الجزيرة.نت - 7/19/2026 2:05:13 PM - GMT (+3 )
غيب الموت يوم الأربعاء في فيلادلفيا أحد أبرز كُتّاب قسم الرأي بالجزيرة نت المفكر جون لويس إسبوزيتو، عن عمر ناهز 86 عاما إثر مضاعفات جراحية في القلب، لتنتهي بذلك مسيرة طويلة ارتبط خلالها اسم الكاتب بالكتابة عن موضوع الإسلام والمسلمين، وتأسيس مركز للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون.
لا يمكن أن ننسى حين عرضنا عليه الانضمام لأسرة كتاب قسم الرأي، حيث وافق دون تردد قائلا: "نعم، يسعدني جدا أن أكون مساهما، لطالما كنت من المعجبين بالجزيرة وبدورها وتأثيرها المتميز".
وساهم المفكر الراحل بمقالتين نشرتا في قسم الرأي، أولاهما بعنوان "المسلمون الأمريكيون وحدهم وسط طوفان الكراهية"، تحدث فيها عن ظاهرة الإسلاموفوبيا المتجذرة في الولايات المتحدة والعالم، محذرا من تحولها إلى خطر هيكلي يهدد النسيج الديمقراطي، ومشبها إياها في خطورتها وتأثيرها بمعاداة السامية.
وفي المقالة الثانية "من جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟" عاد إسبوزيتو إلى الجذور الأولى للولايات المتحدة، ليثبت أن الوجود الإسلامي لم يكن طارئا على أمريكا، بل هو جزء أصيل من نسيجها التأسيسي.
واستحضر في هذا السياق معاناة الأفارقة المسلمين الذين عانوا من العبودية، وحافظوا -بكل حرص- على هويتهم سرا، وصولا إلى إعجاب أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، توماس جيفرسون، بالقرآن الكريم الذي استلهم منه مبادئ التسامح والحرية الدينية. حيث يؤكد إسبوزيتو أن أمريكا في نشأتها حملت تقديرا للتعددية يتناقض تماما مع موجات الكراهية اللاحقة.
وفي ما يلي المقالتان معا، نعيد نشرهما تعميما للفائدة:
المقال الأول:المسلمون الأمريكيون وحدهم وسط طوفان الكراهية
إن الهجوم الذي استهدف مسجدا في سان دييغو في 18 مايو/أيار يعد تذكيرا مأساويا بأن الإسلاموفوبيا، والعنصرية الموجهتين ضد المسلمين، والعنف، لا تزالان تشكلان تهديدات مميتة للمسلمين الأمريكيين.
إعلان
ليس الهجوم في سان دييغو مجرد حادثة معزولة من حوادث عنف الإسلاموفوبيا في أمريكا؛ إذ يمكن العثور على الكراهية، أو العنصرية ضد المسلمين، في المجتمعات المحلية بجميع أنحاء البلاد، وتنعكس في خطاب وسياسات دونالد ترمب، والمسؤولين الحكوميين، وأعضاء الكونغرس، بالإضافة إلى القوميين المسيحيين المتشددين والصهاينة المسلحين.
لقد أصبحت الإسلاموفوبيا بالنسبة للمسلمين بمثابة معاداة السامية بالنسبة لليهود. وهي متجذرة في العداء وعدم التسامح تجاه المعتقدات الدينية والثقافية للمسلمين، وتهدد النسيج الديمقراطي لأمريكا.
ومثلهم كمثل معاديي السامية والعنصريين، فإن أصحاب التحيز ضد الإسلام هم أول من يعلنون أنهم ليسوا كذلك؛ وبدلا من ذلك، يدافعون عن سلوكهم المعادي للمسلمين وجعلهم كبش فداء، زاعمين أنهم يشكلون تهديدا لأمريكا، فهم يصورونهم على أنهم "الآخر"، مجادلين بأن هذه الجالية غير جديرة بالثقة، وغير قادرة على الاندماج أو الولاء.
وقد لعبت وسائل الإعلام الرئيسية، وفي السنوات الأخيرة وسائل التواصل الاجتماعي، دورا حاسما في نشر الخوف، حيث وفرت منصة للتصريحات المناهضة للإسلام والمسلمين من قبل القادة السياسيين والدينيين، ومجموعة من "دعاة الكراهية" الآخرين. وكما يقول المثل الإعلامي القديم: "إذا كان هناك دم، تصدر الخبر" (أي أن الأخبار السيئة المثيرة تزيد من عدد القراء والمبيعات).
