الجمهور يدفع مقابل القيمة لا الشفقة.. تجربة جديدة في تمويل الأخبار
الجزيرة.نت -

Published On 19/7/2026

في وقت تبحث فيه المؤسسات الإعلامية حول العالم عن نماذج مستدامة للإيرادات، مع تراجع الزيارات القادمة من محركات البحث وصعود الذكاء الاصطناعي وروبوتات المحادثة، اختبرت مؤسسة إعلامية أمريكية غير ربحية سؤالا بدا غير مألوف داخل قطاع الإعلام العام؛ ماذا لو طلبنا من الجمهور شراء منتج صحفي بدلا من التبرع لدعمنا؟

التجربة التي نفذتها منصة لايست (LAist)، التابعة للإذاعة العامة في لوس أنجلوس، لم تكن مجرد اختبار تسويقي، بل محاولة لإعادة التفكير في العلاقة الاقتصادية بين وسائل الإعلام وجمهورها.

والنتيجة، بحسب آندي تشيتوود، نائب الرئيس التنفيذي للمنتجات والتقنية في المؤسسة، كانت أن كثيرا من القراء مستعدون للدفع إذا شعروا أنهم يحصلون على قيمة مباشرة، وليس لأنهم يريدون دعم المؤسسة فقط.

نفذت منصة لايست تجربة في اختبار ولاء الجمهور لما تقدمه من أخبار (الجزيرة)
نهاية عصر الزيارات المجانية

ينطلق تشيتوود من واقع يواجهه معظم الناشرين اليوم، فمع اعتماد محركات البحث على ملخصات الذكاء الاصطناعي، لم تعد الزيارات المجانية إلى المواقع كما كانت.

ويستشهد ببيانات صادرة عن مركز بيو للأبحاث أظهرت أن نتائج البحث التي تتضمن ملخصات مولدة بالذكاء الاصطناعي تدفع المستخدمين إلى زيارة المواقع الإخبارية بنسبة 8% فقط، مقارنة بـ15% عندما لا تظهر هذه الملخصات، أي أن نصف الزيارات تقريبا اختفى، بينما يتجه عدد متزايد من المستخدمين إلى روبوتات المحادثة بدلا من البحث التقليدي.

ويرى أن هذا التحول يجبر المؤسسات الإعلامية على بناء علاقات مباشرة مع جمهورها، بدلا من انتظار وصوله عبر محركات البحث أو منصات التواصل.

من جدار التسجيل إلى قاعدة بيانات

بدأت "لايست" أولى خطواتها في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما فرضت على القراء إنشاء حساب مجاني بعد قراءة عدد معين من المقالات.

إعلان

وكان الهدف الأساسي معرفة ما إذا كان هذا الإجراء سيؤدي إلى خسارة الجمهور، لكنه حقق نتيجة معاكسة؛ إذ احتفظ الموقع بمعدلات الزيارة، بينما جمع خلال شهر واحد أكثر من 12 ألف بريد إلكتروني، كان 80% منها لأشخاص لم تكن المؤسسة تعرفهم من قبل.

وبحلول مارس/آذار ارتفع العدد إلى نحو 90 ألف مستخدم مسجل، قبل أن تنتقل المؤسسة إلى مرحلة جديدة تعتمد تسجيل الدخول الإجباري، دون أن ينعكس ذلك سلبا على حجم الزيارات، والأهم أن المستخدمين المسجلين أمضوا وقتا أطول داخل الموقع وقرأوا صفحات أكثر من المتوسط العام.

طرحت منصة لايست خدماتها بفقيمة 7 دولارات فقط مقابل خدمة مميزة (الجزيرة)
منتج مدفوع لا المحتوى

بعد بناء هذه القاعدة، قررت المؤسسة خوض تجربة أكثر جرأة، فبدلا من فرض اشتراك على الأخبار، أبقت دليلها الانتخابي الشهير متاحا مجانا، لكنها طرحت مجموعة من الأدوات الإضافية المدفوعة تحت اسم (Voter Game Plan+).

وبمقابل 7 دولارات فقط، حصل المستخدمون على خدمات عملية، مثل حفظ اختياراتهم الانتخابية، واستخدام اختبارات تفاعلية تقارن مواقفهم ببرامج المرشحين، وهي أدوات تمتد فائدتها حتى الانتخابات اللاحقة.

واختارت المؤسسة تسعير هذه الخدمات، وليس الأخبار نفسها، في محاولة لاختبار استعداد الجمهور للدفع مقابل قيمة عملية مضافة.

