية مع الاحتفاظ بجزء من الخطاب النهروي. وأخيرًا مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين أصبحت المصلحة والواقعية أكثر حضورا في القرار الخارجي.
في المعنى ذاته، يرى وزير الخارجية الهندي الأسبق ياشوانت سينها، أن السياسة الخارجية التي خرجت من تجربة الاستقلال حملت قدرا كبيرا من مثالية حركة التحرر، لكنها اضطرت تدريجيا إلى التكيف مع توازنات القوة والواقع الدولي. فلم تدفع هزيمة الصين الهند إلى الارتماء في أحضان إسرائيل أو التخلي الفوري عن مبادئ نهرو، لكنها فتحت الباب أمام التعامل مع إسرائيل بوصفها مصدرا عمليا للسلاح والخبرة، حتى في غياب علاقة دبلوماسية رسمية.
وهكذا رغم أن حرب الصين عام 1962 لم تُنتج تحالفا فوريا بين الهند وإسرائيل، فإنها دشنت نمطا من التعاون الاضطراري الذي تفرضه الأزمات. فبعد ثلاث سنوات وخلال الحرب مع باكستان عام 1965، طلبت نيودلهي المساعدة الإسرائيلية مجددا، بعدما قيدت قوى غربية توريد السلاح إلى طرفي النزاع فزودتها إسرائيل بكميات محدودة من مدافع الهاون الثقيلة عيار 160 مليمترا، التي لم تكن كافية لتغيير ميزان الحرب، لكنها عززت داخل المؤسسة العسكرية الهندية صورة إسرائيل بوصفها موردا بديلا يمكن الاعتماد عليه حين تتعطل قنوات التسليح التقليدية.
"سمحت إنديرا غاندي للاستخبارات الهندية بفتح قناة اتصال سرية مع الموساد"
ولم يبق التعاون محصورا في صفقات السلاح الطارئة. فبعد إنشاء وكالة الاستخبارات الخارجية الهندية (جناح البحث والتحليل) عام 1968، سمحت رئيسة الوزراء آنذاك إنديرا غاندي لأول مدير لها، رام ناث كاو، بفتح قناة اتصال مع جهاز الموساد. وبحسب ما يرد في كتاب "الهند وإسرائيل: بناء شراكة إستراتيجية"، الذي حرره الدبلوماسي الهندي السابق جايانت براساد والباحث في شؤون الأمن والسياسة الخارجية صمويل راجيف، فإن الاتصالات بدأت عبر ضباط هنود في أوروبا الغربية، قبل أن يعين الموساد ضابط اتصال في نيودلهي تحت غطاء رجل أعمال من أمريكا الجنوبية، في ظل غياب العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين.
وقد تركز هذا التعاون أساسًا على باكستان، خصم الهند الرئيسي، متيحا لنيودلهي الاستفادة من خبرة الموساد، رغم أن العلاقة لم تبلغ مستوى التحالف الاستخباراتي الشامل، وظلت قناة خلفية محدودة لتبادل المعلومات والخبرات بعيدا عن وزارة الخارجية والقيود الدبلوماسية. غير أن اللافت نشأة هذا التعاون بعد إدانة إنديرا غاندي العلنية لإسرائيل إثر حرب يونيو/حزيران 1967، في أعقاب مقتل بعض الجنود الهنود من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في غزة جراء غارات جوية ومدفعية إسرائيلية، بما يعد دليلا إضافيًا على الفجوة بين الخطاب السياسي الهندي والممارسة الأمنية في الخفاء.
لكن هذه الفجوة تضاءلت خلال الحرب الهندية – الباكستانية عام 1971، التي انتهت بانفصال الجناح الشرقي من باكستان وقيام بنغلاديش؛ حيث نقلت إسرائيل مدافع هاون وذخائر جوا إلى الهند برفقة مدربين ساعدوا في تشغيلها، فيما يشير بلاريل إلى أن إسرائيل قدمت دعما غير مباشر لحركة "موكتي باهيني"، التي قاتلت القوات الباكستانية في باكستان الشرقية من خلال الهند. كما كانت الدولة العبرية من أوائل الدول التي اعترفت بحكومة بنغلاديش الجديدة، بهدف إضعاف باكستان، رغم أن دكا لم تبادل إسرائيل الاعتراف الدبلوماسي.