وهذا لا يمكن أن يكون أكثر صدقا مما هو عليه اليوم؛ إذ ينشر مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي نظريات مؤامرة خطيرة ومعلومات مضللة ومناهضة للمسلمين. وبدلا من محاسبتهم على نشر الكراهية، يتم تضخيمهم بفعالية من قبل منصات مثل "إكس" و"إنستغرام".
وعندما يتعلق الأمر بالإسلاموفوبيا، فإن شركات وسائل التواصل الاجتماعي تسمح للمحتوى الضار بالوصول إلى جماهير أكبر، مما يمكّن أولئك الذين يحرضون على العنف من دعم ملفاتهم الشخصية، وتوسيع نفوذهم.
يمكن ملاحظة العنصرية اليوم في المجتمعات المحلية بجميع أنحاء أمريكا، حيث تنعكس في خطاب المسؤولين الحكوميين، بدءا من الرئيس ترمب في فترتي رئاسته، وصولا إلى أعضاء الكونغرس. وفي وقت لم تعد فيه دور العبادة الدينية آمنة، وبينما تُدان الهجمات على الكنائس والكُنس، أدلى أعضاء في الكونغرس الأمريكي بكل جرأة بتصريحات ضارة ومهددة ومناهضة للمسلمين والإسلام.
ففي فبراير/شباط، غرد عضو الكونغرس عن ولاية تكساس، براندون جيل: "لا ينبغي للتكساسيين الذهاب إلى مركز التسوق والشعور وكأنهم في باكستان. إن الهجرة الإسلامية الجماعية تقتل أمريكا التي نعرفها ونحبها".
كانت الإسلاموفوبيا عاملا رئيسيا في تبرير الإبادة الجماعية في غزة. وكان للمشاعر المناهضة للمسلمين دور فعال في بناء واستدامة الدعم غير المشروط لإسرائيل من قِبل الحكومات الأمريكية
وفي 10 مارس/آذار، غرد النائب آندي أوغلز: "الأوراق الرسمية لا تجعلك أمريكيا بشكل سحري. المسلمون غير قادرين على الاستيعاب والاندماج؛ يتعين عليهم جميعا العودة من حيث جاؤوا".
وكتب عضو الكونغرس عن ولاية فلوريدا، راندي فاين، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الإسلام السائد هو طائفة موت شريرة تمجد القتل، ورجم النساء، وتسعى لتدمير القيم الغربية".
إعلان
وقد أثار غضبا عارما على مستوى البلاد في فبراير/شباط 2026 بعد أن نشر على منصة "إكس": تصريحات تزدري المسلمين وتحط من كرامتهم الإنسانية، وهي مشبعة بروح الكراهية المقيتة. وأدى ذلك إلى ردود فعل عنيفة واسعة النطاق، حيث طالب قادة ديمقراطيون وجماعات حقوق مدنية باستقالته وتوبيخه علنا.
وغرد النائب عن ولاية تكساس، كيث سيلف: "تقدم الشريعة ثلاثة خيارات لغير المسلمين: اعتناق الإسلام، أو الخضوع، أو الموت. هذه الأيديولوجية السياسية الشمولية عازمة على تدمير بلدنا من الداخل ولا يمكن السماح لها مطلقا بالعمل في أمريكا. إما أن تندمجوا في ثقافتنا أو عودوا إلى دياركم!".
أما سيناتور ولاية ألاباما، تومي توبيرفيل، فقد أدلى بتصريحات متعددة شبه فيها الشريعة والإسلام الراديكالي مباشرة بالسرطان، و"طائفة الموت"، وأيديولوجية مناهضة لأمريكا. وقد كان مدافعا صريحا عن حظر قانون الشريعة في الولايات المتحدة، وترحيل أولئك الذين يؤيدون تطبيقه على حساب الدستور الأمريكي.
وخلال حفل أداء زهران ممداني اليمين الدستورية كرئيس لبلدية مدينة نيويورك، أرسل سيناتور ألاباما تومي توبيرفيل تغريدة قال فيها: "العدو داخل البوابات".