النتائج تجاوزت التوقعات

كانت المؤسسة تستهدف بيع ألف نسخة فقط لإثبات صلاحية الفكرة، لكنها انتهت إلى بيع 1675 اشتراكا خلال 4 أسابيع.

غير أن الرقم الأهم لم يكن عدد المشترين، بل طبيعتهم؛ إذ إن ثلثي المشترين لم يكونوا أعضاء أو داعمين سابقين للمؤسسة، بينما لم يسبق لـ889 شخصا منهم تقديم أي تبرع أو حتى مشاركة بريدهم الإلكتروني مع المؤسسة.

كما تحولت 34 عملية شراء لاحقا إلى عضويات كاملة، في حين فعّل أكثر من 3 آلاف عضو حالي وصولهم المجاني إلى الخدمة باستخدام رموز خاصة.

ويرى تشيتوود أن هذه النتائج تقدم دليلا واضحا على أن شريحة من الجمهور مستعدة للدفع مباشرة مقابل منتج إعلامي ذي قيمة، بعيدا عن منطق التبرعات التقليدي.

التجربة نفذتها منصة لايست لإعادة التفكير في العلاقة الاقتصادية بين وسائل الإعلام وجمهورها
القيمة قبل السعر

لكن التجربة كشفت أيضا تحديا آخر، فقد تبين أن نحو ثلث المشترين كانوا أعضاء لديهم حق الوصول المجاني، إلا أنهم دفعوا بسبب سوء فهم واجهة الاستخدام، معتقدين أن الدليل بأكمله مدفوع.

وعندما تواصلت المؤسسة معهم لشرح الأمر، لم يطلب معظمهم استرداد أموالهم، بل أكدوا أنهم سعداء بالمساهمة في دعم منتج يرونه مفيدا.

واعتبر تشيتوود أن هذه النتيجة لا تمثل نجاحا بقدر ما تكشف أهمية توضيح الفرق بين المحتوى المجاني والخدمات المدفوعة، لكنها في الوقت نفسه أظهرت استعداد الجمهور للدفع عندما يثق في المؤسسة ويشعر بقيمة ما يحصل عليه.

بناء علاقة طويلة الأمد

ويرى الكاتب أن أكبر مكسب لم يكن الإيرادات، بل بناء قاعدة بيانات واسعة من المستخدمين المعروفين للمؤسسة.

فقد أتاح جدار التسجيل جمع أكثر من 58 ألف بريد إلكتروني جديد خلال أقل من شهر، إضافة إلى اشتراك أكثر من 48 ألف شخص في النشرة الانتخابية، مقارنة بنحو 4 آلاف فقط خلال فترة مشابهة بعد انتخابات عام 2024.

إعلان

وبذلك أصبح بإمكان المؤسسة تحويل القارئ المجهول تدريجيا إلى مستخدم مسجل، ثم مشترك في النشرات البريدية، ثم مشترٍ لمنتج رقمي، وأخيرا عضو دائم أو متبرع مستمر.

جمعت منصة لايست حوالي 100 ألف مشترك في فترة وجيزة تحول معظمهم لعضوية دائمة بمقابل (الجزيرة)
اتجاه يتوسع في القطاع

ولا تعد "لايست" الوحيدة التي تختبر هذا التحول، فقد أزالت صحيفة سالت ليك تريبيون (Salt Lake Tribune)، وهي مؤسسة غير ربحية، جدار الاشتراكات بالكامل، معتمدة على التبرعات، بعدما أظهرت تجربة أن 87% من المشتركين واصلوا الدفع طوعا حتى بعد إتاحة المحتوى مجانا.

وفي المقابل، طورت صحيفة مينيسوتا ستار تريبيون (Minnesota Star Tribune) منتجا رياضيا متخصصا يقدم النتائج والإحصاءات مجانا، بينما يفرض رسوما على البث المباشر والقصص الحصرية، محققا معدل تحويل إلى الاشتراكات يزيد ثلاثة أضعاف على الجدار التقليدي.

ويرى تشيتوود أن هذه النماذج، رغم اختلافها، تشير إلى حقيقة واحدة: الجمهور لا يدفع مقابل الأخبار فقط، بل يدفع عندما يشعر بوجود علاقة مباشرة وقيمة ملموسة.

ويخلص إلى أن مستقبل الإيرادات الإعلامية لن يعتمد على نوع وسيلة الدفع، سواء كانت اشتراكا أو تبرعا أو شراء لمرة واحدة، بل على قدرة المؤسسات على بناء منتجات مفيدة وعلاقات مستمرة مع جمهورها، في وقت لم يعد فيه الاعتماد على الزيارات القادمة من محركات البحث خيارا مستداما.



إقرأ المزيد