"عرضت إسرائيل على الهند المساعدة في استهداف البرنامج النووي لباكستان في مراحله الأولى"
وقد استمر هذا التقاطع في مواجهة باكستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، حين تحدثت تقارير عن عرض إسرائيلي لتزويد الهند بصور استطلاع ومساعدة فنية لضرب منشأة كاهوتا النووية، بهدف تعطيل البرنامج النووي الباكستاني على غرار الهجوم الإسرائيلي على مفاعل "أوزيراك" العراقي. ورغم رفض الهند هذا المخطط خوفا من رد الفعل الانتقامي لباكستان، فإن الحقبة نفسها شهدت تعاونا أمنيا بين البلدين، عندما استعانت قوات الحرس الوطني الهندية، التي أُنشئت عام 1984، بخبرات جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي "الشاباك" في تدريب عناصرها على حماية الشخصيات المهمة.
إعلان
نهاية "اللعبة الصفرية"
تكشف هذه المحطات أن العلاقة بين تل أبيب ونيودلهي لم تكن تحالفا متكاملا قبل عام 1992، وإنما خطوات متقطعة من صفقات سلاح عاجلة واتصالات استخباراتية وزيارات غير معلنة، ما يعكس انقساما داخل مؤسسات الدولة الهندية؛ ففيما رأت قطاعات من الجيش والاستخبارات في إسرائيل موردا سريعا ذا خبرة، ظلت القيادة السياسية ووزارة الخارجية مقيدتين بالعلاقات مع الدول العربية والحسابات الداخلية والتزامات عدم الانحياز. وعليه، لم ينشأ قرار التطبيع من الصفر، بل نقل إلى العلن مسارا كان يتشكل في الخفاء على مدار ثلاثة عقود.
في تحليله لقبول الهند الدعم العسكري الإسرائيلي وفتور علاقاتها بالدول العربية خلال تلك الحقبة، يصف بي. آر. كوماراسوامي، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة جواهر لال نهرو علاقة الهند بالعرب في ذلك التوقيت بالـ"حب من طرف واحد"؛ مشيرًا إلى أن نيودلهي لم تحظ بدعم عربي في أزماتها مع الصين وباكستان؛ حيث التزمت الدول العربية الحياد خلال حرب 1962 مع الصين، ثم مالت معظمها إلى إسلام آباد خلال الحرب مع باكستان. وفي مقابل ذلك، قدمت إسرائيل للهند مساعدات عسكرية سرية خلال حروبها، ما أسهم في ترسيخ صورة إسرائيل داخل المؤسستين العسكرية والاستخباراتية بوصفها شريكًا عمليًا يمكن الاعتماد عليه وقت الأزمات.
ويضع كوماراسوامي هذا التفاوت ضمن العوامل التي دفعت نيودلهي إلى مراجعة سياستها تجاه إسرائيل، ومهدت لقرار رئيس الوزراء ناراسيمها راو إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة عام 1992. وقد أنهى القرار ما يصفه كوماراسوامي بمنطق "اللعبة الصفرية"، أي افتراض أن التقارب مع إسرائيل لا بد أن يكون على حساب دعم الفلسطينيين والعلاقات مع الدول العربية. فقد خلصت الهند إلى أنها تستطيع تطوير علاقتها مع إسرائيل، دون أن تغير موقفها الداعم للفلسطينيين كليا.
"تمسكت القيادة السياسية ووزارة الخارجية بالموقف المؤيد للفلسطينيين، فيما دفعت قطاعات من الجيش والاستخبارات نحو توسيع التعامل مع إسرائيل"
غير أن نيكولاس بلاريل يقدم قراءة تُركّز على الداخل الهندي، فلا يفسر التقارب مع إسرائيل بالموقف العربي وحده، بل بانقسام عملية صنع السياسة الخارجية بين مؤسسات وقوى ذات مصالح مختلفة. فقد تمسكت القيادة السياسية ووزارة الخارجية بالموقف المؤيد للفلسطينيين، اتساقًا مع الميراث المناهض للاستعمار وهوية عدم الانحياز وحسابات حزب المؤتمر وقواعده الداخلية، بينما دفعت قطاعات من الجيش والاستخبارات ورجال الاقتصاد نحو توسيع التعاون مع إسرائيل بناء على ما تفرضه المصلحة. ووفق هذه القراءة، لم تكن السياسة الهندية مجرد استجابة لضغط عربي أو انتظار لمعاملة بالمثل قدر ما كانت تسوية داخلية بين التزام أيديولوجي وحسابات انتخابية من جهة، وضرورات أمنية واقتصادية من جهة أخرى.
