جلب الطعام تطلب تنسيقا خاصا.. عائلة الطوباسي الفلسطينية تواجه عزلة فرضها الاستيطان
الجزيرة.نت -

نابلس- منذ 18 يوماً، يعيش الفلسطيني محمود الطوباسي وعائلته حصاراً مطبقاً في بلدتهم "جالود" جنوب مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية، وذلك بعد أن استولى مستوطنون آخرون على منزل مجاور قيد الإنشاء وأغلقوا بالحجارة الطريق الوحيد الذي يربطهم بالعالم الخارجي.

يقول الطوباسي -للجزيرة نت- إن منزله يقع على رأس جبل في المنطقة الواصلة بين قريتي "جالود" و"قصرة"، ويبعد عن مركز القرية مسافة تقدر بنحو ألفي متر، وأوضح أن هذه العزلة الجغرافية جعلت العائلة هدفاً سهلاً للمستوطنين، خصوصاً بعد 19 أبريل/نيسان الماضي، حين بدؤوا بنصب خيمة استيطانية بجانب منزله.

ويضيف: "رغم أنني كنت قادراً في البداية على التسلل لجلب احتياجات العائلة، إلا أن احتلال المنزل المجاور مؤخراً أحكم الحصار علينا وجعل حركتنا مستحيلة".

هذا المنزل، الذي تعود ملكيته للمواطن محمد عريقات، تحول إلى نقطة انطلاق للمستوطنين لقطع الطريق الوحيد الرابط بين عائلة الطوباسي والعالم الخارجي، بعدما أغلقوه بالحجارة والعوائق ومنعوا الأسرة من الدخول أو الخروج بشكل كامل.

محمد الطوباسي لا يستطيع مغادرة منزله بعد حصاره من قبل المستوطنين (الجزيرة)
سجن وخسارة وتشتت

في الآونة الأخيرة تحولت حياة العائلة إلى ما يشبه السجن، إذ باتت أبسط الاحتياجات مستحيلة. ويؤكد الطوباسي أن المرة الوحيدة التي غادر فيها ابنه المنزل لجلب بعض المؤن الغذائية جاءت بعد الاستعانة بالارتباط الفلسطيني (جهة اتصال رسمية مع الجانب الإسرائيلي) الذي تواصل مع الجانب الإسرائيلي، فيما وجه ضابط القوة الإسرائيلية التي رافقته لجلب الطعام، تحذيراً للأسرة بأن هذه المساعدة لن تتكرر، وطالبها بـ"تدبير شؤونها" مستقبلاً.

وتابع "فور انسحاب القوات الإسرائيلية، شن المستوطنون هجوماً انتقامياً عنيفاً بالرصاص والحجارة على المنزل استمر لأكثر من نصف ساعة، رداً على استعانتنا بالارتباط".

إعلان

يقيم الطوباسي وزوجته -إلى جانب ابنيه المتزوجيْن وائل وقيس- في بيتين متجاورين، على أرض مساحتها 13 دونماً مزروعة بالزيتون واللوز والجوز، والفول والبازلاء والزعتر والميرمية، وتشكل مصدر رزقه الوحيد كونه جريحاً منذ الانتفاضة ولا يعمل. وقد تعطلت أعمال ابنيه بسبب اعتداءات المستوطنين، إذ اضطر قيس، الممرض، إلى أخذ إجازة من عمله منذ شهر بسبب الحصار.

ويتحدث الطوباسي عن خسارته الكاملة لموسمه الزراعي، بعدما دمر المستوطنون محاصيله من الزيتون واللوز والجوز، إلى جانب ضياع محاصيل الفول والبازلاء والزعتر التي لم يتمكن من حصادها بسبب الحصار.

ومنذ 19 أبريل/نيسان، اضطر وائل وقيس إلى إجلاء زوجتيهما وأطفالهما إلى مناطق أكثر أماناً خوفاً من اعتداءات المستوطنين. إلا أن الأقسى، بحسب الطوباسي، أن ابنه الكبير شادي رُزق بمولود جديد قبل أيام، ولم تتمكن العائلة من احتضان حفيدها حتى هذه اللحظة. ويتساءل "كيف للأطفال أن يعيشوا في بيئة محاصرة ومحاطة بالخطر والموت من كل جانب؟".

