الجزيرة.نت - 7/17/2026 12:49:53 PM - GMT (+3 )
Published On 17/7/2026
لم يكن الاستثمار الفردي أكثر نشاطا مما هو عليه اليوم، فالتداول المجاني عبر التطبيقات، والتنفيذ الفوري للأوامر، والتدفق المستمر للأخبار، وصعود صناديق المؤشرات المتداولة، كلها عوامل دفعت ملايين المستثمرين إلى دخول الأسواق بوتيرة غير مسبوقة.
ففي عام 2025 وحده، استقطبت صناديق المؤشرات المتداولة في أمريكا تدفقات قياسية بلغت 1.5 تريليون دولار، بينما أصبح المستثمرون الأفراد يمثلون نحو خمس تداولات الأسهم الأمريكية، وفقا لبيانات باركليز للخدمات المصرفية الخاصة، كما أظهرت بيانات جي بي مورغان تشيس أن عمليات الشراء من قبل المستثمرين الأفراد قفزت إلى نحو 2.5 ضعف مستوياتها المعتادة خلال موجة التقلبات التي أعقبت الرسوم الجمركية في أبريل/نيسان 2025.
لكن الصورة التي تقدمها أكبر مؤسسات الاستثمار تختلف عن هذا الانطباع، فبالنسبة لمعظم المستثمرين، لا تؤدي كثرة التداول بالضرورة إلى تحقيق عوائد أعلى، بل قد تكون سببا في تراجعها.
وتشير بيانات مورنينغستار، وجي بي مورغان، وفانغارد، إلى جانب مؤشرات ستاندرد آند بورز، إلى أن الاستثمار المنضبط، منخفض التكلفة وطويل الأجل، يحقق نتائج أفضل في أغلب الأحيان، وبينما جعلت التكنولوجيا البيع والشراء أكثر سهولة من أي وقت مضى، ما زالت الثروة تُبنى غالبا بالصبر والانضباط أكثر من كثرة الحركة داخل السوق.
فجوة السلوكتوضح هذه الفكرة نتائج تقرير "انتبه إلى الفجوة" الصادر عن شركة بحوث الاستثمار مورنينغستار عام 2025، الذي يقارن بين أداء الصناديق الاستثمارية والعائد الذي حققه المستثمرون فعليا، ليقيس أثر قرارات البيع والشراء على نتائجهم.
وأظهرت النتائج أن الصناديق الأمريكية حققت متوسط عائد سنوي بلغ 8.2% خلال السنوات العشر المنتهية في 2024، بينما حصل المستثمرون على نحو 7% فقط سنويا، أي بفارق بلغ 1.2 نقطة مئوية كل عام نتيجة توقيتات دخول وخروج غير موفقة.
إعلان
وخلص التقرير إلى أن أكبر فجوة في العوائد ظهرت لدى المستثمرين في الصناديق الأكثر تقلبا والأكثر نشاطا، وتُرجع مورنينغستار ذلك إلى سلوك المستثمرين، إذ يميل كثيرون إلى الشراء بعد ارتفاع الأسعار والبيع بعد هبوطها، وهو ما يحرمهم من جزء مهم من العوائد التي تحققها الأسواق بمرور الوقت.
الوقت أهم من التوقيتوتوضح بيانات جي بي مورغان أن محاولة توقيت السوق، أي الخروج من الاستثمارات والعودة إليها سعيا لاقتناص أفضل لحظات البيع والشراء، قد تكون مكلفة للمستثمرين. فوفقا لتحليل استند إلى بيانات مورنينغستار، حقق المستثمر الذي بقي مستثمرا في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 طوال الوقت متوسط عائد سنوي بلغ 10.5% خلال العقدين المنتهيين في 2024، لكن تفويت أفضل عشرة أيام تداول فقط خفض العائد إلى 6.2%، بينما أدى تفويت أفضل ثلاثين يوما إلى تراجعه إلى 1.4%.