ويؤيد الباحث في العلاقات الدولية هارش بانت هذا المنحى، مُعيدا المسألة إلى حسابات هندية خالصة؛ ففي رأيه، كان الموقف المناهض لإسرائيل جزءا من مسعى نيودلهي لموازنة نفوذ باكستان داخل العالم العربي، وحماية وارداتها النفطية ومصالح عمالها في الخليج. كما عمقت الحرب الباردة التباعد؛ مع ميل الهند إلى الاتحاد السوفياتي وارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة. وإلى جانب ذلك، نظر حزب المؤتمر إلى إسرائيل بوصفها نظيرًا لباكستان، باعتبارهما دولتين قائمتين على أساس ديني يتعارض مع التصور العلماني الذي تبنته الهند بعد الاستقلال. وبذلك، لم يكن الابتعاد عن إسرائيل أو التطبيع معها نتيجة الموقف العربي بقدر ما كان قرارا نابعا من تحول حسابات الهند نفسها.
"تراجع حزب المؤتمر في الهند أضعف الحواجز التي قيدت العلاقة مع تل أبيب في السابق"
وقد ظهر أثر هذا العامل الداخلي بعد هزيمة حزب المؤتمر في انتخابات عام 1977؛ وصعود حكومة حزب جاناتا، التي ضمت تيارات أكثر تقبلا للانفتاح على إسرائيل؛ ففي العام نفسه، استقبلت الهند سرا وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان، في مؤشر على أن تراجع المؤتمر أضعف أحد الحواجز التي قيدت العلاقة مع تل أبيب في السابق.
ومع نهاية حقبة الحرب الباردة وقيام العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين البلدين، انتقلت إسرائيل تدريجيا في الحسابات الهندية من مورد محدود إلى ركيزة في سياسة تنويع مصادر السلاح. ووفق قاعدة بيانات "معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام"، بدأت المرحلة الأولى بشراء مسيرات الاستطلاع "سيرشر" ثم ذخائر "هاربي" الجوالة المضادة للرادارات، إلى جانب الاستعانة بالشركات الإسرائيلية لتحديث دبابات وطائرات سوفياتية الصنع.
إعلان
بعدها، جاءت حرب كارجيل مع باكستان عام 1999 لتمنح العلاقة وزنها الإستراتيجي؛ إذ واجه سلاح الجو الهندي صعوبة في إصابة المواقع الباكستانية المحصنة فوق المرتفعات، وكانت المقاتلات تضطر إلى الاقتراب من الأهداف وإلقاء قنابل غير موجهة ما خفض دقتها وعرّض الطائرات للاستهداف عبر الصواريخ المحمولة على الكتف. عندئذٍ، استعانت الهند بخبراء إسرائيليين لدمج حاضنات التوجيه "لايتنينغ" على مقاتلات "ميراج" وتجهيزها لاستخدام قنابل "بيفواي" الموجهة بالليزر.
وحاضنة "لايتنينغ" هي جهاز يثبت أسفل الطائرة يضم كاميرات وأجهزة رصد تساعد الطيار على رؤية الهدف من مسافة بعيدة، كما تُسلّط على الهدف شعاع ليزر غير مرئي. وبعد إطلاق القنبلة، يتتبع نظام التوجيه فيها انعكاس هذا الشعاع حتى تصل إلى النقطة المحددة. وقد استخدمت الهند هذا النظام في يونيو/حزيران 1999 لضرب مواقع باكستانية، في أول استخدام ناجح للذخائر الموجهة بالليزر في تاريخ سلاح الجو الهندي.