عولمة الإسلاموفوبيالقد أصبح تصوير الإسلام -وهو دين يتبعه مليارا شخص- على أنه تهديد موضوعا مهيمنا وشاملا في جميع أنحاء العالم. فقد صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والأصوات المؤثرة من أوروبا، والصين، والهند، وأستراليا، وميانمار، المسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين أفعالا ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل.
وزعموا أن الإسلام ليس دينا، وجادلوا بدلا من ذلك بأنه أيديولوجية سياسية. وقد أدى ذلك إلى الادعاء بأن المسلمين لا يمكنهم الاندماج ليصبحوا مواطنين مخلصين وجديرين بالثقة.
كما كانت الإسلاموفوبيا عاملا رئيسيا في تبرير الإبادة الجماعية في غزة. وكان للمشاعر المناهضة للمسلمين دور فعال في بناء واستدامة الدعم غير المشروط لإسرائيل من قِبل الحكومات الأمريكية (تحت إدارة الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء).
وعلى الرغم من إعلان منظمات حقوق الإنسان العالمية الرائدة، وخبراء الأمم المتحدة، ومئات من علماء الإبادة الجماعية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، فإن الحكومة الأمريكية تحافظ على دعمها الراسخ لإسرائيل وتستمر في تزويدها بمليارات الدولارات من المساعدات العسكرية.
وقد جرى الدفاع عن أفعال الحكومة من خلال منطق الإسلاموفوبيا، الذي يجرد الفلسطينيين من إنسانيتهم عبر الادعاء بأنهم عنيفون ومعادون للسامية بطبيعتهم. وفي الولايات المتحدة، تقوم الجماعات المسيحية واليهودية اليمينية المتشددة المسلحة، والمكرسة لإنكار الحقوق الأساسية للفلسطينيين، بتأجيج الخوف من المسلمين والعرب (الذين يُفترض عموما أنهم مسلمون) عمدا لدفع أجندتها في الشرق الأوسط.
ويكتب ويعلق المحللون السياسيون والدينيون عن الإسلام والمسلمين- وقد أمِنوا من العقاب- ما لم يكن ليظهر أبدا في وسائل الإعلام المرئية أو المطبوعة الرئيسية عن اليهود والمسيحيين، وغيرهم من الجماعات الدينية والعرقية المستقرة.
إن الإسلاموفوبيا، مثلها مثل معاداة السامية، لن يتم القضاء عليها بسهولة أو في وقت قريب. وخلافا لأشكال الكراهية الأخرى، تظل العنصرية موقفا ووجهة نظر مقبولة في المجتمع السائد، كما لو كان من العقلاني التمييز ضد جماعة دينية.
ويقع علينا جميعا (الحكومات، وصناع السياسات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، ورجال الدين وقادة الشركات) دور حاسم نلعبه في مواجهة أصوات الكراهية، واللاهوتيات الإقصائية، وأيديولوجيات الاستعلاء والتفوق.
المقال الثانيمن جيفرسون المعجب بالقرآن إلى ترمب.. كيف تغيرت نظرة أمريكا إلى الإسلام؟
إعلان
يجدر بنا، ونحن نحتفل بالذكرى الـ250 لتأسيس أمريكا، أن نتأمل في كيفية انطباق بعض مبادئ ديمقراطيتنا، كحرية الدين والحماية من التمييز، على تجارب المسلمين الأمريكيين في القرن الحادي والعشرين.
لقد شكل المسلمون حضورا أساسيا وجزءا لا يتجزأ من تاريخ أمريكا وتأسيسها وتطورها. بيد أن معظم الأمريكيين يجهلون حقيقة أن المسلمين كانوا متواجدين في الولايات المتحدة منذ ما قبل استقلال أمريكا عن بريطانيا، حتى إن العديد من الأفارقة المستعبدين الذين جُلبوا إلى أمريكا كانوا مسلمين.
ويقدر المؤرخون أن 15% إلى 30% من السكان المستعبدين الذين نُقلوا عبر المحيط الأطلسي نشؤوا في مناطق ذات أغلبية مسلمة في غرب أفريقيا، وكان العديد منهم متعلمين. وعلى عكس عامة السكان المستعبدين، أجاد عدد كبير من هؤلاء الأسرى القراءة والكتابة باللغة العربية.