وتوصلت فانغارد إلى نتائج مشابهة في دراسة غطت الفترة بين 1988 و2024، إذ انخفض متوسط العائد من 11.1% إلى 6% عند تفويت أفضل ثلاثين يوما، والمفارقة أن أفضل جلسات التداول تأتي غالبا في أكثر الفترات تقلبا. وتشير بيانات جي بي مورغان إلى أن سبعة من أفضل عشرة أيام في السوق خلال العقدين الماضيين وقعت خلال أسبوعين فقط من أسوأ عشرة أيام.
كما توصلت هارتفورد فندز إلى أن كثيرا من أقوى الارتفاعات يحدث أثناء الأسواق الهابطة، عندما يكون عدد كبير من المستثمرين قد خرج بالفعل من السوق، وأظهر تحليل استند إلى بيانات نيد ديفيس ريسيرش وهارتفورد فندز أن تفويت أفضل أربعة أيام فقط خلال عام 2025 كان كفيلا بتحويل محفظة رابحة إلى خاسرة.
ولهذا يردد كثير من خبراء الاستثمار عبارة: "الوقت في السوق أهم من توقيت السوق". فالعوائد الكبيرة لا تتحقق بصورة منتظمة، وإنما تأتي خلال عدد محدود من الجلسات التي يصعب توقعها مسبقا، وهو ما يجعل محاولات الخروج والدخول المتكرر أكثر خطورة مما تبدو عليه.
حتى المحترفون لا يتفوقون باستمرارلا تقتصر هذه الصعوبة على المستثمرين الأفراد، بل تمتد أيضا إلى مديري الصناديق المحترفين. فبحسب تقرير إس بي آي في إيه الصادر عن مؤشرات ستاندرد آند بورز داو جونز، لم ينجح 79% من صناديق الأسهم الأمريكية الكبيرة المدارة بنشاط في التفوق على أداء مؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال عام 2025. كما أظهرت البيانات الممتدة لخمسة عشر عاما أن أيا من 22 فئة لصناديق الأسهم الأمريكية لم يسجل أغلبية من المديرين القادرين على التفوق على مؤشراتهم المرجعية.
وتوصل مقياس النشط مقابل السلبي الصادر عن مورنينغستار إلى نتيجة مشابهة، إذ لم ينجح سوى نحو 42% من الصناديق النشطة في البقاء والتفوق على نظيراتها السلبية خلال عام 2024، بينما حققت الصناديق الأقل رسوما نتائج أفضل بصورة واضحة من الصناديق الأعلى تكلفة.
لماذا يواصل المستثمرون التداول؟إذا كانت البيانات تشير باستمرار إلى أن التداول المتكرر يضعف العوائد، فلماذا يواصل كثير من المستثمرين اتباع هذا النهج؟ يرى خبراء التمويل السلوكي أن السبب يعود إلى الثقة الزائدة بالنفس والاعتقاد بإمكانية التفوق على السوق. وقد وثق الاقتصاديان براد باربر وتيرانس أودين هذه الظاهرة في دراستهما الشهيرة "التداول خطر على ثروتك"، التي أظهرت أن المستثمرين الأكثر نشاطا حققوا متوسط عائد سنوي بلغ 11.4%، مقابل 17.9% للسوق، نتيجة ارتفاع تكاليف التداول وسوء توقيت البيع والشراء.
ويرى الخبراء أن هذه الظاهرة لم تختف، بل اتخذت أشكالا جديدة مع انتشار تطبيقات التداول ومنصات التواصل الاجتماعي، التي جعلت الوصول إلى الأسواق أسرع وأسهل، لكنها شجعت أيضا على المضاربة وملاحقة الاتجاهات قصيرة الأجل. ويبرز سهم "غيم ستوب"، أحد أشهر أسهم "الميم"، مثالا على ذلك، بعدما فقد نحو 31% من قيمته خلال السنوات الثلاث المنتهية في يوليو/تموز 2025، في حين ارتفع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنحو 61% خلال الفترة نفسها، وهو ما يوضح أن الشعبية والاهتمام الإعلامي لا يعنيان بالضرورة تحقيق أرباح للمستثمرين.