ومع مطلع الألفية الجديدة، خرجت المشتريات الهندية من إسرائيل من نطاق الأسلحة المنفردة إلى بناء شبكة متكاملة للرصد والإنذار والاعتراض. ففي عام 2000، تعاقدت البحرية الهندية على منظومة "باراك 1" الدفاعية قصيرة المدى، والتي تمثّل خط الحماية الأخير للسفن؛ إذ تطلق صواريخها عموديا لاعتراض الطائرات أو الصواريخ المضادة للسفن المنخفضة.
ثم جاءت صفقة رادار الإنذار المبكر المحمول جوا "فالكون" عام 2004 بقيمة 1.1 مليار دولار، لتركيب المنظومة على ثلاث طائرات نقل روسية من طراز "إليوشن 76″، بما يؤهلها للعمل كمراكز قيادة ومراقبة جوية. تدمج منظومة "فالكون" بيانات الرادار والتعرف على الطائرات الصديقة والمعادية ورصد الاتصالات والإشارات الإلكترونية، ثم تنقل صورة موحدة للمجال الجوي إلى مراكز القيادة والمقاتلات، ما يعني أن مهمتها لا تنحصر في الإنذار وإنما تمتد إلى تنسيق عمليات الاعتراض وإدارة أجزاء واسعة من المعركة الجوية.
وبحلول عام 2006 بدأت ملامح تحول آخر؛ فقد انتقلت العلاقة من شراء السلاح إلى تطويره بشكل مشترك، بعد توقيع منظمة البحوث والتطوير الدفاعية الهندية عقدًا مع شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتطوير منظومة صاروخية للبحريتين الهندية والإسرائيلية. ومن هذا التعاون خرجت منظومة صواريخ الاعتراض "باراك 8" في نسختين رئيسيتين للهند، إحداهما تطلق من منصات برية، والأخرى بحرية بعيدة المدى.
ومع وصول ناريندرا مودي إلى الحكم في الهند عام 2014، أصبحت الشراكة أكثر علانية وارتباطا بالسياسات الصناعية الهندية. وشملت هذه المرحلة تسليم منظومات سبق التعاقد عليها، مع شراء أسلحة ومسيرات جديدة، فضلًا عن توسيع قاعدة التصنيع المحلي. وبين عامي 2015 و2019، صارت إسرائيل ثاني أكبر موردي السلاح للهند بعد روسيا بحصة بلغت 14%، فيما استحوذت الهند على 45% من صادرات إسرائيل من الأسلحة الرئيسية.
كما ظلت الهند خلال الفترة من عام 2019 إلى 2023 أكبر عملاء إسرائيل بحصة بلغت 37% من صادراتها العسكرية. أما في السنوات الخمس الأخيرة (2021–2025)، فقد جاءت إسرائيل في المرتبة الثالثة بين موردي الأسلحة للهند بنسبة 15%، فيما بقيت الهند أكبر سوق للسلاح الإسرائيلي مستحوذة على 29% من صادراته.
غير أن التحول الأهم في عهد مودي لا يتمثل في تضخم المشتريات، ولا اتساع الإنتاج المشترك، إنما في تغير اتجاه العلاقات العسكرية ذاتها. فبعدما كانت إسرائيل تنتج وتبيع للهند، أصبحت المصانع الهندية تنتج مكونات ومنظومات تعود إلى الشركات والجيش في إسرائيل، ما يعني أن إسرائيل تبحث عن عمق صناعي لها فوق الأراضي الهندية. ففضلًا عن مشروع إنتاج صواريخ "تامير" المخصصة للقبة الحديدية، أشارت تقارير إلى مساهمة شركات هندية عدة في سلاسل الإمداد الإسرائيلية.
"تساهم العديد من الشركات الهندية في سلاسل الإمداد الإسرائيلية"
يبرز في هذا السياق نشاط شركة "بريمير إكسبلوسيفز ليمتد" الهندية، المتخصصة في تطوير المحركات الصاروخية والرؤوس الحربية والوقود الصلب والمواد شديدة الانفجار. فقد حصلت على عقود من شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية لتوريد مكونات عالية الطاقة، من بينها "الهكسوجين" المستخدم في القنابل والألغام، و"الأوكتوجين" الأعلى كثافة وطاقة، والذي يدخل في الرؤوس الحربية وذخائر اختراق المخابئ والتحصينات.