وأُجبر المستعبدون الأفارقة من قبل مالكيهم المسيحيين على التخلي عن الإسلام. وسعى العديد منهم إلى ممارسة شعائر دينهم سرا من خلال اتباع الشريعة في مسائل الطعام والشراب: الامتناع عن لحم الخنزير والكحول، والاحتفال بالأعياد، والحفاظ على ملابسهم التقليدية كلما أمكن ذلك.
يدرك قلة من الأمريكيين أن توماس جيفرسون تأثر بالقرآن. وبدافع الفضول للاطلاع على الأنظمة القانونية للثقافات المختلفة، اشترى ترجمة إنجليزية أثناء دراسته للقانون في ويليامزبرغ، فيرجينيا. وأُعجب بما رآه كمفهوم للقرآن عن الحرية الدينية العالمية، مما عزز التزامه بالتعددية الدينية وتأكيده أن الحقوق المدنية الأساسية للأمريكيين يجب ألا تعتمد أبدا على مرجعياتهم الدينية.
جذور الإسلاموفوبيا الحديثةجعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا
شملت المحفزات الرئيسية للنمو المتسارع للإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة وأوروبا هجمات 11 سبتمبر/أيلول على مركز التجارة العالمي والبنتاغون، والهجمات في لندن ومدريد من قبل تنظيم القاعدة، والعمليات اللاحقة في أوروبا وعبر العالم، وصولا إلى بالي، إندونيسيا.
وساهم لاحقا الانتشار الناجح لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، والهجرة الجماعية إلى الغرب، في تأجيج صعود اليمين المتطرف والقومية البيضاء، مما أثر على السياسة الأمريكية والأوروبية.
صُور الإسلام والمسلمون- لا المتطرفون والإرهابيون المسلمون وحدهم- وفي كثير من الحالات شُيطنوا، على أنهم "الآخر" الراديكالي في الإعلام والمجتمع الغربي.
أدت "الحرب العالمية على الإرهاب" التي تقودها الولايات المتحدة، بخطابها وسياساتها وأفعالها- بما في ذلك غزو واحتلال العراق وأفغانستان، وقانون باتريوت الأمريكي وخليج غوانتانامو– إلى عولمة الإسلاموفوبيا. ولم يكن ضحاياها- ولا يزالون- مجرد أقلية صغيرة من المتطرفين المسلمين أو الإرهابيين، بل شملت بشكل أوسع وأكثر أهمية، عقيدة وهوية الأغلبية الساحقة من المسلمين.
كما تزايدت الإسلاموفوبيا وتأثيرها بحلول عام 2015 بشكل مطرد، وبلغت التغطية الإعلامية أعلى مستوياتها. وأصبحت الهجمات الإرهابية المحلية والدولية (القاعدة- تنظيم الدولة)، ووسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية، والانتخابات والسياسة الرئاسية الأمريكية محفزات رئيسية في نمو الإسلاموفوبيا.
أصبح الخوف من الإسلام والمسلمين، لا المتطرفين المسلحين والإرهابيين فقط، أمرا طبيعيا في الثقافة الشعبية في أمريكا وأوروبا.
ومن جهته أفاد معهد أبحاث الدين العام بأنه "لم يُنظر إلى أي مجموعة دينية أو اجتماعية أو عرقية وإثنية على أنها تواجه تمييزا في الولايات المتحدة أكبر من المسلمين".
يشيطن النشطاء السياسيون والأحزاب اليمينية المتطرفة، ووسائل الإعلام المطبوعة والاجتماعية، والقادة الدينيون القوميون المسيحيون، المسلمين دون عقاب باتهامات لن يُرمى بها أبدا اليهود والمسيحيون الأمريكيون في وسائل البث الرئيسية، وكذلك الإعلام المطبوع.
جعلت وسائل الإعلام الجماهيرية والاجتماعية- التي تركز على الأحداث المتفجرة والرئيسية، حيث "الدموية تتصدر العناوين"- من الإسلاموفوبيا ثابتا عالميا. كان ثلثا جميع الأخبار المتعلقة بالمسلمين عالميا بحلول عام 2016، نقدية أو موجهة.
وبلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80% من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية. ومالت حتى التغطية للمسلمين العاديين (أكثر من 50% من التقارير) إلى السلبية.
