الجزيرة.نت - 7/17/2026 10:47:53 AM - GMT (+3 )
مع صعود آندي بورنهام إلى قيادة حزب العمال واستعداده لتولي رئاسة الوزراء خلفا لكير ستارمر، يطرح السياسي القادم من مانشستر مشروعا طموحا لإعادة رسم الخريطة السياسية والاقتصادية للمملكة المتحدة.
تقوم رؤية بورنهام على إعادة توزيع السلطة خارج لندن، وإحياء القاعدة الصناعية، وتعزيز دور الدولة في إدارة الخدمات الأساسية، لكنه يواجه في الوقت ذاته واقعا اقتصاديا معقدا يثير تساؤلات حول مدى قدرته على تحويل تلك الوعود إلى إنجازات ملموسة.
ويقدّم بورنهام نفسه بوصفه صاحب مسار جديد لبريطانيا، معتبرا أن البلاد سارت طوال العقود الأربعة الماضية في اتجاهات أفضت إلى تركيز السلطة والفرص الاقتصادية في لندن وجنوب إنجلترا على حساب مناطق أخرى، لا سيما الشمال.
نقل السلطة من لندن إلى الأقاليمومن هذا المنطلق، يضع في صدارة أولوياته مشروعا واسعا للامركزية الإدارية والمالية يهدف إلى نقل صلاحيات جوهرية من وستمنستر -المنطقة التي تضم الحكومة والبرلمان في لندن- إلى السلطات المحلية والقيادات الإقليمية.
وتتضمن أجندته تفويض المدن والأقاليم بصلاحيات أوسع في ملفات الإسكان والنقل والتنمية الاقتصادية وإدارة الميزانيات المحلية، فضلا عن إنشاء مقر رديف لرئاسة الوزراء في مدينة مانشستر تحت مسمى "داونينغ ستريت – الشمال"، في خطوة رمزية وعملية تهدف إلى تقريب مركز صنع القرار من المناطق التي ترى أنها عانت طويلا من التهميش الاقتصادي.
ويرى بورنهام أن إعادة توزيع السلطة تمثل شرطا أساسيا لمعالجة الفوارق التنموية العميقة بين لندن والأقاليم، مؤكدا أن النمو الاقتصادي المستدام لن يتحقق من خلال السياسات المركزية التقليدية، بل عبر تمكين المجتمعات المحلية من رسم أولوياتها الاقتصادية بنفسها.
كما أعرب عن انفتاحه على التعاون مع الأحزاب الأخرى لمواجهة التحديات طويلة الأجل التي تواجه البلاد، وتعهد بأن يكون قائدا "للشمال والجنوب، لأسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، ولكل بلدة ومدينة في أقاليم هذا الوطن المعطاء ودول الاتحاد".
نظام اقتصادي جديدوفي الجانب الاقتصادي، يتبنى الزعيم العمالي الجديد رؤية تستند إلى ما يصفه مؤيدوه بإعادة التصنيع وتجديد الاقتصاد البريطاني، عبر التركيز على الإنتاج المحلي، وتوفير وظائف مستقرة، ودعم الاستثمار في المناطق التي شهدت تراجعا صناعيا متسارعا منذ ثمانينيات القرن الماضي.
إعلان
واعتبر بورنهام أن بريطانيا دفعت ثمنا باهظا بالتركيز على النشاط الاقتصادي والخدماتي على حساب الصناعة خلال العقود الماضية.
ويهدف هذا التوجه إلى خلق وظائف مستقرة وتحفيز النمو في المناطق التي تضررت من تراجع الصناعات التقليدية.
ويصف بورنهام مشروعه السياسي والاقتصادي بأنه نهج "عمالي بلا خجل"، في إشارة إلى رغبته في إعادة الحزب إلى جذوره الاجتماعية التقليدية عبر التركيز على مصالح الطبقة العاملة والمجتمعات المحلية.
وتشمل أجندته كذلك توسيع الاستثمار في الإسكان العام، لا سيما من خلال تعزيز دور المجالس المحلية في بناء مساكن مدعومة، إلى جانب تطوير شبكات النقل والبنية التحتية باعتبارها ركائز أساسية لإطلاق النمو في المناطق خارج العاصمة.
لكن خبراء الاقتصاد يرون أن هذا الوعد يواجه تحديات كبيرة، إذ يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة والتدريب والقواعد الصناعية الجديدة، في وقت تواجه فيه الخزانة البريطانية ضغوطا مالية متزايدة، مما يجعل تحقيق نتائج ملموسة خلال السنوات القليلة المقبلة أمرا بالغ الصعوبة.
كما أكد بورنهام حرصه على أن حكومته لن تتخلى عن الانضباط المالي، حيث تعهد بالالتزام بالقواعد المالية التي وضعتها مستشارة الخزانة ريتشيل ريفز، وعدم رفع الضرائب الرئيسية الثلاث، وهي ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والتأمين الوطني، مع إبقاء خيار فرض ضريبة على الثروات مطروحا للنقاش كوسيلة محتملة لتمويل الخدمات العامة، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.
كما أكد أنه لا ينوي التوسّع في الاقتراض الحكومي بصورة كبيرة، ويشير محللون إلى أن هذه المعادلة قد تضع بورنهام أمام خيارات صعبة مستقبلا إذا أراد تنفيذ خططه الاقتصادية كاملة.