وتكتسب هذه المواد أهمية تتجاوز الاستخدامات التقليدية. فقد أشارت تقارير إلى استخدام الهكسوجين في تفجير أجهزة اتصال "البيجر" الخاصة بحزب الله اللبناني في سبتمبر/أيلول 2024، وسط تقديرات بأن كل جهاز احتوى نحو 20 غراما من المادة. وتساعد قابلية الهكسوجين للتشكيل والخلط مع المواد الملدنة، إلى جانب استقراره خلال التخزين، على إدخاله في عبوات صغيرة يمكن إبقاؤها خاملة إلى حين تفعيلها.
في السياق ذاته، دخلت منظومات أكثر تعقيدًا إلى مسار الإمداد الهندي لإسرائيل، في مقدمتها المسيرة "هرميس 900″، التي تنتج شركة "أداني إلبيت" (مشروع مشترك بين أداني الهندية وأنظمة إلبيت الإسرائيلية) هياكلها وأنظمتها الفرعية في حيدر آباد. ووفق تحقيق نشرته صحيفة "ذا واير"، صدّرت الشركة إلى إسرائيل بين عامي 2019 و2023 مكونات تكفي لتجميع أكثر من عشرين مسيرة من هذا الطراز، الذي يعد أحد ركائز سلاح الجو الإسرائيلي في مهام الاستطلاع والضربات الدقيقة.
وتظهر بيانات "مركز الميزان لحقوق الإنسان"، ومقره غزة، أن أكثر من ثلث الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا في العدوان الإسرائيلي عام 2014، قُتلوا بواسطة طائرات إسرائيلية بدون طيار، ومن بينها طائرة "هرميس" التي اختُبرت لأول مرة على الفلسطينيين آنذاك، مما يثير تساؤلات حول مسؤولية أداني القانونية والأخلاقية، ويسلط الضوء على دورها في تمكين عمليات القتل الجماعي في غزة عبر شراكتها مع المؤسسات الإسرائيلية.
"لا تقف شراكة أداني مع الجيش الإسرائيلي عند المسيرات"
ولا تقف شراكة أداني مع الجيش الإسرائيلي عند المسيرات؛ فهي تنتج أيضًا بنادق "تافور" و"إكس 95″ و"جليل" ورشاشات "النقب". وقد استخدم الجيش الإسرائيلي النسخة "النقب 7" ذات عيار 7.62 مليمتر للمرة الأولى ميدانيا في غزة أواخر عام 2023، مستفيدًا من قدرة ذخيرتها على اختراق الجدران والركام.
يدفع ذلك بعض الخبراء إلى وصف مشاريع "أداني" بـ"العمود الفقري" لتحالف عسكري صناعي متين بين الهند وإسرائيل، يتقاطع فيه رأس المال العسكري مع النفوذ السياسي، ويتعزز هذا المسار بفعل الرؤية المشتركة لكل من رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" ونظيره الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، اللذين يسعيان إلى تحويل بلديهما إلى "ديمقراطيات عرقية"، تمنح الامتياز والأفضلية لجماعة واحدة: الهندوس في الهند، واليهود في الأراضي المحتلة.
هكذا يكشف مسار العلاقات العسكرية بين الهند وإسرائيل، انتقالا تدريجيا من صفقات سرية فرضتها الأزمات إلى شراكة معلنة، تشمل التسليح والاستخبارات والتطوير والإنتاج المشترك، وصولا إلى توظيف نيودلهي عمقا صناعيًا عسكريا لدولة الاحتلال. وفي موازاة ذلك، تواصل الهند دعمها "الرسمي" لحل الدولتين وتسوية النزاع سلميا، غير أن تصنيعها وتصديرها أسلحة للجيش الإسرائيلي قبل حرب غزة وخلالها، يكشف فجوة متسعة بين خطابها الدبلوماسي ودورها العملي، وهي الفجوة نفسها التي طبعت العلاقة منذ بداياتها، حين تعاونت سرا مع إسرائيل بينما حافظت علنا على تحفظاتها السياسية وموقفها الخطابي الداعم للفلسطينيين.
إقرأ المزيد