النمو المتسارع للإسلاموفوبياصور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل
ألفتُ في تسعينيات القرن العشرين كتاب "الخطر الإسلامي: خرافة أم حقيقة؟"، استجابة لحرب الخليج الأولى، وهزيمة الاتحاد السوفياتي على يد المجاهدين في أفغانستان، وسقوط الاتحاد السوفياتي، ومخاوفي من أن يُنظر إلى الإسلام باعتباره التهديد العالمي التالي.
إعلان
اكتسب في الوقت نفسه، تقريبا، باحثان ومستشاران حكوميان أمريكيان بارزان ومؤثران- وهما برنارد لويس من جامعة برينستون في كتابه "جذور الغضب الإسلامي" (1990)، وصامويل هنتنغتون من جامعة هارفارد- اهتماما عالميا بالتحذير من صراع الحضارات، وهو صراع بين الحضارتين الإسلامية والغربية: بين الإسلام وقيمنا الغربية الحديثة العلمانية والديمقراطية.
عزز برنارد لويس رؤية الصراع الوشيك بين الإسلام والغرب باعتباره مجرد مرحلة أخرى في نمط تاريخي من المواجهة، قائلا: "لقد استمر الصراع بين الإسلام والغرب الآن أربعة عشر قرنا. وتألف من سلسلة طويلة من الهجمات والهجمات المضادة، والجهاد والحروب الصليبية، والفتوحات وعمليات الاسترداد. واليوم، يستولي استياء شديد وعنيف من الغرب مرة أخرى على جزء كبير من العالم الإسلامي".
هكذا، جرى تصوير الإسلام والمسلمين باعتبارهم المحركين والفاعلين الأساسيين للعنف والحروب طوال 14 قرنا. وكلما نشب صراع تم تحميل المسلمين مسؤولية اشتعال الهجمات والجهاد والفتوحات، بينما وُصِف الغرب- على النقيض من ذلك- بأنه في موقع دفاعي يكتفي بالرد عبر الهجمات المضادة، والحملات الصليبية.
انتشر كتاب صامويل هنتنغتون- الأكثر مبيعا (1996)، "صراع الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي"- بشكل واسع وكان له تأثير سياسي وفكري على مستوى العالم. وانتقل من مقولة "للإسلام حدود دموية" إلى "للإسلام حدود دموية وأحشاء دموية"؟
صور القادة السياسيون، والمسؤولون المنتخبون، والقوميون المسيحيون، والصهاينة اليهود المتشددون، الإسلام والمسلمين على أنهم عنيفون بطبيعتهم، مستخدمين الأفعال التي ارتكبتها أقلية صغيرة من المتطرفين كدليل.
وجد استطلاع المسلمين الأمريكيين لعام 2025 لمعهد السياسة الاجتماعية والتفاهم، أنه في عام 2025، كان المسلمون هم المجموعة الدينية الأكثر احتمالية للإبلاغ عن تعرضهم للتمييز الديني في العام السابق (63%)، أكثر من اليهود (50%)، والكاثوليك (25%)، والبروتستانت (27%)، والإنجيليين البيض (26%)، وغير المنتمين (22%).
وبالنظر إلى العوامل التي تتنبأ بالإسلاموفوبيا، وُجد أن التصويت للرئيس ترمب (بالنسبة لعامة الناس والمسلمين) والآراء السياسية المحافظة (للعامة) كانت من بين أقوى العوامل المرتبطة بدرجات أعلى من الإسلاموفوبيا.
كما يواجه المسلمون التمييز الديني في البيئات الهيكلية والاجتماعية على حد سواء. وكان الرجال المسلمون عرضة للإبلاغ عن مواجهة التمييز الديني في العام الماضي، مثل النساء المسلمات: (63% للنساء و64% للرجال).
أبلغت نسبة 47% من العائلات المسلمة التي لديها أطفال في سن المدرسة عن وجود طفل تعرض للتنمر على أساس ديني، مقارنة بـ23% بين عامة الناس.
ورغم كل التحديات المستمرة للإسلاموفوبيا، برز المسلمون في أمريكا، كطبقة مهنية مسلمة ناجحة للغاية من الأطباء والمحامين والأساتذة والمعلمين ورواد الأعمال والرياضيين وقادة منظمات حقوق الإنسان، فضلا عن آلاف المسلمين الذين يخدمون في القوات المسلحة الأمريكية.
