الجزيرة.نت - 7/17/2026 11:12:44 PM - GMT (+3 )
Published On 17/7/2026
قد يبدو الأمر تفصيلا بسيطا في جدول العمل اليومي، لكن دقائق قليلة بين الاجتماعات قد تكون الفارق بين يوم منظم وآخر مليء بالتوتر والتأخير. فكثير من الموظفين يعيشون السيناريو نفسه: يبدأ اجتماع مدته نصف ساعة، يمتد لدقائق إضافية بسبب نقاش أخير أو تعليق لم يُحسم، ثم ينتقل الجميع مباشرة إلى اجتماع جديد دون وقت لالتقاط الأنفاس أو مراجعة الملاحظات أو حتى إعادة ترتيب الأفكار.
هذه الدقائق الضائعة قد تبدو غير مهمة، لكنها تتراكم يوميا لتخلق ما يعرف بـ "إرهاق الاجتماعات" (Meeting Fatigue)، حيث يصبح الموظف في حالة انتقال مستمر بين المحادثات دون فرصة لمعالجة المعلومات أو إنجاز المهام الفردية.
عندما يتحول جدول الاجتماعات إلى سباق مستمرتوضح أبحاث في علم النفس التنظيمي أن الاجتماعات ليست مجرد وقت نقضيه في الحديث، بل تتطلب جهدا معرفيا كبيرا. فالاستماع، وتحليل المعلومات، واتخاذ القرارات، والمشاركة في النقاش كلها عمليات تستهلك الطاقة الذهنية.
وعندما ينتهي اجتماع ويدخل الموظف مباشرة في اجتماع آخر، فإن الدماغ لا يحصل على الفترة الانتقالية اللازمة لما يسمى "وقت المعالجة" (Processing Time)، وهي فترة يحتاجها الإنسان لترتيب الأفكار، وتسجيل القرارات، وتحويل المعلومات الجديدة إلى خطوات عملية.
ولهذا يشعر كثيرون بأنهم يقضون يوما كاملا في الاجتماعات، لكنهم في النهاية لم يحصلوا على وقت كاف لإنجاز العمل الفعلي.
الحل البسيط: اجتماعات أقصر تلقائياتقترح بعض شركات التكنولوجيا حلا بسيطا: تقليل مدة الاجتماعات افتراضيا بدلا من انتظار أن ينهيها المشاركون في الوقت المحدد.
في غوغل كالندر (Google Calendar) توجد ميزة تُعرف باسم "الاجتماعات السريعة" (Speedy Meetings)، بينما تقدم مايكروسوفت أوتلوك (Microsoft Outlook) خيار "إنهاء الاجتماعات مبكراً" (End Meetings Early). الفكرة في الحالتين واحدة: تقليل مدة الاجتماعات تلقائيا، بحيث يصبح الاجتماع الذي كان محددا لمدة 30 دقيقة مدته 25 دقيقة، والاجتماع الذي كان مدته ساعة يصبح 50 دقيقة.
إعلان
هذه الدقائق القليلة تمنح الموظفين مساحة صغيرة بين الاجتماعات، يمكن استخدامها لتسجيل النقاط المهمة، إرسال رسالة متابعة، مراجعة جدول الأعمال، أو حتى أخذ استراحة قصيرة.
يرى خبراء الإنتاجية أن المشكلة ليست فقط في طول الاجتماعات، بل في غياب المساحات الفاصلة بينها.
وتشير أبحاث حول العمل المعرفي إلى أن الانتقال المستمر بين المهام يؤدي إلى ما يعرف بـ تكلفة التبديل (Switching Cost)، وهي الطاقة التي يستهلكها الدماغ عند الانتقال من مهمة إلى أخرى.
فعندما ينتقل الموظف مباشرة من اجتماع يناقش مشروعا ماليا على سبيل المثال إلى اجتماع يتعلق بالتسويق أو الإدارة، يحتاج الدماغ إلى وقت لإعادة ضبط السياق وفهم المعلومات الجديدة.
وحتى فترة قصيرة جدا قد تساعد على تحسين التركيز. فقد وجدت دراسة نُشرت في مجلة كوغنيشن (Cognition) أن التبديل المستمر بين المهام يضعف الأداء ويزيد الوقت المطلوب لإنجاز الأعمال.
الاجتماعات الطويلة ليست دائما أكثر إنتاجيةهناك اعتقاد شائع بأن الاجتماع الأطول يعني نتائج أفضل، لكن الأبحاث لا تدعم تلك النظرية تماما.
ففي كثير من الحالات، تؤدي زيادة مدة الاجتماع إلى توسع النقاشات، ودخول مواضيع جانبية، وإعادة طرح نقاط سبق مناقشتها. ويعرف هذا في بيئات العمل باسم "قانون باركنسون"، حيث يميل العمل إلى التوسع ليملأ الوقت المتاح له.
ولهذا قد ينتهي اجتماع مدته ساعة بالنتائج نفسها التي كان يمكن الوصول إليها خلال 30 دقيقة، لكن مع استهلاك أكبر للوقت والطاقة.
رغم أن معظم الأشخاص يفضلون الاجتماعات الأقصر، فإن السبب يعود جزئيا إلى العادات الرقمية.
فمعظم تطبيقات التقويم صُممت تاريخيا حول وحدات زمنية ثابتة، مثل 30 دقيقة وساعة كاملة. وأصبح هذا الشكل معيارا اجتماعيا في الشركات، حتى لو لم يكن دائما الخيار الأكثر كفاءة.
كما أن كثيرا من الموظفين يضيفون الاجتماعات إلى التقويم بسرعة دون التفكير في الوقت اللازم للتحضير أو المتابعة بعدها.
ويشير خبراء الإدارة إلى أن تغيير هذه العادة يحتاج إلى إعادة التفكير في الاجتماع باعتباره أداة لتحقيق هدف محدد، وليس مساحة زمنية مفتوحة للنقاش.
هل يمكن أن تصبح الاجتماعات القصيرة معيارا جديدا؟خلال السنوات الأخيرة، خصوصا مع انتشار العمل عن بُعد، بدأت شركات كثيرة بإعادة تقييم ثقافة الاجتماعات. بعض المؤسسات اعتمدت أياما بلا اجتماعات، وأخرى وضعت قواعد مثل:
- ضرورة وجود جدول أعمال واضح قبل الاجتماع.
- دعوة الأشخاص الضروريين فقط.
- تحديد قرار أو نتيجة مطلوبة لكل اجتماع.
- إنهاء الاجتماع بمجرد تحقيق الهدف.
هذه الممارسات تهدف إلى تنظيم وقت الموظفين، خصوصا العاملين في وظائف تعتمد على التركيز العميق مثل البرمجة والكتابة والتحليل.
دقائق قليلة قد تغير طريقة العملقد تبدو خمس دقائق بين الاجتماعات غير مهمة، لكنها في نهاية الأسبوع قد تعني ساعات إضافية من الوقت المتاح للتفكير والعمل الهادئ.
فالهدف ليس فقط تقليل مدة الاجتماعات، بل منح الموظف فرصة للانتقال من اجتماع إلى آخر بطريقة أكثر وعيا، بدلا من أن يصبح يوم العمل سلسلة متواصلة من المكالمات التي تنتهي دائما متأخرة.
إعلان
إقرأ المزيد