عندما نجح النشاطولا يعني ذلك أن الاستثمار النشط يخسر دائما. فقد شهد عام 2025 حالة استثنائية، إذ نجح كثير من المستثمرين الأفراد في شراء الأسهم خلال موجة الهبوط التي شهدتها الأسواق في الربيع، مستفيدين من التعافي اللاحق. ووصفت شبكة "سي إن بي سي" ذلك بأنه من أفضل أعوام المستثمرين الأفراد في استراتيجية "شراء الانخفاضات"، فيما نقلت عن مارك مالك، كبير مسؤولي الاستثمار في "سيبرت فاينانشال"، قوله إن المستثمرين الأفراد "كانوا أكثر صوابا بشأن اتجاه السوق" من كثير من المؤسسات الاستثمارية خلال تلك الفترة.
إعلان
لكن الخبراء يحذرون من اعتبار هذه التجربة قاعدة عامة. فبحسب محللين في "بي إن واي"، فإن شريحة كبيرة من المستثمرين الحاليين لم تختبر بعد أسواقا هابطة طويلة مثل أزمتي 2000-2002 أو 2008. لذلك، فإن نجاح عام واحد لا يكفي لإثبات أن توقيت السوق يتفوق على الانضباط، بل قد يعزز الثقة المفرطة التي تظهر البيانات أنها كانت سببا رئيسيا في تراجع العوائد على المدى الطويل.
الانضباط بوصفه إستراتيجيةوتتفق أكبر مؤسسات إدارة الأصول على مجموعة من المبادئ التي تساعد المستثمرين على تحقيق نتائج أفضل مع مرور الوقت. وفي مقدمتها تنويع المحافظ الاستثمارية، والاستثمار في صناديق منخفضة التكلفة، والالتزام بالاستثمار الدوري المنتظم، والبقاء في السوق خلال فترات التقلب بدلا من محاولة توقع أفضل وقت للبيع أو الشراء.
وتبقى الرسوم من أكثر العوامل تأثيرا في العائد النهائي. وتشير بيانات مورنينغستار إلى أن الصناديق الأقل تكلفة حققت معدلات نجاح أعلى من الصناديق الأعلى رسوما، لأن الرسوم الصغيرة تتراكم عاما بعد آخر وتقتطع جزءا متزايدا من الأرباح. فعلى سبيل المثال، فإن فارقا بسيطا بين عائد سنوي يبلغ 7% وآخر 7.4% يمكن أن يضيف أكثر من 500 ألف دولار إلى استثمار أولي بقيمة مليون دولار خلال 25 عاما بفضل قوة العائد المركب.
ولا تتطلب هذه المبادئ قدرة على توقع اتجاه الأسواق أو اختيار الأسهم الرابحة، بل تعتمد على بناء محفظة متنوعة، والالتزام بخطة استثمارية واضحة، ومنح الاستثمارات الوقت الكافي للنمو. ولهذا أصبحت هذه التوصيات تمثل النهج الذي تتبناه مؤسسات مثل فانغارد، ومورنينغستار، وجي بي مورغان عند توجيه المستثمرين الأفراد.
وعلى اختلاف البيانات والتقارير، تتكرر النتيجة نفسها، قد يحقق المستثمر أرباحا سريعة في بعض الفترات، لكن بناء الثروة على المدى الطويل يعتمد غالبا على الانضباط، وتقليل التكاليف، وتنويع الاستثمارات، والبقاء في السوق، أكثر مما يعتمد على كثرة التداول أو محاولة اقتناص التوقيت المثالي للبيع والشراء.
إقرأ المزيد