بالإضافة إلى خمسة أعضاء في الكونغرس والعديد من رؤساء البلديات، انتُخب 42 مسلما أمريكيا لمناصب عامة أخرى في تسع ولايات أمريكية. وتشير الانتخابات التمهيدية الحالية إلى زيادة كبيرة في عدد المسلمين المرشحين للمناصب الانتخابية الوطنية.
انتُخب زهران ممداني هذا العام بأغلبية ساحقة رئيسا لبلدية نيويورك، أكبر مدينة في الولايات المتحدة، متحديا المؤسسة السياسية في المدينة والعديد من حملات الإسلاموفوبيا. وكما أعلن: "أنا شاب، وأنا مسلم… والأكثر إدانة من ذلك كله، أرفض الاعتذار عن… هذا".
بلغت السلبية الإعلامية أعلى مستوى لها على الإطلاق من التغطية. وكان أكثر من 80% من التغطية الإعلامية التلفزيونية للإسلام سلبية. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، كانت 9 مقالات من أصل 10، سلبية
وأصبح المسلمون الأمريكيون مساهمين رئيسيين في الحياة الخيرية للأمة. ووفقا للباحثين في مبادرة العمل الخيري الإسلامي بجامعة إنديانا، تبرع المسلمون الأمريكيون بحوالي 4.3 مليارات دولار أمريكي للجمعيات الخيرية في عام 2020، على الرغم من أنهم يشكلون ما يقرب من 1% من السكان. ويبلغ متوسط ذلك حوالي 3200 دولار لكل متبرع، مقارنة بـ1900 دولار من جيرانهم غير المسلمين.
كما تبقى حوالي 85% من هذه المساهمات داخل الولايات المتحدة، ويتدفق الجزء الأكبر منها ليس إلى المساجد أو المؤسسات الإسلامية، ولكن إلى أهداف علمانية على نطاق واسع: التخفيف من الفقر المحلي، والاستجابة للوباء أثناء "كوفيد-19″، والدفاع عن الحقوق المدنية.
يميز التوجه الخارجي نفسه بيانات الزكاة؛ فمن بين حوالي 1.8 مليار دولار من الصدقات الإلزامية التي دفعها المسلمون الأمريكيون في عام 2021، مرت الحصة الكبرى عبر المؤسسات الخيرية غير الربحية بدلا من الأقارب أو دور العبادة.
ليس المسلمون الأمريكيون وحدهم من يعانون من الإسلاموفوبيا. فنحن نعيش في عالم أصبحت فيه عولمة الإسلاموفوبيا من أمريكا إلى أوروبا (المملكة المتحدة، فرنسا، النمسا، بلجيكا…) وإلى آسيا (الصين، ميانمار، الهند، كشمير…) وأفريقيا حقيقة واقعة. وأدت الحاجة إلى معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب ويمكن الوصول إليها في عصر الإنترنت إلى إنشاء "مبادرة الجسر: حماية التعددية- إنهاء الإسلاموفوبيا" داخل جامعة جورج تاون.
وهنا بدأ عمل مبادرة الجسر بالتركيز على الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة، ثم توسع ليغطي عولمة الإسلاموفوبيا ليس فقط في الولايات المتحدة بل أيضا في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.
وتقدم مبادرة الجسر تحليلا وتعليقا على نظريات المؤامرة المعادية للمسلمين التي تروج لها شخصيات في صناعة الإسلاموفوبيا، وتنتج موارد حول السياسات الحكومية التمييزية التي تنتهك الحقوق المدنية وحقوق الإنسان.
ولا تزال مبادرة الجسر اليوم تمثل مصدرا رائدا للمعلومات حول ظاهرة الإسلاموفوبيا لكل من الصحفيين، والمعلمين، وعامة الناس. وقد استشهدت كبريات المطبوعات، من قبيل "نيويورك تايمز" ، و"نيويوركر" ، و"ميدل إيست آي" ، و"ذا نيشن" ، بالتحليلات التي تقدمها المبادرة.
وبفضل حضورنا الفاعل والجذاب عبر منصات التواصل الاجتماعي، يواصل ملايين الأفراد في شتى أنحاء العالم متابعة أعمالنا والاهتمام بها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
إقرأ المزيد