ويستذكر الطوباسي سلسلة الاعتداءات التي بدأت في 19 أبريل/نيسان الماضي، حين هاجم المستوطنون المنزل ليلاً، وهدموا أجزاء من الطابق الأرضي، وأضرموا النار في سيارة العائلة التي كانت مركونة بداخله. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الاعتداءات بالرصاص والحجارة مشهداً متكرراً أدى إلى تكسير النوافذ والممتلكات، لولا تدخل مؤسسة الإغاثة الدولية التي ركبت شبكاً حديدياً لحماية النوافذ من التحطيم المستمر.

جالود.. تاريخ من الاستهداف

ينقل رئيس المجلس المحلي لقرية جالود رائد ناصر صورة أوسع لما تتعرض له القرية وعائلة الطوباسي تحديداً.

ويوضح أن جالود تقع جنوب مدينة نابلس وتبعد عنها نحو 26 كيلومتراً، وتبلغ مساحة أراضيها التاريخية نحو 23 ألف دونم، صُنّف 17 ألفاً منها ضمن المنطقة "ج" الخاضعة لسيطرة إسرائيلية كاملة، والباقي منطقة "ب" وفق اتفاقية أوسلو، أي تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية، فيما لا يتجاوز عدد سكانها ألف نسمة، وتحيط بها قرى قريوت وتلفيت وقصرة وترمسعيا والمغير ودوما.

ويقول ناصر -للجزيرة نت- إن الهجمة الاستيطانية على القرية بدأت منذ عام 1979، وسبقتها بسنوات إقامة معسكر للجيش الإسرائيلي، موضحاً أنه يقام حالياً على أراضيها نحو 13 مستوطنةً وبؤرةً استيطانيةً التهمت أكثر من 90% من أراضيها، بينما مُنع سكان المناطق المتبقية من زراعة أراضيهم بحجج أمنية تمهيداً لتسريبها تدريجياً للمستوطنين.

ويشير إلى أن هذه البؤر تتركز في الجهات الجنوبية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية من القرية، فيما تجري حالياً محاولة لإقامة بؤرة جديدة في الجهة الشمالية عند منطقة جبل العين.

سيطرة متدحرجة

وعن عائلة الطوباسي تحديداً، يوضح ناصر أنها تقطن منذ سنوات في منطقة تعرف بـ"الظهر"، وهي تلة شرقي جالود بين قريتي قصرة وجالود، بعيدة نسبياً عن المخطط الهيكلي للقرية، وتصنّف منطقة "ب".

ويضيف أنه منذ نحو 20 يوماً، سيطر المستوطنون على منزل آخر يقع بين عائلة الطوباسي وقرية جالود، ما زاد من صعوبة الوصول إلى المنطقة وجعل إيصال المؤن والمياه شبه مستحيل أحياناً، فضلاً عن اعتداء المستوطنين على شبكة الكهرباء وإحراقهم المحول الذي يغذي المنطقة، وهو ما تعامل معه المجلس القروي بإصلاح جزئي للشبكة.

إعلان

ويؤكد ناصر أن ذروة الهجمة الاستيطانية جاءت بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، في هجمة "منظمة بدعم من الحكومة الإسرائيلية، بمشاركة الوزيرين المتطرفين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، اللذين يدعمان ما يسمى "شبيبة التلال" الذين يعيثون فساداً في المناطق الجنوبية والجنوبية الشرقية المحاذية لقرى ترمسعيا والمغير ودوما وقصرة".

ويوضح ناصر أن ما يعرف بـ"الاستيطان الرعوي" تجاوز حدوده التقليدية في جالود ليصل إلى محيط المنازل والحقول وساحات البيوت مباشرة، حيث يرعى فتية مسلحون أغنامهم بالقرب منها، وأي فلسطيني يحاول الدفاع عن أرضه يتعرض لإطلاق النار، يعقبه "تدخل الجيش الإسرائيلي لحماية المستوطنين لا لحماية أصحاب الأرض".