توسيع الرقابة العامةكما تعهّد بتوسيع مفهوم الرقابة العامة على الخدمات الأساسية، بما يشمل إمكانية إخضاع الشركات المتعثرة لإجراءات استثنائية، وحتى التأميم المؤقت عند الضرورة.
ويبرز في هذا السياق ملف شركات المياه المثقلة بالديون، حيث يشير بورنهام إلى ضرورة حماية المستهلكين من تداعيات الإخفاقات الإدارية والمالية في بعض المرافق الحيوية.
غير أن الطريق أمام هذه الرؤية لا يبدو ممهدا، فبحسب تحليلات أكاديمية وسياسية، من بينها تقييمات باحثين في كلية لندن للاقتصاد، فإن بورنهام يرث اقتصادا يواجه مجموعة من التحديات البنيوية المتشابكة، تشمل ضعف نمو الأجور الحقيقية، واستمرار أزمة تكلفة المعيشة، والتباطؤ الاقتصادي، وضغوط الإنفاق الدفاعي، فضلا عن تداعيات تراجع القاعدة الصناعية البريطانية واتساع المطالب الموجهة للخزانة العامة.
ويرى مراقبون أن أكثر وعود بورنهام قابلية للتنفيذ تتمثل في مسار اللامركزية ونقل الصلاحيات إلى السلطات المحلية، نظرا لأن هذا التوجه لا يتطلب بالضرورة إنفاقا حكوميا ضخما بقدر ما يحتاج إلى إعادة توزيع الصلاحيات والموارد داخل هيكل الدولة.
إعلان
كما يعتبر بعض المحللين أن تبني إجراءات أكثر صرامة تجاه شركات الخدمات المتعثرة، بما فيها التأميم المؤقت لبعض الكيانات، يمثل خيارا سياسيا وتنفيذيا متاحا نسبيا إذا ما تدهورت أوضاع تلك الشركات بصورة تهدد المصلحة العامة.
في المقابل، تبدو وعود إعادة إحياء الصناعة وتوسيع الاستثمار العام أكثر تعقيدا في ظل القيود المالية الحالية؛ إذ إن تنفيذ مشاريع تنموية واسعة النطاق خارج لندن يتطلب موارد مالية كبيرة في وقت تتمسك فيه الحكومة المرتقبة بعدم زيادة الاقتراض بصورة جوهرية، وعدم رفع الضرائب الأساسية.
ويشير خبراء إلى أن هذا التناقض يمثل أحد أبرز التحديات أمام بورنهام، فهو يسعى إلى توسيع دور الدولة وتحفيز التنمية الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يقيد نفسه بالتزامات مالية صارمة تحد من هامش المناورة المتاح له.
كذلك يواجه بورنهام تحدي إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية دون إثارة ردود فعل شعبية وسياسية واسعة، حيث يدعو إلى تقليص الاعتماد على الإعانات من خلال إصلاحات هيكلية أكثر عدالة، بدلا من اللجوء إلى الاقتطاعات المباشرة التي أثارت انتقادات واسعة في السابق.
عناصر قوة وعناصر تحدٍّيعتقد باحثون في كلية لندن أن بورنهام يمتلك بعض عناصر القوة التي قد تمنحه فرصة لضبط المشهد السياسي البريطاني، وفي مقدمتها حضوره الشعبي القوي وخبرته الطويلة في الحكم المحلي وقدرته على التواصل مع الناخبين خارج لندن. لكنهم يشددون في الوقت نفسه على أن نجاح مشروعه سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على التوفيق بين طموحات إنفاقية وتنموية واسعة وبين واقع مالي ضيق، وعلى إيجاد معادلة تسمح له بتحقيق وعود المسار الجديد من دون الإخلال باستقرار المالية العامة.
ويصل بورنهام لقيادة البلاد في لحظة سياسية بالغة الحساسية، بعدما أمضى حزب العمال نحو عام ونصف العام يعاني تراجعا في استطلاعات الرأي وفقدانا متزايدا للزخم السياسي.
كما أن عامل الوقت لا يبدو في مصلحته؛ إذ لا تفصله عن الانتخابات العامة المقبلة سوى نحو 3 سنوات، وربما أقل، وهي فترة يراها مراقبون قصيرة لإحداث تحول ملموس في الأداء الحكومي وإقناع الناخبين بأن حزب العمال قادر على تجديد شرعيته والبقاء في السلطة.
ويرى باحثون في كلية لندن بأن السوابق التاريخية تزيد من صعوبة المهمة؛ فالتاريخ السياسي البريطاني لا يمنح الكثير من أسباب التفاؤل للقادة الذين يصلون إلى سدة الحكم في منتصف الدورة البرلمانية. فقد تولى جيمس كالاهان وغوردون براون رئاسة الحكومة عقب تنحي سلفيهما، لكنّ كليهما انتهى إلى خسارة السلطة في الانتخابات اللاحقة عامي 1979 و2010 على التوالي، في سابقة تلقي بظلالها على التحديات التي تنتظر بورنهام وهو يحاول كسر نمط سياسي لطالما أثبت صعوبة الإفلات منه.
إقرأ المزيد