خيمة نصبها أحد المستوطنين بمحاذاة منزل محمود الطوباسي (الجزيرة)

خيمة نصبها أحد المستوطنين بمحاذاة منزل محمود الطوباسي (الجزيرة)
استهداف الأرض والإنسان

يرى الناشط والباحث في شؤون الاستيطان بشار القريوتي أن ما تتعرض له عائلة الطوباسي وإقامة بؤر استيطانية في قلب الأحياء الفلسطينية المأهولة، "سابقة خطيرة لم تمر على الشعب الفلسطيني منذ سنوات طويلة"، مؤكداً أن المستوطنين مُنحوا في هذه المرحلة "كل الصلاحيات والإمكانيات الأمنية والميدانية والعسكرية للسيطرة على الأراضي" في إطار مخطط أوسع لفرض السيادة على القرى الفلسطينية.

ويوضح القريوتي للجزيرة نت أن العائلة باتت محاصرة بين 5 من أسوأ البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية، يسكنها "عصابات دفع الثمن، مستوطنون متطرفون مجرمون لا يعرفون إلا القتل والحرق والدمار"، مضيفاً أن هذه المجموعات تحاول فرض هيمنتها على أكثر من 6 قرى فلسطينية في جنوب شرق نابلس.

ويكشف القريوتي أن الطوباسي، الذي يعاني من اعتداءات المستوطنين منذ أشهر، بات منذ نحو 10 أيام غير قادر على الخروج من منزله إطلاقاً: "إذا خرج لن يتمكن من العودة، لأن المستوطنين حاصروه وأغلقوا عليه الطريق"، فلا يستطيع إحضار الطعام أو الأدوية، فيما تُحرق أو تُكسّر أي سيارة تصل إلى المنطقة، ويتعرض لإطلاق النار من يسلك الطرق الجبلية البديلة.

وأشار إلى أن نشطاء وأهالي القرية توجهوا إلى الشرطة الإسرائيلية بملف قانوني وشكوى جنائية ضد المستوطنين، وضغطوا عبر الارتباط الفلسطيني، ما أسفر أمس عن ترتيب مؤقت بتوفير تأمين لتنقل العائلة من المنزل إلى جالود لإحضار الطعام، بين الساعة السابعة صباحاً والثالثة عصراً فقط، ولمرة واحدة، على أن يعود المستوطنون بعدها كما هم. ويصف هذه الخطوة بأنها "غير مقبولة"، مؤكداً أنها لا تعني إخلاء البؤرة المقامة بل تأميناً مؤقتاً لإحضار المؤنة فقط.

ولا تبدو حالة الطوباسي استثناء في جنوب نابلس؛ فبحسب القريوتي، تعيش 5 عائلات من قريوت، يبلغ مجموع أفرادها 35 شخصاً بين نساء وأطفال ورجال، وضعاً مشابهاً في خربة صرّة شرقي القرية، حيث باتت الخربة عملياً داخل بوابات مستوطنتي "شفوت راحيل" و"شيلو" منذ بداية الحرب، ولا تبعد عن المستوطنة سوى نحو 50 متراً.

وتضم الخربة أراضي زراعية تقارب 2200 دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) يحاول المستوطنون السيطرة عليها، فيما يواصل أهلها الصمود بفضل مزارعين يصفهم القريوتي بـ"قصة صمود وثبات"، "ولولاهم لضاعت الخربة وآلاف الدونمات التابعة لقريوت وجالود".

الاقتلاع بالأرقام

توثق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها النصف سنوي الأخير، الصادر مطلع يوليو/تموز الجاري، أن قوات الاحتلال والمستوطنين نفذوا خلال النصف الأول من عام 2026 ما مجموعه 11 ألفاً و74 اعتداءً في الضفة الغربية، من بينها 3488 اعتداءً نفذها المستوطنون وحدهم، أسفرت عن استشهاد 17 فلسطينياً.

وسجلت محافظة نابلس، التي تقع فيها جالود، 2095 اعتداءً خلال الفترة ذاتها، لتحتل المرتبة الثالثة بعد الخليل ورام الله والبيرة.

إعلان

ويكشف التقرير أن المستوطنين أقاموا خلال الأشهر الستة نفسها 42 بؤرةً استيطانيةً جديدةً، غالبيتها بؤر رعوية من النوع الذي حاصر عائلة الطوباسي "في استمرار لسياسة فرض الوقائع الميدانية".



إقرأ المزيد